jeudi 26 février 2026
كتاب الرأي

منير لكماني: رمضان خريطة جديدة للشغل.. ثلاثون يوما تعيد توزيع الرزق في السوق والبيت

منير لكماني: رمضان خريطة جديدة للشغل..  ثلاثون يوما تعيد توزيع الرزق في السوق والبيت منير لكماني

يأتي هذا الشهر كل عام وهو يحمل معه سكينة البيوت وحرارة اللقاءات، لكنه يحمل أيضا تحولا صامتا في السوق. ساعات العمل تتبدل، والعادات اليومية تنعطف، والطلب على سلع بعينها يرتفع فجأة كأنه موجة تعرف طريقها سلفا. بين المائدة التي تتسع، والجيب الذي يضيق، تتشكل ظاهرة إقتصادية وإجتماعية دقيقة: شهر واحد يعيد توزيع الرزق بين مهن تزدهر بسرعة، وقطاعات تتراجع وكأنها تلتقط أنفاسها حتى يعود النسق المعتاد. وما يبدو تفصيلا عابرا في البداية، يصير مع توالي الأيام نظاما كاملا: توقيت جديد، وحاجات جديدة، وفرص عمل لا تظهر إلا في هذا الموعد.

 

نبض الإنفاق

تكشف معطيات رسمية عن ثقل هذا التحول. المتوسط العام لإنفاق الأسر يرتفع خلال هذا الشهر بنحو 18,2% مقارنة بباقي أشهر السنة، مع تفاوت بين الوسط الحضري والوسط القروي. كما أن جزءا مهما من الزيادة يرتبط بالغذاء نفسه، إذ يرتفع الغلاف المخصص له بنحو 17,8%. هذه الأرقام لا تعني أن الجميع ينفق بالطريقة ذاتها، لكنها تبين أن السوق يستعد مسبقا، وأن الأسرة تجد نفسها أمام أسئلة يومية تتكرر: ماذا نشتري، وكم نشتري، وكيف نوفق بين الرغبة والقدرة. وحين يتحول الشراء إلى سباق، يتسع هامش الخطأ، وتكبر الفاتورة دون أن تكبر الفائدة.

 

رزق عابر

حين يشتد الطلب على الحلويات والفطائر والتمور والعسل، تتحرك أيد كثيرة من خلف الستار. مطابخ صغيرة تتحول إلى ورشات، وبيوت تفتح أبوابها لطلب الجيران، وباعة يستعدون قبل أسابيع بتجهيز المواد والأدوات. هذا النشاط الموسمي لا يخلق فقط سلعا، بل يفتح منافذ سريعة للدخل: شاب يساعد في التوصيل، سيدة تتقن صنفا مطلوبا، وخياط تكثر عنده الطلبيات في زمن قصير. وتظهر مهارات كانت هامشية طوال السنة، فتأخذ مكانها في الواجهة. ومع ذلك يبقى جمال هذه الدائرة مرهونا بالنزاهة: جودة لا تتلاعب بصحة الناس، ميزان لا يخون، وسعر لا يستغل حاجة اللحظة.

 

صمت النهار

في المقابل، هناك من يستقبل الشهر بقلق. مقاه ومطاعم كثيرة نهارا تعرف ركودا واضحا، وبعض العاملين يضطرون إلى البحث عن مورد بديل أو تقليص ساعات العمل. كما تخف وتيرة خدمات مرتبطة بالسهرات والمناسبات، وتتراجع أشغال لا تتناسب مع جدول اليوم الجديد. اللافت هنا أن الظاهرة ليست مجرد ربح وخسارة، بل إنتقال مؤقت للطلب من فضاءات عامة إلى البيت، ومن خدمة سريعة إلى طقوس منزلية طويلة. من كان رزقه في حركة الشارع، يكتشف أن الشارع يهدأ، وأن الليل وحده يعوض بعض ما ضاع.

 

غلاء مفاجئ

الضغط الأكبر يظهر حين تتزامن وفرة الطلب مع حساسية الأسعار. ارتفاع الإنفاق لا يعني دائما رخاء، فقد يكون علامة على تضخم أو على شراء اندفاعي. وفي لحظات الذروة، يكفي خبر عن ندرة سلعة حتى يندفع الناس إلى التخزين، فتعلو الأسعار أكثر، ويقع أصحاب الدخل المحدود في حرج مضاعف: حاجة اليوم وخوف الغد. هنا تبرز قيمة التدبير: لائحة مشتريات واقعية، مقارنة أثمان، وتجنب شراء ما لا يلزم لمجرد أن الرف ممتلئ أو أن الآخرين يشترون. فالفائض الذي يبهج العين في المتجر، قد يتحول عبئا في البيت.

 

هدر صامت

تزداد خطورة الظاهرة حين ينتهي جزء من المشتريات إلى سلة المهملات. توجد تقديرات عامة تشير إلى ارتفاع هدر الطعام في هذا الشهر داخل بعض المجتمعات، غير أن هذه التقديرات لا تصلح وحدها معيارا لكل البيوت. ومع ذلك، تكفي الملاحظة اليومية لتذكيرنا بأن الحل ليس خطبا طويلة، بل تنظيم بسيط: كميات أصغر، تنويع أقل، وإعادة توظيف البقايا بذكاء بدل تحويلها إلى خسارة صامتة. فالنعمة لا تضيع دفعة واحدة، بل تتسرب مع كل طبق زائد لا يجد من يكمله.

 

يد واحدة

الظاهرة ليست قدرا التاجر يستطيع أن يربح دون أن يرهق الناس، والأسرة تستطيع أن تفرح دون أن ترهق نفسها، والرقابة حين تكون جادة تحد من المضاربة وتعيد شيئا من الثقة. كما أن دعم المبادرات الصغيرة، وتسهيل الولوج إلى مواد أولية بسعر معقول، يساعد على تحويل الموسم من سباق محموم إلى دورة أعدل وأقرب إلى روح الشهر. وحين يتعاون الجميع، يصير الرواج مصلحة مشتركة لا فخا جماعيا.

 

ميزان الضمير

يبقى هذا الشهر مرآة دقيقة لخياراتنا: هل نشتري لنعيش أم نشتري لنثبت شيئا لا نحتاجه؟ هل يتحول الرواج إلى فرصة لترسيخ الأمانة، أم نافذة لإستغلال ضعف اللحظة؟ وكيف تحمي الأسرة فرحتها من ضغط الأسعار دون أن تنسحب من معنى المشاركة؟ ثم سؤال أخير لا يفارق المائدة: إذا كان الشهر يعيد ترتيب السوق، أفلا يجدر بنا أن نعيد ترتيب عاداتنا أيضا، وأن نجعل التدبير جزءا من الكرامة لا مجرد حيلة للنجاة؟