samedi 14 février 2026
فن وثقافة

سعيد البهالي: "وجع الماء" ديوان جماعي يوثق لفيضان "وَادِي الشَّعْبَةْ" بأسفي

سعيد البهالي: "وجع الماء" ديوان جماعي يوثق لفيضان "وَادِي الشَّعْبَةْ" بأسفي غلاف الديوان الجماعي

قديما قيل "إن الشعر ديوان العرب" وهي عبارة لا تقرر وظيفة معرفية فحسب، بل هي دال جامع يحيل على معطى حضاري متكامل، فالشعر هو جامع الأخبار، وسجل الأفراح والأتراح، وحافظ الثقافة، وحارس الهوية، ديوان الذاكرة الجماعية، فالشعر إلى جانب أجناس أدبية أخرى، له القدرة المثلى على التعبير عن الوقائع والأحداث ـ ساعة الفرح والحزن ـ بشكل فني أرقى، وحس جمالي أنقى، لأن ما يتحمله الشاعر برهافة إحساسه، ونبل مشاعره، وصدق طويته، هو أكبر مما يتحمله الآخرون، ببساطة لأن الشعر هو المرادف الجمالي للحياة.

 

يوم الأحد الأسود

 

إن ما وقع بمدينة آسفي، خاصة بالمدينة العتيقة، عصر يوم الأحد 14 دجنبر 2025، من سيول وفيضانات، ليس حدثا عابرا في روزنامة الطبيعة، بل هو شيء مفزع ومخيف، وكارثي بكل المقاييس، إذ أزهقت أرواح بريئة، وضاعت ممتلكات ثمينة، وغرقت منازل عامرة، ويتمت أطفال، ورملت نساء، وغابت وجوه، وتأجلت أحلام، وأبانت عن سوء تقدير، وعشوائية تسيير، وقصور تدبير.

 

بموازاة هذا الحدث الأليم والرزء العظيم، سارع الشعراء، فرسان الحرف الصادق، وركبان السليقة الحارقة، من آسفي ومن خارجها، للتعبير عن مكنون صدورهم، وإخراج دفين مشاعرهم، فأجادوا وأفادوا، فأردنا اغتنام هذه المناسبة ـ وهي شرط كما يقال، لتخليد هذه اللحظة التاريخية، وتوثيقها فنيا وجماليا، لتبقى حية في ذاكرتنا وذاكرة الأجيال القادمة، إذ لا جفاء كالنسيان، ولا عقوق كالنكران، خصوصا في مدينة بُنيت من ألق، وسُقيت من أرق وقلق، وما زالت تبحث عن طوق نجاة منذ عهد نوح.

 

أشعار دثرت بالمعاني والمعالي والبوح الصادق الأصيل

 

ديوان جماعي رجونا أن يليق بذاكرة آسفي، وبعمق التجربة الإبداعية التي يوثقها، لأنه ضم أشعارا نجحت في تحديد بوصلة الخطاب، فكانت قصائد وأزجال باذخة، تحمل من الإبداع أجمله، ومن الإحساس أرقه، ومن التفاعل أجله، دثرت بالمعاني والمعالي، ولبست ثوب التحلي والتجلي، وبهذا يكون شعراؤنا حملة أمانة الكلمة الحارقة، وورثة بيان المشاعر الصادقة. شعراؤنا الذين عرفوا الجمال كشفا وتحقيقا، وميزوه تجليا وتدقيقا، وباحوا بأجمل المشاعر في سكون من عرف، وسكينة من غرف، فكانت كلماتهم نفح عطاء عامر، وكشف غطاء غامر، وبيان وفاء زاهر، وهو لعمري البوح الصادق الأصيل، والصدح السامق الجميل، والإبداع الهادف الجليل، في حق مدينة تمضي لوعد لا ريب فيه "وعد الصدق الذي كانوا يوعدون "، وعد يومِ سطوع شمسها، والتخلص من أثقال أمسها، والتحرر من أغلال رمسها، ولا يسعني إلا أن أتقدم لكل الشعراء والزجالين المشاركين في هذا الديوان الجماعي بجميل الثناء والعرفان، وجليل الشكر والامتنان، لأنهم وثقوا في هذه المبادرة الهادفة، وشاركونا ألمنا وحزننا على الفقد الكبير، فكانت قصائدهم موقفا وعنوانا وصوتا ووشما ونبضا وثباتا ومعنى.

 

قصائد وأزجال انتصرت لقيم التضامن والتآزر والنبل. فكل قصيدة هي رثاء، وكل صدر هو عزاء، وكل عجز هو مواساة، وكل روي هو تضامن، وكل قافية هي بلسم جراح. قصائد لم تكن مجرد بوح عاطفي عابر، ولا زينة لغوية لحظية، بل هي مفتاح ذاكرة، وارتجافة زمن، وعنوان صمود، وبيان تضامن، ورسالة إباء.

