jeudi 26 février 2026
كتاب الرأي

الرسالة الملكية إلى العلماء بين الاستمرارية على نهج الأسلاف والوفاء لصاحب الرسالة الأعظم وجد الأشراف (3)

الرسالة الملكية إلى العلماء بين الاستمرارية على نهج الأسلاف والوفاء لصاحب الرسالة الأعظم وجد الأشراف (3) عبد اللطيف البغيل

سبق أن بينا في المقالة الأولى من هذه السلسلة أن الرسالة الملكية إلى العلماء تعد استنهاضا لهممهم، ووضعا لهم أمام مسؤولياتهم تجاه الدين وتجاه نبي هذا الدين، بمناسبة مرور 15 قرنا على مولده صلى الله عليه وسلم، واستعرضنا هنالك دلالات هذه الرسالة، كما استعرضنا في المقالة الثانية ما تمثله هذه الرسالة من مبدأ الاستمرارية على نهج الأسلاف، وأنها ربطت الماضي بالحاضر من عمر المملكة الشريفة منذ عهد المولى إدريس إلى الآن وإلى أن يشاء الله.
وسنحاول في هذه المقالة الثالثة بيان اندراج هذه الرسالة في تجسيد مبدأ الاستمرارية على نهج الأسلاف من الشرفاء العلويين من سلاطين وملوك هذه الدولة، وهو ما ورد في الرسالة الملكية عندما قال جلالته نصره الله: "رابعا: التعريف بجهودنا الخاصة وجهود ملوك دولتنا العلوية الشريفة في العناية بتركة النبوة... 
خامسا: التعريف بما برز به المغاربة من العناية بالأمانات التي بعث من أجلها الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء في قوله تعالى: " هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة."
ولا شك أن تاريخ هذه الدولة العلوية الشريفة مليء بمظاهر العناية بميراث النبوة، وبحفظ أمانة الدين، وهو ما تؤكده المصادر التاريخية الكثيرة والشهيرة عامة، والرسائل السلطانية الصادرة عن سلاطين وملوك الدولة العلوية خاصة، ومنها الرسائل السلطانية للمولى إسماعيل طيب الله ثراه على وجه الخصوص، ففي رسالة وجهها الى ولده المأمون مؤرخة في 20 جمادى الأولى عام: 1103هـ موافق: 08 فبراير 1692م يقول: "فاعلم أن هذه الأمور التي قلدنا الله سبحانه حكمتها، وطوقنا بالفضل منه نعمتها وأظهر علينا خيرها وبركتها، هي أمور دينية كبيرة، مقدارها عند الله عظيم ونفعها لديه في الدارين عميم، فيجب على كل من ولاه الله على أيدينا منها شيئا أن يقدرها قدرها، ويعمل لها شروطها ويعرف حقها ومنصبها ويحترم لها ويشد بخناصره ويعض بنواجده عليها..."
فهذه الرسالة فيها برهان ما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين محمد السادس نصره الله وأيده، حيث إن القيام بالدين وحفظ أمانته هي ديدن ملوك هذه الدولة الشريفة وديدن كل من يتولى عن يدهم شيئا من أمور هذا الدين أو مصلحة من مصالحه، ومنهم العلماء الذين هم مطالبون بأن يكونوا في طليعة من يلتقط هذه الإشارات ويعملوا على إعطاء المثل لغيرهم بما يلزم من الاجتهاد والسعي الحثيث في تعظيم حرمات الله والدفاع عن المقدسات الدينية، بما أنهم يقومون في الشرع بمقام النيابة عن الإمام الأعظم في القيام بذلك، وفق ما أشارت إليه الرسالة الملكية الشريفة، ووفق ما هو في الرسالة الإسماعيلية المنيفة.
ونجد كذلك في رسائل المولى إسماعيل ما هو موجه في هذا الباب إلى كثير من أعيان علماء المغرب في عصره ومنهم العلامة الشيخ البركة القدوة السيد عبد القادر بن علي الفاسي وإلى نجله العلامة محمد بن عبد القادر الفاسي وإلى أبي علي الحسن اليوسي وغيرهم، بخصوص ما يتعلق بالمضامين الدينية وما يجب على العلماء في ذلك.
