ليست عمليات التفتيش التي باشرها مؤخرًا مجلس المنافسة في قطاع المستلزمات الطبية وكواشف المختبر les réactifs مجرد إجراء إداري عابر، بل هي مؤشر سياسي وصحي قوي.
فعندما تتدخل الجهة المكلفة بضمان نزاهة السوق بهذه الصرامة، فهذا يعني أن الأمر يتجاوز حدود المنافسة التجارية ليطال صميم المنظومة الصحية.
خلف شبهات التواطؤ أو الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، يبرز سؤال أعمق: هل أصبح توازن نظامنا الصحي الفتي مهددًا؟
في بلد تُعد فيه الفحوصات التكميلية عنصرًا حاسمًا لتأكيد التشخيص، وتتبع الأمراض المزمنة، وتوجيه القرار العلاجي، فإن أي تضخم غير مبرر في أسعار الكواشف les réactifs والمستلزمات الطبية ينعكس بشكل متسلسل على الجميع.
المؤسسات الصحية تؤدي كلفة أعلى، وهيئات التأمين تعوض مبالغ أكبر، بينما يتحمل نظام Assurance Maladie Obligatoire أعباء إضافية قد تقوض استدامته المالية.
وهنا تصبح الرقابة الاقتصادية جزءًا لا يتجزأ من الرقابة الصحية.
من جهة أخرى، يتصاعد داخل الجسم الطبي قلق من نوع آخر.
أصوات متعددة تشير إلى تجاوزات محتملة في بعض مؤسسات القطاع الخاص: عمليات جراحية بترتيب مبرمج مع مؤشرات قابلة للنقاش، فحوصات استكشافية دون مبرر كافٍ، ووصفات علاجية مرتفعة الكلفة دون سند علمي واضح.
هذه الاتهامات، وإن وجب التعامل معها بحذر ومسؤولية، لا يمكن تجاهلها أو التقليل من خطورتها.
من غير العدل تعميم الشبهة على القطاع الخاص بأكمله. فالغالبية الساحقة من الممارسين تؤدي رسالتها بكفاءة ونزاهة.
غير أن أقلية من السلوكيات المنحرفة تكفي لزعزعة الثقة وإشاعة مناخ الارتياب، خاصة عندما يتعلق الأمر بأعمال طبية من بين الأعلى تكلفة والأكثر تعويضًا.
الأسباب لا تختزل في البعد الأخلاقي الفردي.
فالاستثمارات التكنولوجية الثقيلة تفرض ضغوطًا مالية كبيرة على بعض المؤسسات. كما أن آليات المراقبة الطبية داخل منظومة Assurance Maladie Obligatoire ما تزال بحاجة إلى تطوير، فيما تظل ثقافة التدقيق السريري المستقل محدودة الانتشار.
ويضاف إلى ذلك تحوّل بعض المرضى إلى “مستهلكين” للخدمة الصحية، يبحثون عن الفحوصات المتقدمة باعتبارها دليلًا على الجدية، ولو لم تكن دائمًا ضرورية.
إذا لم تُحتوَ هذه الانحرافات، فإن المخاطر مزدوجة.
من جهة، استنزاف تدريجي لموارد التأمين الإجباري عن المرض، بما قد يفضي إلى عجز مالي يفرض لاحقًا إجراءات تقشفية.
ومن جهة أخرى، تشديد مساطر المراقبة والتعويض، بما يثقل كاهل الأطباء النزهاء ويضر بالفئات الهشة أولًا.
إن Caisse Nationale de Sécurité Sociale وباقي الهيئات المدبرة لا تستطيع تحمل تضخم غير مبرر للنفقات إلى ما لا نهاية.
غير أن الرد لا ينبغي أن يقتصر على منطق العقاب، بل يجب أن يندرج ضمن رؤية لحكامة طبية رشيدة.
هذا يقتضي إرساء آليات تدقيق ذكية وموجهة، قائمة على مؤشرات إحصائية دقيقة ومقارنات سياقية عادلة.
كما يستدعي تعزيز المراقبة الطبية بالاستعانة بخبراء من مختلف التخصصات، ووضع توصيات وطنية واضحة وملزمة، يتم تحيينها بانتظام — وهو ما لا يزال بعيد المنال حتى اليوم.
إن حماية التأمين الإجباري عن المرض ليست قضية تقنية فحسب، بل هي رهان اجتماعي وأخلاقي.
إنها تعني حماية مرضى السرطان، والمصابين بالأمراض المزمنة، والأشخاص في وضعية تبعية، وكل من تعتمد حياته على نظام صحي متوازن وقابل للاستمرار.
التغاضي اليوم هو رهنٌ للغد.
وفي هذا الملف تحديدًا، قد يكون الصمت أغلى أشكال التواطؤ كلفةً على الوطن والمواطن.
الدكتور أنور الشرقاوي
خبير في التواصل والإعلام الصحي