من المعلوم أن موسم فصل الشتاء 2025/2026، قد سجل تساقطات مطرية غزيرة تسبّبت في عدة فيضانات بمختلف مناطق جهات المغرب، بالنظر إلى ارتفاع منسوب بعض الوديان وتدفّق شرايين وجداول وأنهار الشّعاب والجبال، واكتساح مياه الفيضانات للتلال والهضاب وإغراق التجمعات السكنية في المنحدرات ـ بوادي ومدن ـ في غياب سدود تلية ومنشآت واقية تحمي الأرض والإنسان والحيوان على السواء.
مما لا شك فيه أن غزارة التّساقطات المطرية وفيضانات سيول الأودية قد تسببت في قطع وتعطيل حركة التنقل، وتوقفت على إثرها العديد من طرقنا الوطنية الرئيسية منها المصنفة وغير المصنفة، دون الحديث عما تعرضت له القناطر والممرات من تدمير مهول. مما عجل باستنفار مختلف السلطات المحلية والإقليمية، والقوات العمومية يكل الوسائل المتاحة، إلى جاب هبة التطوع التي يقودها دوي الضمائر الوطنية الحية رفقة شباب الوطن.
للأسف الشديد، لو كانت شوارع مدننا، وأزقة أحياء دروبنا تتوفر على التجهيزات الأساسية والضرورية، واحترامها لمعايير الدراسات الهندسية والتقنية، التي تنص على إلزامية وضع وإنشاء القنوات، والقواديس، والبالوعات، وفق شروط التصميم المساعدة على تصريف المياه سواء ذات الصلة بمجاري الصرف الصحي، أو تعلق الأمر بمياه الأمطار الغزيرة. نعم لو تم احترام هذه الشروط الضرورية، لَمَا "وقعت الواقعة" وغمرت المياه العديد من القناطر والممرات، ووصل منسوب المياه للمؤسسات التعليمية، والمتاجر والمنازل بمختلف الأحياء، ولا اكتسح منسوب المياه بعض الإدارات العمومية والمنشآت الخدماتية، بل لن يسمح ذلك بتحويل بعض مدننا، إلى مدن عائمة تحتاج إلى قوارب الصيد، والعديد من الآليات ذات الاستعمالات المختلفة والشاحنات والمركبات لإجلاء أسر بكاملها بعيدا عن الكارثة.
لو تحملت الجماعات الترابية التي تديرها عينات من تشكيلة الهندسة الحكومية ـ ثلاثية الأضلاع ـ بمختلف جهاتنا بتنسيق مع شركائها المفترضين، مسؤوليتها الجسيمة في تدبير الشأن المحلي بنكران للذات، واستبقت توقعات التساقطات المطرية الغزيرة وكوارث سيول الفيضانات، وعمل رؤسائها على إذكاء روح العمل بضمير مهني، وحفزوا الأطر والمهندسين والموظفين على الإبداع والتفكير في مثل هذه القضايا المصيرية، واستثمار عائدات مداخيلها، وأبواب وفصول ميزانياتها لما وقعت الكارثة. أو على الأقل يمكن أن نتحدث هنا والآن بشكل كان سيخفف ويساهم إيجابا في ضمان استقرار المواطنات والمواطنين في بيوتهم وضمان أمن ممتلكاتهم وسلامتهم واستمرارية حياتهم بشكل يحفظ جميع حقوقهم.
ما وقع بالأمس القريب بسبب فيضانات الوديان في مدينة أسفي حاضرة المحيط، أو مدينة اليوسفية عاصمة الفوسفاط، وكذلك بمناطق عديدة فلاحية سواء بالغرب أو دكالة، ثم الرحامنة إلى جانب منطقة أحمر وغيرها من المجالات الجغرافية التي شهدت فيضانات تناقلت حجم خسائرها وأضرارها المادية والبشرية وسائل التواصل الاجتماعي ـ ما وقع بالأمس القريب ـ يستدعي اليوم وبشكل عاجل، وخز ضمير القائمين على شأننا الوطني والمحلي، وفتح ملفاتهم والتحقيق معهم، ومحاسبتهم على استهتارهم بأرواح الناس وممتلكاتهم، بالنظر إلى المحاذير والتنبيهات المتكررة، ودق ناقوس الخطر من طرف المراقبين والمحللين والخبراء وكذا المنابر الإعلامية والصحفية المتخصصة ميدانيا، على مستوى الإسراع بتنفيذ مشاريع وقائية واستباقية ظلت جامدة في ثلاجة المؤسسات المعنية، بل بقيت حبرا على الورق، مهملة ومنسية على رفوف هذا المسؤول بهذه الإدارة أو ذلك القطاع.
