jeudi 26 février 2026
اقتصاد

عبدالرزاق الهيري: قراءة اقتصادية وسوسيولوجية في غلاء الأسعار واستهلاك المغاربة خلال رمضان

عبدالرزاق الهيري: قراءة اقتصادية وسوسيولوجية في غلاء الأسعار واستهلاك المغاربة خلال رمضان عبدالرزاق الهيري، أستاذ الاقتصاد بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس

أوضح عبدالرزاق الهيري، أستاذ الاقتصاد بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس، أن ارتفاع استهلاك المغاربة خلال شهر رمضان لا يقتصر على عوامل اقتصادية بحتة، بل تتدخل فيه عوامل سوسيولوجية ونفسية تشكل غالبًا محرك سلوك المستهلك المغربي.
وأكد الهيري في حوار مع "أنفاس بريس"، أن كبح غلاء الأسعار لا يمكن الاكتفاء فيه بالمراقبة الموسمية، بل على مدار السنة. مشيرًا إلى أنه من  الحلول الممكنة تكمن في تعزيز الرقابة المؤسسية وإنشاء منصة رقمية وطنية موحدة للأسعار في الزمن الحقيقي التي تشكل الركيزة الأولى والأكثر إلحاحًا ضمن أي منظومة حكامة اقتصادية رقمية فعالة.

 

يشهد شهر رمضان كل سنة ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة الاستهلاك لدى المغاربة. هل يرتبط "هوس الاستهلاك" في هذا الشهر بأسباب اقتصادية أم بأنماط سلوكية واجتماعية؟

يجب الإشارة في البداية إلى أن شهر رمضان يطرح على الباحث الاقتصادي مفارقة محيّرة، وفي الوقت نفسه عميقة الدلالة في جوهرها، فالمغاربة يصومون عن الطعام والشراب يومياً، غير أن فاتورة استهلاكهم الغذائي خلال هذا الشهر ترتفع مقارنة ببقية شهور السنة. لذلك فالسؤال الجوهري ليس فقط كم تنفق الأسر المغربية، بل لماذا تنفق بهذا الشكل.
وفق تقديرات اقتصادية متعددة، يشهد شهر رمضان ارتفاعاً ملحوظا في استهلاك المواد الغذائية الأساسية، وهي ظاهرة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، لأنها متعددة الأبعاد. فمن المنظور الاقتصادي الكلاسيكي يشكّل رمضان صدمة طلب موسمية حادة، حيث يتركّز طلب ملايين الأسر المغربية على سلة استهلاكية متشابهة خلال فترة زمنية قصيرة، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار نتيجة عدم المرونة النسبية في الطلب. فالأسرة الصائمة لا تستطيع تأجيل شراء مواد أساسية كالتمور أو بعض مكونات مائدة الإفطار إلى ما بعد رمضان.
ويزداد المشهد تعقيداً بسبب ضعف آلية الرقابة على الأسعار في السوق المغربية، وهو ما يتيح لبعض المتدخلين في سلاسل التوزيع توسيع هوامش أرباحهم على حساب المستهلك الذي يجد نفسه مضطراً للشراء. كما يلعب الضغط الإعلاني والتسويق المكثف دوراً مهماً، إذ يتحول رمضان إلى موسم تجاري استثنائي تضخ خلاله الشركات الكبرى ميزانيات إعلانية ضخمة، فيتحول الشهر إلى فضاء تسويقي كثيف الحضور.
غير أن التفسير الاقتصادي، رغم وجاهته، يظل قاصراً عن استيعاب الظاهرة في عمقها الكامل، لأن هناك عوامل سوسيولوجية ونفسية تشكّل في الغالب المحرك الأكثر تأثيراً في سلوك المستهلك المغربي خلال شهر رمضان الأبرك. فقد تحدث علماء الاقتصاد عن مفهوم “الاستهلاك المرئي” أو “الاستهلاك التفاخري”، ولا يجد هذا المفهوم تجلياً أوضح من سلوك الاستهلاك الرمضاني في المجتمع المغربي، فمائدة الإفطار لا تؤدي وظيفة إشباع الجوع فقط، بل تصبح فضاءً للتعبير عن المكانة الاجتماعية وتأكيد الهوية الأسرية أمام الأقارب والجيران.
وتكشف دراسات في علم النفس الاقتصادي أن الحرمان المؤقت يولّد استعداداً أكبر للإنفاق عند لحظة الإفطار، فالصائم الذي يمتنع عن الطعام طوال النهار كثيراً ما تحكمه، بشكل لا واعٍ، رغبة في التعويض ليس فقط عن الجوع، بل عن ساعات الكبح الذاتي. كما أن رمضانات الماضي شكّلت نموذجاً مرجعياً راسخاً في الوجدان الأسري المغربي، حيث يحمل الأبناء صورة ذهنية عن “رمضان المثالي” المرتبط بمائدة وفيرة، لتصبح هذه الصورة لاحقاً معياراً يسعى الكبار إلى إعادة إنتاجه داخل أسرهم، فتنتقل أنماط الاستهلاك عبر الأجيال باعتبارها جزءاً من الموروث الثقافي.
وعليه، يمكن القول إن هوس الاستهلاك الرمضاني في المغرب ظاهرة هجينة تتداخل في تشكيلها عوامل اقتصادية موضوعية، مثل ارتفاع الأسعار وضغوط السيولة، مع عوامل سوسيولوجية ونفسية أعمق تتعلق بالهوية والذاكرة الجماعية والتنافس الاجتماعي الصامت. وهو ما يعكس تناقضاً واضحاً بين البعد الروحي لرمضان، باعتباره شهراً للإمساك والتأمل والتضامن، وبين الممارسة اليومية التي تحوله إلى موسم استهلاكي بامتياز، وهو تناقض يستحق تأملاً مشتركاً من علماء الاقتصاد والاجتماع، لأن الرشد الاستهلاكي ليس فضيلة اقتصادية فقط، بل مسؤولية أخلاقية ووعي حضاري أيضاً.

