انتقدت الأستاذة جميلة السيوري، محامية، الرئيسة السابقة لجمعية "عدالة " صمت جمعيات القضاة أمام احتجاج المحامين، معتبرة إياه فجوة تهدد توازن العدالة، خاصة بعد دعم تاريخي من المحامين لاستقلال القضاء، ووصفت تصريحات وزير العدل وهبي بأنها تحريضية تنتهك حياد السلطة التنفيذية.
كيف تقيمين كحقوقية إعلان جمعية هيئات المحامين مواصلة مقاطعة خدمات الدفاع بشكل مفتوح؟
يمكن تقييم قرار جمعية هيئات المحامين بمواصلة مقاطعة خدمات الدفاع باعتباره تصعيدا احتجاجيا ذا دلالات مهنية ودستورية واضحة. فهذا القرار لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة انسداد قنوات الحوار واستمرار تجاهل مطالب المحامين المرتبطة باستقلالية المهنة، وضمان شروط ممارسة عادلة، واحترام دور الدفاع كركن أساسي في منظومة العدالة.
كما يمكن اعتبار المقاطعة المفتوحة تعبيرا عن فقدان الثقة في جدوى الحوار المؤسساتي بصيغته الحالية، ورسالة ضغط موجهة للسلطات العمومية بشأن خطورة المساس بدور المحاماة، وردًّا جماعيا على ما يُنظر إليه كمحاولات لتهميش الدفاع داخل المسار القضائي.
ولعل ما يثير القلق اليوم ليس فقط مضمون مشروع القانون، بل تغييب النقاش الحقيقي حول مسؤولية السلطة التنفيذية، وبالخصوص وزارة العدل، في ضمان استقلال القضاء وحماية حقوق المتقاضين والمتقاضيات.
ومع ذلك، فإن هذا الشكل من الاحتجاج، بصيغة التوقف الشامل والمفتوح، ورغم مشروعيته، يظل سلاحا ذا حدّين بالنظر إلى تداعياته على سير العدالة وحقوق المتقاضين، خاصة الفئات الهشة، وهو ما يستدعي مواكبة حقوقية دقيقة.
كيف يمكن الجمع بين هذه الاحتجاجات وضمان المحاكمة العادلة أثناء الإضراب؟ وهل يُعدّ ذلك واجبًا دستوريا؟
إن التوفيق بين الاحتجاج المهني وضمان المحاكمة العادلة يُعدّ تحديًا حقيقيًا، لكنه ليس مستحيلاً. فمن الناحية الدستورية، يُعتبر الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة مبدأً غير قابل للتعطيل، حتى في حالات الإضراب.
وأرى أن الحق في الاحتجاج المهني والحق في المحاكمة العادلة مبدآن متكاملان وغير متعارضين. وانطلاقا من المرجعية الحقوقية، فإن ضمان المحاكمة العادلة يظل التزامًا دستوريًا ثابتًا في جميع الظروف، والحفاظ عليه أثناء الإضراب يمرّ عبر تدابير تنظيمية مرنة تراعي القضايا الاستعجالية، خصوصًا تلك المرتبطة بالحرية الفردية.
وفي هذا السياق، لا أحمّل المسؤولية لطرف بعينه، بل أعتبرها مسؤولية جماعية تشمل الدولة، ومؤسسات العدالة، وهيئات الدفاع، وتقتضي اعتماد آليات استثناء واضحة في قضايا الاعتقال، والأحداث، والأسرة.
ما هي الآثار المتوقعة للإضراب على حقوق المتقاضين والعدالة؟ وكيف يمكن التوصل إلى حل وسط؟
من الناحية العملية، قد يخلّف الإضراب تأخيرًا في البت في القضايا وتراكمًا للملفات، وقد يمسّ بثقة المتقاضين في العدالة، ويُنتج إحساسًا بالإقصاء لدى الفئات الهشة التي تعتمد كليًا على المساعدة القضائية.
لكن في المقابل، يمكن أن يُشكّل الإضراب فرصة لإعادة طرح سؤال استقلالية المحاماة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في الشأن القضائي، وفرصة لإعادة بناء الثقة عبر:
- فتح حوار جدي ومؤسساتي بجدول زمني واضح؛
- اعتماد تعليق جزئي أو منظم للإضراب يراعي القضايا المستعجلة؛
- وتوفير ضمانات قانونية صريحة تحمي استقلال المهنة وتكرّس دور الدفاع.
فالمحاكمة العادلة لا تقوم فقط على قاضٍ مستقل، بل أيضًا على دفاع حرّ وقادر على تمثيل المتقاضي دون خوف أو تضييق.
وأؤكد هنا قناعتي الراسخة بأن المحاماة ليست عبئًا على العدالة، بل ضمانة لها، وأن أي إصلاح لا يضع المتقاضي في صلب اهتمامه، ولا يحترم استقلال مكونات العدالة، يبقى إصلاحًا ناقصًا، والحل يكمن في الحوار المسؤول لا في تبادل الاتهامات.