ما يحز في نفس المتتبع اللبيب للشأن الوطني والمحلي، هو تلك الهبّة السّريعة التي يجيدها "نوّام الأمة" وشريحة من المنتخبين "الْحَامْضِينْ" في سباقهم المحموم للظهور في المواكب الرسمية التي يتزعمها بعض "الوزراء الفاشلين"، على متن سيارات "M روج"، مدثّرين بأرقى الملابس التي يفوح منها رائحة العطر الفرنسي ودخان السجائر الفاخرة، بعد تجنيدهم لـ "صنّاع المحتوى" من أجل التقاط صور وترويج فيديوهات على صفحات التواصل الاجتماعي البئيسة، وكأنهم حققوا النصر المبين. طبعا، بعد إدلائهم بتصريحات "لا تغني ولا تسمين من جوع"، لكنهم في واقع الحال لا يجيدون سوى سياسة العلاج بالتنويم المغناطيسي، وترسيخ سلوك النفاق السياسي والاجتماعي.
لقد صدق المثل المغربي القائل: "كُونْ كَانْ الْخُوخْ يْدَاوِي كُونْ دَوَا رَاسُو". فأية حصيلة لإنجازات يمكن أن نتحدث عنها منذ عقود في سجل من احتلوا كراسي المسؤولية واحتكروها من هؤلاء "المقنّعين/قناع" الذين تسلّطوا للأسف الشديد على مؤسساتنا المنتخبة وطنيا ومحليا، وأغرقوا مسامع الناس بخرجاتهم وشطحاتهم "البهلوانية" في ظل تدبيرهم الفاشل للشأن العام الوطني والمحلي؟ وأية حصيلة يمكن أن ترفع من شأنهم وتمحي أخطائهم، في زمن معالجة قضايا المجتمع وعلى رأسها إشكالية التفوق على تدبير مواردنا المائية التي تجود بها السماء بسخاء عز نظيره، بعد سبع سنوات عجاف؟
لا يسعنا في هذه الفترة العصيبة إلا أن نردّد في صمت: "إذا وقعت الواقعة فليس لوقعتها كاذبة"، مع التأكيد على أن لا منقد من كوارث هؤلاء "الفاشلين" سوى الأوامر والتعليمات الوجيهة والحكيمة لقائد القوات المسلحة الملكية، والأيادي البيضاء لأمير المؤمنين، محمد السادس ملك البلاد، الذي لا يذخر جهدا في التدخل في الوقت الحاسم، وتحريك فيالق وكتائب الجيش لتقديم الخدمات الضرورية والأساسية لعلاج تراكم مشاكل من أوكلت لهم مسؤولية تدبير شأننا الوطني والمحلي.
شكرا لكم، شجعان قواتنا الملكية المسلحة العظيمة، أنتم حماة الوطن والمواطنين، وببسالتكم تقفون في كل حين في وجه المتربصين تلبية لنداء الوطن، أنتم تشكيلة الوفاء والصدق التي تنبض عشقا بحب تربة هذه الأرض الخصبة والمعطاءة. أنتم بلسم شفاء للمرضى والمعوزين في الجبال والسهول، وأنتم ملائكة الرحمة القادرون على مسح دموع الأطفال والأمهات والآباء في مثل هذه اللحظات العصيبة. أنتم الدرع الواقي من كل الكوارث، والفواجع هنا وهناك، دمتم الحصن المنيع، والدواء الشافي لهذا البلد الأمين.
لقد حان الوقت لمحو الأخطاء الجسيمة التي اقترفها "المقنّعون/قناع" من شريحة الفاشلين الجاثمين على صدور الناس هنا وهناك بمؤسساتنا المنتخبة، والذين لا يتقنون غير مراكمة الثروة والنفخ في حسابتهم وأرصدتهم وعقاراتهم.
هذه الأخطاء المتكررة والتي لا تغتفر ـ حسب القوانين الوضعية والسماوية ـ بل أنها ترقى إلى جرائم في حق الشعب والوطن. وعليه فقد حان الوقت لإبعادهم عن تدبير شأننا الوطني والمحلي بعد أن تبث في حقهم إضاعة فرص المغرب الصاعد بقيادة ملك البلاد، ومحاسبتهم عن تقاعسهم في تنفيذ التزاماتهم ومسؤولياتهم اتجاه الوطن، من أجل تحقيق أحلام المواطنات والمواطنين ذات الصلة بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، والتي يكفلها الدستور المغربي.