قبل أشهر، حذرت في مقال نشر في ماي 2025 من أن الطفرة السريعة التي تعرفها صناعة السيارات بالمغرب، رغم أهميتها، قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا لم تُحصَّن بتنويع حقيقي وسلاسل قيمة متقدمة وقدرة على التكيف مع التحولات العالمية. اليوم، ومع بداية ظهور مؤشرات تراجع في الإنتاج في سنة 2025 وتسريح للعمال في بعض الوحدات الصناعية، لم يعد السؤال نظريا، بل أصبح واقع يفرض نقاش صريح حول مستقبل هذا القطاع الحيوي.
تُظهر المعطيات الحديثة الصادرة في أواخر يناير 2026 أن المؤشرات التحذيرية التي كانت تُطرح بشكل نظري أصبحت اليوم واقع رقمي. فقد أفادت تقارير صحفية اقتصادية متخصصة، اعتماداً على معطيات صناعية وطنية، أن إنتاج السيارات بالمغرب تراجع بحوالي 10٪ خلال سنة 2025 مقارنة بسنة 2024، بعد سنوات متتالية من النمو القياسي. هذا الانخفاض ارتبط أساسا بتباطؤ الطلب الأوروبي وإعادة ضبط الطلبيات لدى المصنعين المرتبطين بالسوق الأوروبية، خاصة في فئة السيارات الاقتصادية الموجهة للتصدير. هذه الأرقام تُعد أول تراجع سنوي ملموس منذ صعود المغرب إلى صدارة الإنتاج الإفريقي في القطاع.
كما تؤكد بيانات مكتب الصرف المنشورة حول المبادلات الخارجية لسنة 2025 أن دينامية التصدير في قطاع السيارات لم تعد بنفس الزخم السابق، إذ تم تسجيل انخفاض في صادرات قطاع السيارات بنحو 2.7٪ خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، مع تراجع أكثر حدة في فئة السيارات المركبة الجاهزة للتصدير التي هبطت بحوالي 14.6٪، مقابل ارتفاع جزئي في بعض المكونات مثل الأسلاك والتجهيزات الكهربائية. هذا التباين بين مكونات السلسلة الإنتاجية والسيارات الكاملة يعكس ضغط المنافسة الدولية، خاصة من المصنعين الصينيين، وتحول الطلب نحو نماذج كهربائية وتكنولوجية أعلى، وهو ما يطرح تحدي مباشر أمام نموذج الإنتاج القائم حاليا على التجميع والكلفة المنخفضة.
لقد شكلت صناعة السيارات خلال العقد الأخير واجهة النمو الصناعي المغربي، ونجحت في تصدر الصادرات وخلق آلاف مناصب الشغل وجذب استثمارات كبرى. غير أن ما يحدث حاليا في السوق العالمية يكشف أن النمو القائم على جذب وحدات التجميع والتصنيع منخفض التكلفة يظل هشا أمام الصدمات التكنولوجية وتحولات المنافسة الدولية.
المتغير الجديد والأكثر تأثيراً هو الصعود الكاسح للعلامات الصينية، خاصة في مجال السيارات الكهربائية والهجينة. هذه الشركات لم تدخل السوق فقط بأسعار منخفضة، بل أيضاً بتكنولوجيا متقدمة وسرعة ابتكار وقدرة إنتاجية ضخمة مدعومة بسلاسل توريد محلية قوية. النتيجة أن المصنعين التقليديين في أوروبا — وهم الشريك الرئيسي للمغرب — أصبحوا تحت ضغط تنافسي كبير، ما يدفعهم إلى إعادة هيكلة سريعة، وتقليص التكاليف، ومراجعة مواقع الإنتاج.
هذا التحول بدأ ينعكس مباشرة على الدول المرتبطة صناعيا بالسوق الأوروبية، ومنها المغرب. فعندما تتراجع الطلبيات أو يعاد توزيع الإنتاج أو يتم تسريع الانتقال نحو نماذج كهربائية بتصاميم جديدة، فإن أول ما يتأثر هو منصات الإنتاج التابعة لسلاسل التوريد الخارجية، خصوصاً تلك التي تتمركز في حلقات التجميع والتصنيع المتوسط.
كما أن الرهان المغربي الكبير على السيارات الاقتصادية منخفضة الكلفة أصبح أكثر حساسية من أي وقت مضى. فالمستهلك العالمي يتجه تدريجيا نحو سيارات ذكية، كهربائية، متصلة رقميا، وغنية بالأنظمة المدمجة، وهي مجالات لا تزال القيمة المضافة فيها تتركز خارج المنظومة الصناعية المحلية. وهنا يظهر الخلل البنيوي: نحن نصنع أكثر، لكننا لا نملك ما يكفي من التكنولوجيا.
تسريح العمال حتى وإن كان جزئيا ومحدودا في الوقت الراهن، يعتبر مؤشر مبكر على ضرورة مراجعة النموذج. فالصناعة التي تقوم أساسا على ميزة الكلفة المنخفضة تصبح أول ضحية عندما يظهر منافس أقل كلفة وأكثر تطورا في الوقت نفسه — وهذا بالضبط ما تمثله اليوم الشركات الصينية.
المشكل لا يتعلق بالصين فقط، بل بسرعة التحول في صناعة السيارات عالميا . الذكاء الاصطناعي، القيادة شبه الذاتية، البطاريات الجديدة، البرمجيات المدمجة، كلها أصبحت جوهر القيمة الصناعية. إذا لم يتحول المغرب من “منصة تصنيع” إلى “منصة تطوير وابتكار”، فسيظل عرضة لتقلبات قرارات الشركات الأم وتحولات الأسواق الخارجية.
المرحلة القادمة تتطلب انتقال استراتيجي واضح يتمثل في دعم البحث والتطوير الصناعي، تشجيع تصميم المكونات محلياً، بناء شراكات تكنولوجية لا تقتصر على الإنتاج، توجيه التكوين العالي نحو هندسة الأنظمة الذكية والبرمجيات الصناعية، وتحفيز بروز فاعلين وطنيين في الصناعات المرتبطة بالسيارات الكهربائية خاصة البطاريات والإلكترونيات المدمجة.
كما أن تنويع القاعدة الصناعية لم يعد خيار بل ضرورة. لا يمكن لأي اقتصاد صاعد أن يضع ثقله التصديري في قطاع واحد مهما كان ناجحا. التجارب الدولية تظهر أن المدن والدول التي ربطت مصيرها بصناعة واحدة دفعت الثمن عندما تغيرت قواعد اللعبة.
ما يحدث اليوم ليس فشل بل إنذار مبكر. والفرق بين التجارب الناجحة والفاشلة هو كيفية قراءة الإنذار: هل يُتعامل معه كضجيج عابر، أم كإشارة لإعادة التموضع؟
النجاح الصناعي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المصانع، بل بقدرة البلد على التحكم في المعرفة، وامتلاك التكنولوجيا، وصناعة القرار الصناعي، لا فقط تنفيذِه.