 

هل التدابير التي تقوم بها لجن مراقبة الأسعار خلال شهر رمضان كافية للحد من غلاء الأسعار؟

يجب التذكير بأن السلطات تعلن مع بداية كل رمضان عن تشكيل لجان لمراقبة الأسعار وضبط الأسواق، وتصدر بلاغات رسمية تطمئن المواطنين بيقظة وحضور الدولة، غير أن الأسعار غالباً ما ترتفع رغم ذلك، وأحياناً بوتيرة أعلى مما كانت عليه قبل انطلاق عمليات المراقبة، ما يطرح سؤالاً حول التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش.
تعمل لجان المراقبة ضمن منظومة مؤسساتية تضم وزارة الداخلية ووزارة التجارة والصناعة والجماعات الترابية، إضافة إلى جمعيات حماية المستهلك، غير أن هذه الرقابة تظل محدودة الفعالية لعدة أسباب. أولها الطابع الموسمي والانتقائي للمراقبة، إذ تنشط اللجان خلال شهر واحد ثم تختفي في الشهور الأخرى، ما يدفع بعض التجار إلى تكييف سلوكهم مؤقتاً عبر خفض الأسعار في الواجهة وتعويض أرباحهم في مناطق الجملة البعيدة عن أعين المراقبة.
وثاني هذه الأسباب ضعف الموارد البشرية والتقنية مقارنة بحجم السوق، إذ لا يتناسب عدد المراقبين مع العدد الهائل لنقاط البيع، من الأسواق الكبرى إلى المتاجر الصغيرة والأسواق الشعبية والباعة المتجولين، وهو ما يفرض رقابة انتقائية تركز على ما هو ظاهر وسهل الرصد.
أما العامل الثالث فيتعلق بإشكالية التسعير في الاقتصاد المغربي يقوم على حرية الأسعار، باستثناء عدد محدود من المواد الأساسية المدعومة مثل السكر والدقيق وغاز البوتان، ما يجعل اللجان تمتلك أدوات قانونية في نطاق ضيق للسلع المقننة، وتعجز قاونريا عن التدخل امام ارتفاع أسعار اللحوم والخضر والفواكه والأسماك، لتبرز مفارقة واضحة: كيف تراقب الدولة أسعارا تعترف قانونيا بأنها خارج دائرة اختصاصها؟
ويضاف إلى ذلك غياب الشفافية في سلاسل التوريد، إذ تركز المراقبة غالباً على السعر النهائي المعروض للمستهلك، بينما تتشكل الأسعار الحقيقية في مراحل أعمق تشمل الجملة والاستيراد والتوزيع الجهوي، حيث تتدخل شبكات وساطة متعددة تضيف هوامش ربح متراكمة. 
كما أن ضعف الردع القانوني يجعل بعض الغرامات غير مؤثرة اقتصادياً، لأن أرباح التلاعب خلال موسم كامل قد تفوق بكثير قيمة العقوبات.
ويفسَّر استمرار الغلاء رغم الرقابة أيضاً بضعف المنافسة وهيمنة بنيات احتكارية، فهناك عدة قطاعات في مواد غذائية تشهد تركز السوق حيث تهيمن مجموعة من الشركات على توزيع مواد استراتيجية أو تستأثر بها شبكة محدودة من الوسطاء. وهنا يبرز دول مجلس المنافسة، غير أن تدخله في معالجة ارتفاع هذه الأسعار الموسمية يبقى محدود الأثر لأن إجراءاته تتطلب مسارات قانونية طويلة لا تتناسب مع الإيقاع الموسمي للأزمات. 
كما يلعب التضخم المستورد وتقلب أسعار المواد الأولية في الأسواق الدولية دوراً مهماً، خصوصاً في ظل اعتماد المغرب على الاستيراد، ما يجعل جزءاً من ارتفاع الأسعار خارج نطاق التحكم الداخلي.
في المحصلة، تبدو التدابير الحالية، رغم نواياها وجهودها الميدانية، غير قادرة هيكلياً على معالجة ظاهرة الغلاء الرمضاني في جذوره الحقيقة، لأن المشكلة ليست موسمية فقط، بل تعكس اختلالات بنيوية في منظومة الإنتاج والتوزيع والمنافسة والحوكمة التجارية. فمعالجة الأعراض دون الأسباب لا يمكن أن تحقق أثراً مستداماً.


