حين يطل شهر رمضان على الفضاء الاجتماعي في المغرب، لا يحضر فقط بوصفه مجرد إطار زمني ديني محدد، بل كواقعة اجتماعية كلية تعيد ترتيب بنية المعنى داخل الحياة اليومية، وتعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الجسد والقيم، وبين المقدس والعادي. يبدو الشهر وكأنه فاعل رمزي يتدخل في إيقاع المجتمع، يبطئ الزمن حينا ويكثفه حينا آخر، ويعيد توزيع الطاقة الاجتماعية على نحو يجعل التجربة الرمضانية لحظة مكثفة لإعادة إنتاج النظام القيمي والرمزي.
إن قراءة رمضان سوسيولوجيا تكشف أنه لا يعاش فقط كشعيرة تعبدية، بل كبنية رمزية متعددة المستويات، تتقاطع فيها بنيات المعنى الديني مع آليات التنظيم الاجتماعي، بحيث يصبح الشهر فضاء لإعادة صياغة الهوية الجماعية وترميم الروابط الاجتماعية، وفي الآن نفسه مجالا تظهر فيه التوترات البنيوية بين منطق المقدس ومنطق العادة. وكأن رمضان يتحرك داخل المجتمع ككائن رمزي مزدوج الصوت؛ صوت يدعو إلى الانضباط الروحي والتخفف من المادي، وصوت آخر يعيد إنتاج أنماط الاستهلاك والتمثيل الاجتماعي.
في مستوى أول، يمكن فهم التعبد الرمضاني بوصفه نظاما معياريا ينظم الممارسة الاجتماعية من خلال شبكة من القواعد الرمزية التي تضبط علاقة الفرد بذاته وبالآخرين. فالصيام لا يظهر فقط كفعل امتناع جسدي، بل كآلية لإعادة تشكيل علاقة الفرد بجسده ولغته ورغباته، حيث يتحول الجسد إلى مساحة تأديب رمزي، ويغدو الزمن نفسه بنية معيارية تعيد توزيع الأفعال والمعاني. وكأن الشهر يفرض نوعا من الاقتصاد الأخلاقي الذي يعيد ترتيب الأولويات ويمنح للحياة اليومية بعدا تأمليا، فيشعر الفرد أنه يعيش داخل زمن مختلف، زمن أكثر كثافة من حيث المعنى.
غير أن هذا النسق المعياري لا يعمل كمنظومة مغلقة، بل يدخل في علاقة تفاوض مستمر مع شروط الحداثة الاجتماعية، حيث يتقاطع الالتزام التعبدي مع إكراهات العمل وتسارع الإيقاع الحضري وضغط الإنتاج. هنا يظهر رمضان كفضاء للتفاوض الرمزي، حيث يعيد الأفراد تعريف ممارساتهم الدينية بما يسمح لهم بالتوفيق بين مرجعيتين؛ مرجعية دينية تؤطر المعنى الأخلاقي، ومرجعية اجتماعية تفرض شروط العيش اليومي. وكأن الفاعل الاجتماعي يعيش داخل زمن مزدوج، يحاول فيه أن يوازن بين متطلبات الروح ومتطلبات الواقع.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم التعبد الرمضاني فقط كاستمرارية تقليدية، بل كحقل دينامي لإنتاج المعنى، تتقاطع فيه السلطة الرمزية للدين مع استراتيجيات الأفراد في تدبير ذواتهم داخل بنية اجتماعية متحولة. ويغدو الشهر، في هذا المستوى، مختبرا اجتماعيا يكشف كيفية اشتغال القيم داخل المجتمع، وكيف تعاد صياغة التدين في سياق معاصر يتسم بالتعقيد والتعدد.
في مستوى ثان، يظهر رمضان كطقس اجتماعي كثيف يعيد إنتاج العادة داخل الحياة اليومية، حيث تتجاوز التجربة حدود البعد الروحي لتشمل أنماط الاستهلاك وتنظيم الزمن وإيقاع العلاقات. تبدو الممارسات الرمضانية وكأنها شبكة من الأفعال المتكررة التي تكتسب طابع البداهة، حتى تبدو وكأنها طبيعة ثانية، نتيجة تراكم تاريخي طويل ترسخ في الأجساد والتمثلات. وكأن الشهر يوقظ في المجتمع ذاكرته العميقة، فتتحرك العادات كما لو كانت تعرف طريقها مسبقا دون حاجة إلى توجيه واع.
في هذا السياق، يتحول الصيام من تجربة داخلية إلى أداء اجتماعي مرئي، تحكمه معايير الاعتراف والانتماء، حيث تصبح الممارسات اليومية علامات رمزية تقرأها الجماعة وتمنحها معنى. وكأن “عين المجتمع” تحضر بوصفها مراقبا غير مرئي، تضبط السلوك وتمنحه مشروعيته الاجتماعية، فيتحول الامتناع عن الأكل، وانتظار لحظة الإفطار، وحتى التعب، إلى مؤشرات على الانخراط في الإيقاع الجماعي
ويمكن فهم هذه السيرورة باعتبارها تجسيدا لمنطق الاستعدادات المتجسدة، حيث تمارس الطقوس لأنها تبدو طبيعية وبديهية، لا لأنها تختار دائما بوعي كامل. فالعادات الرمضانية تتحرك داخل المجتمع كذاكرة حية تسكن الأجساد، يعاد تنشيطها كل سنة عبر التكرار، وكأن الشهر نفسه يحمل مفاتيح هذه الذاكرة ويعيد فتحها مع كل دورة زمنية.
غير أن كثافة الممارسات لا تعكس فقط حضور الدين، بل تكشف أيضاً عن قوة العرف الاجتماعي في إعادة تشكيل الديني داخل الحياة اليومية. فالمقدس لا يلغى، لكنه يعاد تأويله ضمن منطق اجتماعي أوسع، حيث يتجاور البعد التعبدي مع منطق الاستهلاك والتموقع الاجتماعي، في علاقة جدلية تجعل رمضان فضاء يلتقي فيه النسك بالتمثيل الاجتماعي، والروحاني بالمادي.
في هذا الأفق، يبدو رمضان ككيان اجتماعي حي يحمل داخله توترا خلاقا بين الرغبة في الصفاء الروحي والحاجة إلى الانتماء الجماعي، بين الدعوة إلى التخفف من المادي والاندماج في طقوس اجتماعية كثيفة. فهو زمن تتكلم فيه القيم بصوت أعلى، لكنه أيضا زمن تنكشف فيه البنية العميقة للمجتمع، بما تحمله من استمرارية وتغير في آن واحد.
وهكذا، فإن التجربة الرمضانية في المجتمع المغربي يمكن فهمها كفضاء رمزي مركب يعاد فيه إنتاج النظام الاجتماعي عبر الطقس الديني، حيث يتحول الشهر إلى وسيط يعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة، ويمنح للحياة اليومية بعدا تأمليا يكشف عن التداخل العميق بين المقدس والاجتماعي. وكأن رمضان، في نهاية المطاف، لا يمر عبر المجتمع فقط، بل يعيد تشكيله كل عام، في حركة منتظمة تعكس قدرة الطقوس على إعادة إنتاج المعنى داخل الزمن الاجتماعي.
محمد أغياي، باحث في سوسيولوجيا الجريمة والإنحراف