 

إن هذا القطف الجماعي والمتن الإبداعي، وهذه الأشعار والأزجال، بفصيحها وزجلها، بعموديها وحرها، في لغتها وإيقاعاتها، في بنياتها وإبدالاتها، بواقعيتها وتخيلاتها...كانت صادقة، معبرة، مفعمة بروح التجاوب مع الحدث، وأعطت للذات الشاعرة/ الزجالة شرعيتها الإبداعية والتعبيرية، وتعطي للمتلقي متعة القراءة الواعية، وأبانت أن مبدعينا ـ عندما سالت جداول وجدائل النهر من النحر إلى البحر، جارفة معها أحلام البسطاء، وتركت ندوبا في حواري الصالحين، وشروخا في قلوب الثكالى، أنهم مبدعون ملتزمون لا يتواطؤون على النسيان، ولا يركنون إلى الغياب، بل يلتجئون إلى أقاصي البوح والصدح، ليكفكفوا أحزان مدينة أضناها الخذلان، وأنهكها الصبر، وأعيتها التضحيات والرغبات والنكسات. وطحنتها الأحزان والنسيان، شاهدين على من قضى ومن مضى، وشاهدين على أن "داء العطب قديم".

 

ديوان الماء حين يفيض وديوان الذاكرة عندما تتألم

 

تتعدد الأصوات في الديوان، وتختلف القصائد والألحان، لكن يجمعها حب حاضرة المحيط، والوفاء لأهلها والرغبة في تخليد لحظة عصيبة ضمن سجل الذاكرة الجماعية للمدينة، وبالتالي فهذا الديوان لا يقدم مجرد نصوص إبداعية متجاورة، بل هو نسخة مشتركة للتذكر وللتساؤل وإعادة التفكير في علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي، إنه ديوان الماء حين يفيض، وديوان الذاكرة عندما تتألم، وديوان الإنسان عندما يقاوم النسيان والإهمال، وديوان مدينة آسفي وهي تكتب تاريخها بالشعر والزجل والألم.

 

فيضان أيقظ الأسئلة العميقة عن المدينة والإنسان

 

فعندما فاض وادي الشعبة لم يعبر الحواري الضيقة فقط، بل اجتاح الذاكرة التي انفجرت دفقة/ دفعة واحدة، ولم يغرق الدكاكين فحسب، بل أيقظ الأسئلة العميقة عن المدينة والإنسان والطبيعة والمصير، ولم يتلف الأرواح فقط، بل كان لحظة انكشاف كبرى تهاوت فيها الجدران، وأينعت الأحزان، وبلغت القلوب الحناجر، وتكلم الصمت بلسان الألم. ومن رحم هذه المعاناة الأليمة، والصدمة القاسية، والجرح المفتوح، ولد هذا الديوان الجماعي ليحول الصدمة الى قصيدة معبرة، والخسارة الى أثر لغوي مقاوم للنسيان، فكان بحق ديوان الماء حين يتمرد، وديوان الوادي حين يفيض، وديوان الإنسان حين يتألم، وحين يفاوض الماء بالألم، والطين بالحلم، وديوان المدينة الصابرة على الأحزان، والتي تتألم في صمت، لكنها لن ولم تنكسر.

 

أصوات متعددة تكتب، لكنها تنصت جميعها الى الوجع ذاته، وتعيد صياغته بلغة تقاوم المحو والنسيان، وتحول الألم إلى لغة، والفقد إلى قصيدة، وهو ما يمنح للكارثة بعدا رمزيا، ويجعل المدينة جرحا مفتوحا على الأمل، وهكذا يترك هذا الديوان الجماعي أثره في التاريخ والوجدان، شاهدا على أن مدينة اسفي كلما ابتليت، ازدادت حضورا في الشعر والحياة.

 

ديوان جماعي بنفحة الإرتقاء نحو الصفاء والنقاء

 

ولأن نوايانا مطايانا، وشَبَهُ الشيء منجذب إليه، ولأننا لا نملك إلا دفئ الذاكرة، وصدق البوح، وعراقة الإنتماء إلى آسفي، كان هذا الديوان لقاء للارتقاء نحو الصفاء والنقاء، ديوان أردناه أن يكون مختبرا للبوح الصادق عن عمق الفجيعة، وأن يمنح لمبدعينا جرأة التجريب، وسرعة التفاعل، ونبل الاعتراف، وصدق تلقف الحدث وتحويله إلى إبداع خالد في الوجدان، ينقل التفاصيل المؤلمة والخشنة وقلق السؤال، إلى مفردات تمنح الإبداع صدقه و "وطنيته" وهويته وفيضه ومشروعيته. فجاء متنا مرصعا ببنات هوى البيان والإبداع، ومجللا بحبات سبحات الجمال والإقناع، فهو أشبه بحلقات الشفاء الروحي، أو مجلس العارفين أهل الحق والحرف، حيث التسامي على الندوب والجراح، والتعالي عن الأحزان والأتراح.