لماذا لا يلمس المواطن أثراً واضحاً لدور المؤسسات المعنية بضبط السوق في كبح غلاء الأسعار؟

فعلا هذه المفارقة، إذ يتوفر المغرب على منظومة مؤسساتية متكاملة ومتعددة لضبط الأسواق، تشمل وزارة الداخلية بحضورها الترابي الواسع ووزارة الاقتصاد والمالية بأدواتها التشريعية والجبائية ومجلس المنافسة صلاحيته الدستورية وكذلك جمعيات حماية المستهلك، مع ذلك يتكرر الإحساس ذاته كل رمضان بغياب الأثر الملموس.
يرتبط ذلك بعدة عوامل، أبرزها تغوّل المضاربين داخل سلاسل التوزيع، حيث يصل المنتج إلى المستهلك بثمن قد يفوق ثلاث مرات ما يتقاضاه المنتج الأصلي، نتيجة تعدد الوسطاء ضمن سلسلة شبه معتمة تتحرك بين القانوني وغير القانوني. كما يعاني النظام الرقابي من ضعف التنسيق المؤسسي، إذ يتم التعاون غالباً بشكل ظرفي عند الأزمات بدل وجود آليات دائمة لتبادل المعلومات واتخاذ القرار المشترك.
ويضاف إلى ذلك ضعف الاعتماد على البيانات الآنية في صنع القرار، حيث لا تزال سياسات ضبط السوق تعتمد في كثير من الأحيان على تقارير متأخرة، في حين تتحرك الأسواق بوتيرة يومية سريعة تتطلب قرارات مبنية على معطيات فورية وتحليل بيانات متقدم.
وفي النهاية، لا تكمن الأزمة فقط في ارتفاع الأسعار، بل في تآكل ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات على حماية قدرتهم الشرائية. واستعادة هذه الثقة تقتضي إصلاحاً هيكلياً عميقاً يعيد تنظيم الأسواق، ويعزز التنسيق المؤسسي، ويؤسس لحكامة اقتصادية قائمة على الشفافية والبيانات والمسؤولية المحددة والمحاسبة المستمرة.