كما نجد في رسائل المولى إسماعيل ما هو موجه إلى العلماء عامة من غير تخصيص ومن ذلك رسالته بمثابة أمر سلطاني إلى علماء فاس مؤرخة في 15 جمادى الثانية عام: 1125 يدعوهم فيها إلى بذل الجهد، والاجتهاد في بث العلم وصرف نفائس الأنفاس في نفع العباد وإحياء البلاد، ومما ورد فيها: "فأنتم العالمون بما ورد في فضل العلم والتعليم، وما هدى الله به الأمة إلى الصراط المستقيم، وقد جعلكم الله نظاما لهذا الدين القويم وتوجكم وفتح بصائركم، وصرف همتكم إلى ما يرضي مولاكم، وجعل ما أنعم به عليكم من العلم، غير قاصر على أنفسكم فأحرى النفع لعامة المسلمين وخاصتهم،  كبيرهم وصغيرهم شريفهم ومشروفهم، وصار بكم ليل الجهل نهارا وصرتم شموسا يستفاد بها وأقمارا، وبذلتم جهدكم في اتباع السنة وقمتم في انتشارها أحسن قيام،  ولم تأخذكم في ذلك سنة ..." وهكذا يمضي في الرسالة مبينا دور العلماء وواجبهم وما في العلم من فضيلة وما له من مزية إلى أن يقول ..." العالم من اتقى الله وأنتم علماء المسلمين وأئمة الدين طرق سمعنا أنكم اشتغلتم باللذات واتبعتم الشهوات واتبعت العامة والخاصة، حتى كاد أن يضيع العلم من فاس وهي أم مدن المغرب، فيكون في غيرها أضيع، فنأمركم أن ترجعوا لما كنتم عليه من الاجتهاد ونفع الحاضر والباد واعملوا بما ينفعكم يوم المعاد." 
والمولى اسماعيل وهو يوجه العلماء ويحثهم على التزام ما أقامهم الله عليه من التعليم ونشره لا يكون قد تدخل فيما لا صلة له به، بل إنه يقوم بذلك بواجبه باعتباره إماما للمسلمين وأميرا لهم، وحاميا للدين وحارسا له، وهو بعد هذا عالم مثلهم ومطلع على ما يقتضيه منهم التعليم والتعلم، وبهذا يحق له أن ينبه على ما يعتري هذا المنهج من فتور، وما يحوم حوله من قصور، ومن حقه كإمام أعظم أن يوجه العلماء باعتبارهم نوابا عنه في مجال العلم ونشره وتعليمه وأن ينبههم على ما ينبغي العناية به.
وهو بالإضافة إلى هذا وبحكم ما يطلع عليه من علم ومعرفة من حقه أن يثير إشكالات علمية أو يوجه انتقادات بناءة، لمن اختار من العلماء مسلكا علميا لا ينسجم مع مبادئ العلم، ولا ينضبط للمشهور المعروف عند العلماء، والمعلوم بيقين في باب من أبواب العلم،  ولو كان العالم لا ينتمي إلى مملكته ولا هو من رعيته، ومن ذلك أنه لما اطلع على شرح صغرى الإمام السنوسي، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي الأزهري الذي كان قد أرسله إلى السلطان على وجه الهدية، كتب إليه مجيبا برسالة بديعة ماتعة، أشاذ فيها بهذا الشرح وما تضمنه من كشف وبيان لمسائل العقيدة الأشعرية وإيضاح لمسالك واختيارات تضمنتها رسالة السنوسي، وأبدى بالإضافة إلى  ذلك رأيه - كعالم ألمعي- في بعض ما تضمنه هذا الشرح مما لا يتماشى مع ما هو مقرر في الباب عند العلماء، ومن ذلك قوله في رسالة الجواب الموجهة إلى العلامة الخرشي: ".... غير أنه حفظكم الله، ربما وقعت فيه – أي الشرح – بعض مسائل النظر فيها مجال، وللبحث فيها موضع عند من أجاد النظر وأجال، وأرجو بحسب سلامة الطوية وكرم هاتيكم الأخلاق الطاهرة الزكية، أن لا بأس بذكر الواحدة منها ليعرض على هاتيكم الأنظار، ويختبر بمعيار الفكر مما طواه ساحكم الأحفل من جهابذة النظار، ففي مبحث أقسام الحكم العقلي بعد تعريف كل منها وذكر سر العدول فيها عن المصادر إلى الأوصاف المشتقة منها كما ذكره المصنف في بعض كتبه..." إلى آخر ما حوته هذه الرسالة من خوض عميق في مباحث الانتقاد والمناقشة إلى درجة أن القارئ اللبيب لا يمكنه إلا أن يشهد للسلطان الإسماعيلي بعلو الكعب وقوة العارضة العلمية التي لا تٌسلم بالمادة العلمية التي تطلع عليها، بل تناقشها وتحللها وتبين الوجه العلمي الذي يشهد له الدليل، وتعضضه الحجة وتشمله القواعد الضابطة له في بابه ومحله.
وبهذا المسلك النبيل من السلطان المولى إسماعيل وبعده تدخلات مولانا أمير المؤمنين محمد السادس وما بينهما من مسالك وتدخلات سلاطين وملوك الدولة العلوية مع العلماء، من توجيه للنصح وإرشاد لهم إلى ما فيه تسديد عملهم، كان دائما وأبدا وعبر كافة أحقاب وأجيال الدولة العلوية عبر القرون، يتميز بقوة في العبارة ويستند إلى الحكمة وبعد النظر، وينبع من إحساس عميق بقيمة وثقل أمانة التكليف بحراسة الدين ونشر علومه وحماية مصادره مما قد يمس بجوهرها أو يخرج بها عن معانيها، أو يعطلها عن القيام بوظيفتها وبلوغ أهدافها. / عبد اللطيف البغيل ، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة..