samedi 31 janvier 2026
منوعات

حميد لغشاوي : من الوهم الاعتقاد أن الوسائط الاجتماعية لا تتضمن محتويات تحاول تكريس العداء الممنهج ضد المغرب

حميد لغشاوي : من الوهم الاعتقاد أن الوسائط الاجتماعية لا تتضمن محتويات تحاول تكريس العداء الممنهج ضد المغرب حميد لغشاوي، باحث سوسيولوجي

يرى حميد لغشاوي، باحث سوسيولوجي أن الحملات الرقمية التي حيكت ضد المغرب إثر أحداث نهائي الكان 2025 التي استضافها المغرب تضمنت نموا انفجاريا للعداء ، وهو ما يؤكد أن المواقف السياسية اليوم  تصاغ عبر مضامين رقمية، داعيا إلى تعزيز المناعة الرقمية وتقوية الخطاب العمومي، لمواجهة ما يحاك ضد المغرب على المستوى الإفريقي ، مؤكدا بأنه من الوهم الاعتقاد بأن الوسائط الاجتماعية  سليمة، فهي تتأجج بمحتويات فيروسية، قد تكون تافهة، ولكنها قد تتحول إلى "حقيقة سياسية" فعالة، تعض بالنواجد على المستهدف من هذا العجيج، وتكرس العداء الممنهج.


ماهي قراءتك للأحداث التي رافقت نهائي الكان 2025 الذي احتضنه المغرب وما طبعها من انفعالات وردود ومواقف في الشبكات الاجتماعية والتي لم تظل حبيسة إطارها الرياضي ؟

  عندما نعيد قراءة هذه الأحداث نقف على حقيقة مفادها أن التظاهرات الرياضية في إفريقيا، لا يمكن فصلها عن المواقف السياسية والاجتماعية، والقوى الإقليمية والدولية، واحتضان المغرب مباريات كأس أمم إفريقيا 2025، حوله إلى مجال ل " لانفعال الرياضي" تعيّر فيه الجماهير وتسرب مواقفها السياسية.

  شكلت الوسائط الاجتماعية طرقا جديدة في التعبئة، أذكر هنا ولو اضطررنا إلى التكرار، أن بعض الدول صنعت جمهورها الرقمي الذي يردد سياستها الداخلية، كتلك السياسة المعادية  للمغرب، وانتقلت عدواه إلى الجماهير الرياضية.

و الثابت، أيضا، أن الشبكات الرقمية عطلت آلية التفكير المنطقي، وفتحت المجال إلى اللاشعور، ولغته هي الفوضى والسب والشتم والقذف والحقد والكراهية، والإدانة والرفض، هذه اللغة موجودة بالقوة في ذاكرة الجماهير. بمعنى أن الجماهير  الرياضية التي أتت إلى المغرب، تحمل تصورا مسبقا مركبا من تمثلات رقمية (موجودة بالقوة)، ومواقف مسبقة، قد تكون سياسية أو اقتصادية أو حتى تصفية حسابات، يضاف إلى ذلك الجانب السيكولوجي داخل الملاعب، الذي ينقل هذه المواقف من القوة إلى الفعل والسلوك. تستغل من طرف أجندات وقوى ترى  في المغرب فاعلا إفريقيا مزعجا، يجب  ردعه.

إن هذا العجيج الموجه، لم يكن سليما ومعافى من أغراض مضمرة  تجاه  المغرب، تجلت معالمه في الخبث الرياضي، والنية المبيتة في إفشال التظاهرة، وتأجيج النعرات بين الجماهير، وقد لعبت  الوسائط الاجتماعية دورا كبير ا في عملية الانتقاء والترويج والتأجيج.

والغاية الأولى من هذا "الدفع الموجه" هو ردع الدور المحوري والفاعل للمغرب في إفريقيا ومحاولة الحد من تأثيره وتقزيمه، بتشويه صورته، وقد استفاد، هؤلاء المزعجون، من الاضطراب الجيوسياسي والاقتصادي الذي تعرفه إفريقيا المبني أساسا على صراع المصالح، ومبدأ مكافأة الأتباع وعقاب الخصوم (عملا بنظرية الحمام الاقتصادية)، وقد وقعت بعض الجماهير المغربية - للأسف - تحت تأثير هذا العجيج بترديد عبارة عبد الله العروي المنزوعة من سياقها "المغرب جزيرة".