 

كيف تقيّم دور مجلس المنافسة في مواجهة الممارسات الاحتكارية والمضاربة؟

حين أرسى دستور 2011 مجلس المنافسة بوصفه هيئة دستورية مستقلة، كان ذلك إقرارًا صريحًا بأن ضبط المنافسة ومكافحة الاحتكار لا ينبغي أن يظلا رهينين بالاعتبارات السياسية الظرفية، بل يجب أن يرتكزا على مؤسسة مستقلة ذات سلطة قانونية راسخة.
غير أن المسافة بين ما أقرّه الدستور والأثر الميداني الملموس لا تزال واسعة، وهو ما يدعو إلى التأمل في دور مجلس المنافسة، ودوره أمام المواطن الذي يعاني من غلاء الأسعار وتمركز السوق في يد احتكارات متعددة.
منذ إعادة تفعيل المجلس بصيغته الدستورية وتعيين هيئته سنة 2018، أصدر مجلس المنافسة عددًا من الآراء والتقارير القطاعية. ورغم القيمة التحليلية لهذه الأعمال، فإنها تكشف مفارقة جوهرية؛ إذ يبدو المجلس قادرًا على تشخيص الأسباب والمسببات بدقة، لكنه يعجز في كثير من الأحيان عن فرض حلول عملية كفيلة بالحد من الاحتكار وكبح ارتفاع الأسعار.
وتبرز إحدى أعمق الإشكاليات البنيوية لمجلس المنافسة في المغرب، في منطق الإحالة. فوفق القانون، يمكن إحالة القضايا على المجلس من طرف الحكومة أو الأطراف المتضررة، كما يمكن له التحرك تلقائيًا. غير أن الواقع يُظهر أن الإحالات الحكومية تظل أحيانًا رهينة اعتبارات متعددة، في حين يعمل المجلس وفق مساطر قانونية صارمة تجعل تدخلاته مرتبطة بإجراءات طويلة ومعقدة.
وتكمن الإشكالية أيضًا في عدم توافق الزمن القانوني لإجراءات المجلس مع الزمن السوقي للممارسات الاحتكارية، حيث تتحرك الأسواق بسرعة تفوق وتيرة المعالجة القانونية، مما يحدّ من الأثر الردعي للتدخلات.
إلى جانب ذلك، تطرح منظومة العقوبات المالية بدورها إشكالًا واضحًا، إذ إن سقف الجزاءات التي يملك المجلس صلاحية توقيعها لا يتناسب في كثير من الحالات مع حجم الأرباح التي تجنيها المؤسسات من ممارساتها المقيّدة للمنافسة، ما يقلل من فعاليتها الردعية.
كما يواجه المجلس تحديات أخرى، من بينها محدودية صلاحيات التحقيق الاستباقي، وثقل وتعقيد الملفات ذات البعد الاقتصادي والتقني، وهو ما ينعكس على سرعة الحسم في القضايا المعروضة عليه.
في المحصلة، يمكن القول إن مجلس المنافسة مؤسسة ضرورية داخل البناء المؤسساتي، لكنها لم تبلغ بعد مستوى التأثير الذي تستدعيه صلاحياتها الدستورية. فلا ينبغي أن يقتصر دوره على إصدار تقارير تحليلية رصينة تُقرأ في الأوساط الأكاديمية ثم تُودع في الأرشيف، بل المطلوب أن يشعر الفاعل الاقتصادي بثقل حضوره في قراراته الاستراتيجية اليومية، وأن يجد المستهلك في قراراته ترجمة فعلية تسهم في استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية.
ولتحقيق ذلك، يظل الإصلاح الهيكلي الشامل ضرورة ملحّة، إصلاح يشمل الصلاحيات والأدوات والموارد والاستقلالية الفعلية، إضافة إلى ترسيخ ثقافة مؤسسية، وهو إصلاح تبقى مسؤوليته مشتركة بين المشرّع والحكومة والمجتمع المدني على حد سواء.


في عصر الرقمنة وتكنولوجيا البيانات،  ما هي الحلول الممكنة والسياسات الناجعة للحد من غلاء الأسعار وضبط الأسواق، ليس فقط خلال شهر رمضان، بل على مدار السنة؟