إلى أي حد يمكن الحديث عن إصلاح للعدالة في غياب توازن بين مكوناتها وصمت بعض الفاعلين؟
أولاً، أود التأكيد على أن إصلاح العدالة هو عملية شمولية تتطلب تفاعلًا متوازنًا بين جميع مكوناتها. وفي غياب هذا التفاعل وأمام الصمت في لحظات مفصلية، والذي قد يُفهم منه أنه تنصل من مسؤولية جماعية في حماية استقلال العدالة، خصوصًا وأن مهنة المحاماة كانت دائمًا في طليعة المدافعين عن استقلال القضاء وحقوق المتقاضين. ويبقى عدم وجود منهجية واضحة لإعداد وتدبير النقاش العمومي حول قانون بهذه الحساسية وخارج أية مقاربة تشاركية حقيقية، من الأسباب الأساسية لوجود الخلاف، بل نقله من نقاش مؤسساتي إلى توتر داخل المرفق القضائي، بما لا يخدم لا الإصلاح ولا ثقة المواطنين في العدالة التي تستوجب في نظري أولاً خطابًا مسؤولًا من جميع الفاعلين، خاصة السلطة التنفيذية، خطاب يحترم مبدأ الحياد ولا يُحمّل مهنة بعينها مسؤولية اختلالات بنيوية.
فمع كامل الأسف ونحن نتابع تصريحات وزير العدل الأخيرة، والتي لم تكتفِ بتوجيه انتقادات سطحية، بل اتجهت نحو تحريض مباشر للمتقاضين والمتقاضيات ضد المحامين، وهذا يعد انتهاكًا لمبدأ حياد السلطة التنفيذية تجاه مكونات العدالة، وتجاوزًا صارخًا لمسؤولياته السياسية والدستورية، لأن مثل هذا الخطاب لا يساهم في الإصلاح، بل يزرع الفتنة بين المحامين والمتقاضين، ويضعف الثقة المتبادلة التي تعتبر حجر الزاوية لأي نظام قضائي مستقل، كما يقوض الجهد التاريخي للمحامين والمحاميات في الدفاع عن استقلال القضاء وحقوق المواطنين والمواطنات.
ويبقى من أبرز مظاهر القلق التي لا يمكن التغاضي عنها هي صمت الجمعيات المهنية للقضاة رغم أن المحامين ظلوا تاريخيًا في الصفوف الأمامية للدفاع عن حقوقهم وحرياتهم وعن تحسين أوضاعهم المرتبطة بالنظام الأساسي للقضاة وعن استقلالهم واستقلال السلطة القضائية. وأعتبر أن هذا الصمت، سواء كان اختيارا أو نتيجة للتردد، فهو يفتح فجوة كبيرة في منظومة العدالة، ويخلق إحساسًا بالتخلي عن مسؤوليات مهنية وأخلاقية أساسية، لأن التعاطي الإيجابي لهذه الجمعيات مع احتجاجات المحامين ليس بخيار فئوي، بل هو في صميم حماية توازن العدالة واستقلالها، وبالتالي فإن الصمت في هذا السياق يصبح مشاركة ضمنية في إضعاف إحدى ركائز العدالة، ويخاطر بتحويل الإصلاح إلى صراع داخلي ينخر الثقة بين مكونات المرفق القضائي، ويضعف ثقة المواطنين والمواطنات في القضاء نفسه.
يثار جدل حول "عدم دستورية" سحب مشروع قانون مهنة المحاماة، ما تقييمك لذلك؟
القول بعدم إمكانية سحب مشروع قانون مهنة المحاماة بدعوى “عدم الدستورية” هو ادعاء غير مؤسس دستوريا ولا مسنودا تشريعيا، ويتعارض مع الممارسة الدستورية للحكومة نفسها.
فالدستور المغربي لسنة 2011 لا يتضمن أي مقتضى يمنع الحكومة من سحب مشاريع القوانين ما دامت لم تُصادق عليها نهائيا. كما أن الفقه الدستوري والممارسة البرلمانية المستقرة يؤكدان أن الجهة التي تتقدم بالمشروع تملك حق سحبه متى ارتأت ذلك. ويكفي التذكير بسوابق حكومية متعددة، من بينها سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع، ومشاريع أخرى في مجالات مختلفة، دون أن يثار أي إشكال دستوري.
وعليه، فإن سحب مشروع قانون مهنة المحاماة ليس مسألة دستورية، بل قرار سياسي وتشريعي مشروع، تفرضه حدة الرفض المهني، واختلال منهجية الإعداد، ومساس المشروع بضمانات دستورية أساسية لاستقلال الدفاع وحق الولوج إلى العدالة.