هذه السيرورات المعقدة جعلت "الكان 2025" في المغرب عسيرا، حيث شابه الخوف قبل انطلاقه،  وبدايته شكلت لحظة توهج هذا النسق السلبي، المركب بعناية.

 

لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دورا خطيرا في تضخيم الأحداث، كما أنها انتقلت بسرعة مذهلة نحو تبني سردية " العداء الممنهج " ضد المغرب، فمن يقف خلف ذلك في نظرك ؟

لا يمكن إغفال أن شبكات التواصل الاجتماعي تظل عنصرا فاعلا في تنشيط فلسفة الجماهير وروحها السياسية والاجتماعية والرياضية. لقد منحت الرقمية، بوجه عام، العالم الرياضي حياة ثانية، ونقلت شعاعه التأثيري من خبايا الملعب إلى البوادي والمداشر والجبال والمدن والقارات، حيث يختفي الفصل الطبقي، وتنشط الرقابة الباحثة عن الزلات والأخطاء، وتتعطل آلية التفكير، ويسود ما تسميه النخبة بذوق العامة.

من الوهم الاعتقاد بأن الوسائط الاجتماعية  سليمة، وهي تتأجج بمحتويات فيروسية، قد تكون تافهة، ولكنها قد تتحول إلى "حقيقة سياسية" فعالة، تعض بالنواجد على المستهدف من هذا العجيج، وتكرس العداء الممنهج، وتبني مواقف تبرر بأحكام مسبقة أو تخيل هذياني، وهذا ما جعل بعض المنابر الإعلامية في بعض الدول العربية تتخذ من الانفعالات الظرفية، ذريعة لاتهام المغرب بالعنصرية والعداء للأفارقة.

 لقد حولت شبكات التواصل الاجتماعي حدثا معزولا إلى سم  في يد الحاقد والحاسد. سواء كان فردا أو مؤسسة أو دولة، بكلفة مادي منخفضة. السم الذي كان يستهدف به المغرب هو "سم البغض"، الذي يحط من شأن كل شيء: موقعه الإفريقي، نجاحه التنظيمي، انتصاراته السياسية، طموحه الإفريقي والدولي، أما الملاعب، والجماهير، والفنادق، والناموس، والمؤامرة، والرشوة.. تبقى مجرد أغلفة شفافة.  وحين تعم العدوى ويسود الوهم  وينتشر الزيف والخداع كالأوبئة، في منصات التواصل الافتراضية، ترتبك أدوات التشخيص. فهل حقا "يختزل الواقع في الراهنيات" كما يقول "غرانجيه "؟

 الواقع اليوم مركب من وجه واقعي يمور بالتحولات العالمية المعقدة، التي تبني تكتلات جديدة، والمغرب ليس في منأى عنها، ووجه آخر هو مزيج من الافتراضي والمحتمل، ينقله  المؤثرون ويشاركه الأفراد، هو في الحقيقة واقع مختزل في اللحظة، ومشحون بهالة عاطفية جميلة أو قبيحة: محطة القطار، ثلوج ، ملعب، مراوغة، انفعالات الجماهير، وتصير هذه العاطفة أكثر عنفا حين تتحول إلى غرض وراءه مصلحة ملغومة، تتقاذفه الألسن الافتراضية المؤيدة والمعارضة.

 

ماذا عن تحول الهجرة كسلاح في الأحداث ؟ وكيف ساهمت التكنولوجيات الرقمية في صنع "الترندات السياسية" وإخراج الأحداث من سياقها الرياضي إلى سياق أرحب: السياسي والثقافي؟

سؤالكم يذكرني بسؤال طرحه روبير ريديكير في كتابه "شبكات التواصل الاجتماعي": "ما السياسة ؟ الجواب: إنها موقف سيكولوجي طوبولوجي. فأبشع السياسات في التاريخ، وأكثرها تدميرا للإنسانية، هي تلك التي تنحاز إلى الشريحة التي تعوي فيها الذئاب والأسود والأفاعي"، هذه الحيوانات تجد مرتعها في بعض دول إفريقيا.

