صدر حديثًا كتاب الباحث المغربي الحسن أولحاج بعنوان : تناقض الفكر العربي عن دار [1]لارماتان في سلسلة «حوارات بين الأديان». يمثل هذا الكتاب إضافة نوعية ومثيرة للنقاش في الحقل الفكري العربي المعاصر، إذ يقدم قراءة نقدية معمقة لأعمال أبرز مفكري القرن العشرين، محمد عركون و محمد عبيد الجابري، اللذين عرفا بمحاولاتهما إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي في سياق الحداثة والتحليل النقدي. يمتد الكتاب على 334 صفحة ويجمع بين البحث الأكاديمي الصارم والأسلوب النقدي الجريء الذي يميز كتابات أولحاج
على الجانب الآخر، يمنح الكتاب مساحة واسعة لتحليل أعمال محمد عركون، مشيدًا بما وصفه بالطموح الإنساني والفكري لعركون في قراءة التراث العربي. مع ذلك، لا يتردد أولحاج في الإشارة إلى تعقيد لغة عركون وغموض بعض أفكاره التي قد تُربك القارئ العام، مما يجعل تأثير مشروعه محدودًا على نطاق جماهيري أوسع. ويشير أيضًا إلى أن بعض المقولات الفلسفية لعركون تنطوي على تناقضات داخلية تمنعها من أن تكون إطارًا معرفيًا متماسكًا للتحليل النقدي الشامل للتراث العربي الإسلامي.
تتسم الفصول الوسطى للكتاب بالجرأة، إذ يقدم أولحاج قراءة نقدية تجاوزت مجرد تحليل أعمال الجابري وعركون لتصل إلى مقاربة فلسفية أوسع تتعلق بالحداثة والإنسانية النقدية. يدعو المؤلف إلى إعادة النظر في الرؤية المثالية للماضي الإسلامي، معتبرًا أن العودة المستمرة إلى إعادة بناء نموذج مثالي من التراث غالبًا ما تكون معيقة للتجديد الاجتماعي والثقافي. ويطرح أولحاج ضرورة الانفتاح على أفكار الحداثة المستمدة من فلسفة التنوير الغربية كأداة فعالة لتفكيك الأنساق الفكرية التي تعيق التطور العربي.
في إطار نقده، يسلط الكتاب الضوء على المفارقة الكبرى في الفكر العربي المعاصر، وهي محاولة الجمع بين الطموح التحرري وبين أدوات نظرية محدودة أو مغلقة. يرى أولحاج أن هذه المفارقة أنتجت ما يمكن وصفه بـ الخطاب الغامض والمتناقض، الذي لا يخاطب الواقع الاجتماعي والسياسي بشكل مباشر، ويحد من قدرة الفكر العربي على أن يكون عامل تغيير حقيقي. ويقارن الكتاب بين مشروع الجابري وعركون لتوضيح نقاط القوة والضعف في كل مشروع على حدة، مؤكدًا أن التناقضات الداخلية في هذا الفكر لم تُفهم بالشكل الكافي في الدراسات السابقة.
يتوسع أولحاج أيضًا في تحليل العلاقة بين العقل والتاريخ، مؤكّدًا أن محاولات الفكر العربي للعودة إلى التراث غالبًا ما أسهمت في تجميد التفكير النقدي بدلًا من تحريره. ويشير إلى أن نقد التراث ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لفهم التاريخ العربي والإسلامي في سياق معاصر يتيح للإنسان العربي المشاركة الفاعلة في التجديد الثقافي والاجتماعي. بهذا، يشجع الكتاب القراء على المواجهة النقدية الجريئة للأفكار التقليدية وطرح الأسئلة الكبرى حول المستقبل المعرفي للفكر العربي.
في الفصول الأخيرة، يقدم أولحاج خلاصاته واستنتاجاته التي تمثل دعوة مفتوحة للباحثين والمفكرين العرب لإعادة النظر في أسس التجديد الفكري. ويختتم الكتاب بالتأكيد على أن تجاوز التناقضات في الفكر العربي المعاصر يتطلب تحليلًا نقديًا متوازنًا يدمج بين الحداثة والوعي التاريخي والإنسانية. بهذا المعنى، لا يقدّم الكتاب مجرد قراءة نقدية، بل يشكّل خارطة طريق فكرية يمكن للباحثين من خلالها استلهام مناهج جديدة للمعرفة النقدية في العالم العربي.
[1] https://www.editions-harmattan.fr/catalogue/livre/incoherence-de-la-pensee-arabiste/80294?srsltid=AfmBOopo7t3lLFaAcYCUdPFl5lW44TE1EsKEl2_oCik2vzen_NZmmvJv
حميد فايو، دكتور باحث واقتصادي