samedi 14 février 2026
منبر أنفاس

هشام البوجدراوي: انفتاح المدرسة على المحيط.. من منطق المطالبة إلى ثقافة المبادرة المجتمعية

هشام البوجدراوي: انفتاح المدرسة على المحيط.. من منطق المطالبة إلى ثقافة المبادرة المجتمعية هشام البوجدراوي

يحتل انفتاح المؤسسات التعليمية على محيطها موقعا مركزيا في النقاش التربوي المعاصر، وغالبا ما يطرح باعتباره التزاما وظيفيا تتحمله الإدارة التربوية. غير أن هذا الطرح، في كثير من الأحيان، يختزل الإشكال في بعد أحادي، ويغفل الطبيعة المركبة للعلاقة التي تربط المدرسة بمجالها الترابي والاجتماعي، بما يحمله من مسؤوليات متبادلة وأدوار متكاملة.

فالواقع يكشف أن عددا مهما من المؤسسات التعليمية تشتغل في ظروف تتسم بخصاص في التجهيزات، وحاجة متواصلة إلى الصيانة نتيجة تقادم البنيات أو تعرض بعض المرافق للاستهلاك والتخريب والهشاشة. كما أن جودة الفضاء الخارجي المحيط بالمؤسسة خصوصا بالأحياء الهامشية والمناطق القروية، من نظافة وإنارة وتهيئة طرق ومسالك، تؤثر بشكل مباشر في جاذبيتها ووظيفتها التربوية، وهي مجالات تدخل ضمن اختصاصات فاعلين آخرين خارج المنظومة التربوية.

ومن بين الإكراهات التي تحد من فعالية المدرسة، انتشار الأزبال والحيونات الضالة بمحيطها، وضعف خدمات النظافة العمومية، ورداءة البنيات التحتية المحيطة بها. كما أن تفعيل أنشطة الحياة المدرسية يظل رهينا بتعبئة موارد مالية إضافية، وبانخراط فعلي للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين لاحتضان الأنشطة التربوية والثقافية. ويبرز كذلك مطلب تعزيز الحماية والأمن للمرتفقين وزبناء المؤسسات التعليمية، وتعميم خدمات المواكبة النفسية والاجتماعية عبر توفير الأخصائيين والأطباء النفسيين والفاعلين الاجتماعيين، بما يتيح للمتعلمات والمتعلمين شروطا أفضل للتعليم والتعلم.

إن التقصير في تأمين خدمات مدرسية ذات جودة لا يمكن اختزاله في مسؤولية داخلية للمؤسسة، بل يعكس في جانب منه قصورا في تدبير الشأن المحلي، وغياب تصور يعتبر المدرسة جزءا لا يتجزأ من الفضاء العمومي الذي ينبغي صيانته وتأهيله. فالمدرسة ليست فضاء معزولا، بل رافعة تنموية ومكون أساسي في النسيج المجتمعي.

ورغم ما تبذله إدارات المؤسسات من جهود لتفعيل الشراكات وطلب الدعم، فإن ضعف التفاعل أو غياب اعتمادات مالية مخصصة لدعم المدارس ضمن ميزانيات بعض المجالس الترابية أو بعض المؤسسات الاقتصادية المجاورة يحد من أثر تلك المبادرات. ويكرس هذا الوضع تصورا غير دقيق يجعل تأهيل المدرسة مسؤولية حصرية للقطاع الوصي، في حين أن تحسين بيئتها يندرج ضمن صميم الاختصاصات التنموية للجماعات الترابية وجمعيات المجتمع المدني والمؤسسات الاقتصادية.

ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة مفهوم الانفتاح التربوي في اتجاه مقاربة تشاركية متوازنة، قوامها أن المدرسة ليست مطالبة بالبحث عن محيطها أو تعويض أدواره، بل إن المحيط هو المسؤول عن تأسيس شراكات داعمة لها. فالمؤسسات التعليمية تمد المجتمع بكفاءات بشرية مؤهلة، وأي تقصير في دعمها ينعكس مباشرة على جودة هذه المخرجات وعلى مسار التنمية برمته.

وفي هذا السياق، تتحمل المجالس الترابية وجمعيات المجتمع المدني مسؤولية محورية في المساهمة في تأهيل الفضاء المدرسي وكذا الفضاء المحيط به، عبر ضمان النظافة وجمع النفايات بانتظام، وتأهيل الطرق والمسالك، وتوفير الإنارة العمومية، وتعزيز السلامة الطرقية، وتأمين النقل المدرسي خاصة في المناطق الهامشية. كما يندرج دعم الحياة المدرسية وصيانة المرافق وترسيخ ثقافة المحافظة على الممتلكات العمومية ضمن الأدوار المشتركة لمختلف الفاعلين المحليين، وفي مقدمتهم جمعيات آباء وأولياء التلميذات والتلاميذ، والمؤسسات الاقتصادية والجمعيات المحلية في إطار مسؤوليتها الاجتماعية.

وتؤكد التقارير الدولية هذا الترابط الوثيق بين المدرسة ومحيطها؛ إذ تشير تقارير اليونسكو إلى أن «جودة التعليم ترتبط ارتباطا وثيقا بجودة البيئة المدرسية ومحيطها الاجتماعي». كما شدد المفكر السوسيولوجي المغربي محمد جسوس على أن المدرسة العمومية «قضية مجتمع بأكمله وليست قضية قطاع إداري فقط»، في تأكيد واضح على أن إصلاح التعليم يقتضي تعبئة جماعية تتجاوز حدود المؤسسة والوزارة.

وخلاصة القول، إن تجاوز الإكراهات التي تعيشها المؤسسات التعليمية لا يتحقق بتحميلها مزيدا من الأعباء والمسؤوليات، ولا بحصر دورها في البحث عن الشركاء واستجداء الانخراط في برامجها وتحسين أوضاعها، بل بإرساء وعي جماعي يعتبر المدرسة شأنا عموميا مشتركا ومسؤولية مجتمعية متقاسمة.

فالمدرسة ليست مطالبة وحدها بمبادرة طرق الأبواب، وإنما من صميم المسؤولية الوطنية والاجتماعية للمؤسسات الاقتصادية، وجمعيات المجتمع المدني، والجماعات الترابية، أن تبادر إلى عرض خدماتها، وأن تتواجد بشكل دائم داخل الفضاءات التعليمية، وتقترح برامجها ومساهماتها في تحسين المحيط المدرسي.

إن انخراط الشركاء الخارجيين في دعم المدرسة ليس خيارا تكميليا، بل هو شرط أساسي لتحسين جودة التعليم، وبناء مجتمع متوازن، قادر على تحقيق تنمية مستدامة قائمة على تكامل الأدوار.