نضيف إليها أيضا حيوانا آخر وهو الناموس.  وإذا كنا نحث على  تعليم أطفالنا العيش مع "البقات" التكنولوجية المزعجة (والبقة حشرة معروفة في المجال العلمي بالحدث الذي عطل آلية عمل النسق داخل الجهاز رقمي )، فاليوم لابد أن نقبل ب تأثير "الناموس الرياضي"، والتعايش معه، ومع لسعاته، والالتفاف على أضراره، إن لم يكن الاستفادة منها.

لابد أن نؤمن بحركية التاريخ، وهي تجود بهذه المتغيرات لأننا لا نعيش فوق التاريخ  ولا تحته. نحن لسنا جزيرة، بل سفينة متصلة، تتقادفها الرقمية من كل حدب وصوب، والرهان يتجاوز ما هو سياسي و اقتصادي إلى الثقافي والفني حتى لا نفقد بوصلة السير مع التاريخ، و الثبات في الهوية، نحن ننتمي إلى إفريقيا، والكون الثقافي الإفريقي جزء لا يتجزأ من هويتنا ويجب التعايش مع طبيعة الحياة فيها، وشروط اللعبة داخلها، والوعي بما يحاك فيها سياسيا اقتصاديا. إفريقيا اليوم جغرافية لتضارب المصالح والنفود. واتخاذ الهجرة سبيلا لتأجيج النعرات بين المغرب والشعوب الإفريقية، غايته تدمير الصورة المكون الثقافي والهوياتي المغربي المتعدد. بمعنى أن البعد ذو طابع ثقافي.

ولا بد أن نؤمن بحياة ثانية  (Second Life)، يعيش فيها مواطنين تحت تأثير مخيال آتي من عالم افتراضي خلفي، فيه سم ووهم وخداع وخرافة وسراب، تحركه، حشود من المؤثرين من خلال سلسلة من المحتويات، تتميز بسهولة الإنتاج، وبلغت حدا لا مفر منه، وتوجه بمقابل مادي، خارجي أو داخلي، وتتجمل بنجاحاتنا أو إخفاقاتنا. إن الشيطان يكمن في التفاصيل التكنو سياسية، كما يقول جون بوستيل.

ولعل قناع "البقة" السينغالية، كان الغاية منه تشديد الخناق على المغرب بمبرر أن هناك "مؤامرة في اللعبة"، " هذا الحدس الخبيث نقل المباراة والجماهير إلى خارج الخط الرياضي، تحت تغطية إعلامية دولية. فتجاوزت الدراما الرياضية حدود البعد الجغرافي : المغرب/ إفريقيا، الى بعد استراتيجي حرج: المغرب في مواجهة إفريقيا.

 في المقابل تم تجنيد مؤثرين ووسائل إعلام رسمية ورقمية، للقيام بحملة مكثفة، مستفيدة من ثلاث ركائز وهي: "النصية الفائقة" التي تضمن تكرار الرسالة السلبية عن المغرب، و"التفاعلية" المتحركة بسرعة، وتضخيم التأثير من طرف بعض الجيف الافتراضية المعادية. فانتشرت الأزمة في شكل فيروس، انعكست صداها في فرح جماهيري عارم بهزيمة المغرب، وسلْب حقه في الانتصار ب"الكان".

وعلى الرغم من قوة أو ضعف تأثير هذه الحملات التي حيكت ضد المغرب، فإن سماتها الأساسية تتضمن نموا انفجاريا للعداء وتؤكد ما كنا نردده مرارا أن المواقف السياسية اليوم  تصاغ عبر مضامين رقمية، والسياق يقتضي تعزيز المناعة الرقمية وتقوية الخطاب العمومي، لصناعة رأي عام حذق وملم بالتكنولوجيا.