 

ديوان جماعي يمثل ذاكرة جمعية لحدث مأساوي

 

ولكي لا يبقى ما وقع بأسفي عشية يوم الأحد الأسود حدثا عابرا في التاريخ ينسى عند أول منعطف، ولكي نخلد يوم غرق الماء في الماء، واختلط الطين بالأنين، وتسلل الموت خفية عبر حبات المطر، يوم أن كان رصيد المدينة المنفية في وحدتها، المشيعة في عزلتها، ماض مشرق وحاضر مقلق، فإن هذا الديوان الجماعي/ الجمعي ـ في اعتقادي ـ نجح في أن يكون ذاكرة جمعية لحدث مأساوي هز حاضرة البحر المحيط، وبالتالي نجح شعراؤنا في بناء عقد اجتماعي إبداعي نحو هموم المدينة وقضايا المواطن في لحظاته الحاسمة والموجعة، لأن شعراءنا من اللحظة الأولى للكارثة تهيئوا لهندسة القصيدة المعبرة، وجهزوا سليقة الملائمة الإبداعية، واستنفروا قريحة الإبداع المتحرقة، وشحنوا ذاكرة البوح المتأرقة، لتكون في مستوى الحدث الأليم، فكانت قصائد ذات قيمة جمالية وإبداعية وتوثيقية ربطت اللحظة المؤلمة بعالم الجمال الإبداعي وفيوضاته النورانية، وهنا يرتبط الجمال بالمجال، والواقع بالخيال، والوعي بالإبداع، في مدينة آسفي العارفة بالله، الغارقة في التيه، الواقفة على عتبات النور، المتحفزة دوما لاستعادة حبات الذاكرة وألوان الصباح، المعلقة بين شحنات الغياب وسديم الأحلام المؤجلة.

 

قصائد هذا القطف الجماعي المميز ـ كما ستلاحظون ـ اختلفت قوتها وجماليتها، في لغتها ومجازاتها، في روعاتها ومطرباتها، باختلاف ظروف إبداعها ـ وأنا لست بصدد التقييم أو التقويم أو النقد ـ فمنها قصائد قيلت على السريع، ونسجت على البديهة، وتجاوبت بسرعة مع هول الحدث، وصدمة الفاجعة، ولأن الخيال يخون حينا، أو تعجز اللغة أحيانا، فبعض ملامح الفاجعة تسكن ثنايا القلب، وحنايا الذاكرة، ولا تسعها خرائط الوجدان، فتحكى بالصمت، وتروى بالأنين، إنه ما لا يقال.

 

وقصائد أخرى أخذت مسافة زمنية للتأمل والتخمرـ وخير الشعر الحولي المحكك كما يقال ـ وكلها قصائد نالت شرف الانتماء عبر صدق التعبير، ونبل التجاوب، ولم تختر المنطقة الرمادية، لان اللحظة التاريخية وحدها تكابد عناء الإنوجاد، لذلك كان هذا الديوان الجماعي حاضنة حقيقية للإبداع وتوليد المعنى، ومختبرا لإنتاج التعبير المتجدد، وتنشيط الخيال، وتحفيز البديهة، لان الشعر كان دوما مغامرة وجودية/ أنطولوجية نحو سبر أغوار المعنى والمعاناة، وعيا ودلالة ووجودا، إذ هو ـ كما هو معلوم ـ ليس ممارسة لُغَوية (بضم اللام) ولا لَغْوية (بفتح اللام وسكون الغين) محايدة، لذلك كانت هذه الأشعار رتقا في فتق، وجبرا في خرق، وكانت شهودا وحضورا، مضاءة من الداخل (جوانية)، مشعة من الخارج (برانية)، طرزت بالصدق، وحازت صفة الإبداع الأصيل حين نفذت إلى عمق المعنى.

 

شكر وامتنان للمبدعين

 

مسك الختام، وعطر التمام، تكرير الشكر والامتنان لمبدعينا الذين جمعوا بين سيمياء الفقد وكيمياء الوجد، وزاوجوا بين ذائقة جمال القول وبَوْحه، وأنعشوا بارقة التلقي وروحه، أولئك الذين احتسبوا في الحزن صبرا، وابتغوا في الإبداع ذخرا، وأدركوا في المشاركة أجرا، ولكل من أضاء في العتمة بغواشي البهاء حرفا، وأنار في الدجى بفيض الضياء وصفا، وألقى في لجة الغمر بطهر القول أملا، وفتل في حبل البلاغة بجمال البيان شعرا وزجلا، ونسج في جبة الحنين بسرادقات الحفظ خيطا، ونقش في "ديوان النكبة ووجع الماء" بقدسية الحرف خطا، وضمد في الذاكرة المتعبة بكمال المعرفة جرحا، ورابط على ثغر القصيدة لإيقاد المعاني وسقاية المعالي بوحا وصدحا، فأبان عن طيب معدن مجيد، وأصالة محتد تليد، ونثلث الشكر لفيض المشاعر المهدهدة للروح، ولنبل المشاعر المروضة لنكبات الفجيعة بصدق البوح.

 

 حقق الله للكل مناه ورجاءه وأمله، وكل ميسر لما خلق له، كما نغتنم هذه المناسبة الأدبية الإبداعية لتجديد الدعاء بالرحمة والغفران، ونشر سحائب العفو والرضوان، لضحايا الفاجعة الأليمة، والنكبة العظيمة، راجين من الله جلت قدرته أن يجعلهم مع المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما.

 

سعيد البهالي / منسق الديوان الجماعي