يجب التذكير كذلك بأن الاقتصاد العالمي اليوم يقف اليوم على عتبة تحول جذري في طبيعة العلاقة بين الدولة والسوق والمواطن. هذا التحول لا تصنعه الإيديولوجيات بقدر ما تصنعه ثورة البيانات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والرقمنة. وإذا كان غلاء الأسعار وتغول المضاربين وضعف تنسيق المؤسسات قد ظلت لعقود طويلة إشكاليات مزمنة يُتعامل معها كقدر واقع، فإن ثورة البيانات الضخمة والرقمنة الشاملة أزاحت اليوم عذر العجز التقني، ووضعت الكرة في ملعب الإرادة السياسية وجرأة الإصلاح المؤسسي.
السؤال الجوهري إذن هو: هل يمكن للتكنولوجيا أن تحسن ضبط الأسواق؟ وهل يمكن بناء منظومة رقمية متكاملة تحول هذه الإمكانيات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية؟
يشكل إنشاء منصة رقمية وطنية موحدة للأسعار في الزمن الحقيقي الركيزة الأولى والأكثر إلحاحًا ضمن أي منظومة حكامة اقتصادية رقمية فعالة. تقوم هذه المنصة على تجميع بيانات الأسعار آنياً من مصادر متعددة ومستشعرات مختلفة، بحيث لا تكون مجرد قاعدة بيانات جامدة، بل لوحة قيادة سعرية وطنية تتيح للمراقب المؤسساتي رؤية حية ودقيقة لحركية الأسعار عبر مختلف المناطق والقطاعات.
ومن خلال هذه الرؤية اللحظية، يصبح بالإمكان اكتشاف الارتفاعات غير المبررة فور نشوئها، قبل أن تتحول إلى موجات غلاء واسعة. وبدل انتظار تقارير ميدانية تصل بعد أسابيع أو أشهر، يجد صانع القرار نفسه أمام مؤشرات آنية تنقل له ما يجري في الأسواق المغربية لحظة بلحظة.
كما أن رقمنة سلاسل التوريد تمثل مقاربة أكثر عمقًا وتأثيرًا على المدى المتوسط والبعيد، لأنها لا تكتفي برصد النتيجة السعرية النهائية، بل تكشف المسار الكامل الذي يقطعه المنتج من الحقل إلى البائع النهائي، مع تحديد تطور السعر في كل مرحلة.
وتوجد عدة نماذج دولية ملهمة يمكن الاستئناس بها في هذا المجال. ففي الهند، أُطلقت منصة وطنية إلكترونية لتسويق المنتجات الزراعية ربطت آلاف الأسواق الإقليمية في شبكة رقمية واحدة، مما أتاح للمزارعين بيع منتجاتهم مباشرة لأعلى العارضين دون المرور الإجباري عبر شبكات الوساطة التقليدية.
أما في أوروبا، فقد طور الاتحاد الأوروبي أنظمة متقدمة لرصد الأسعار عبر كامل سلاسل التوريد الزراعية، ما منح صانع القرار رؤية شاملة وآنية لتطور الأسعار في كل مراحل الإنتاج والتوزيع، وأسهم في تعزيز الشفافية وتقليص الهوامش المبالغ فيها داخل السلسلة الغذائية.
غير أن نجاح هذه المنظومة يقتضي تجنب ما يمكن تسميته بـ"السحر التكنولوجي"، أي الاعتقاد بأن التكنولوجيا وحدها قادرة على حل إشكالات ذات جذور مؤسسية وسوسيولوجية عميقة. فالرقمنة ليست عصا سحرية، بل أداة مضاعِفة للإرادة السياسية.
وتتوزع شروط النجاح على ثلاثة مستويات متكاملة. فعلى المستوى السياسي، يتطلب الأمر إرادة حقيقية لمواجهة مصالح قائمة قد تقاوم الشفافية. وعلى المستوى المؤسساتي، يستوجب الأمر إصلاحًا موازياً في الحكامة لضمان أن تتحول البيانات المجمعة فعلاً إلى قرارات عملية وإجراءات رقابية وعقوبات عند الضرورة. أما على المستوى الاجتماعي، فتحتاج المنظومة إلى استثمار جدي في محو الأمية الرقمية.
في الختام، يمكن القول إن الرقمنة قادرة على تغيير معادلة ضبط الأسواق في المغرب، لكنها تظل قدرة بتوفر شروط معينة، فالمواطن ينتظر أن تستعمل التكنولوجيا لتحقيق سعر عادل، وإرساء رقابة يحس بحضورها، وعندها فقط تصبح الرقمنة وسيلة حقيقية لجعل جهاز المراقبة أكثر كفاءة ونجاعة.