jeudi 12 février 2026
كتاب الرأي

خديجة الكور: النساء على هامش الدعم العمومي للأحزاب.. ضعف التمويل وعدم استعماله

خديجة الكور: النساء على هامش الدعم العمومي للأحزاب.. ضعف التمويل وعدم استعماله خديجة الكور

عرض المجلس الأعلى للحسابات في الأسبوع الماضي تقريره السنوي لفترة 2024-2025 في جلسة عمومية مشتركة للبرلمان بغرفتيه طبقا لمقتضيات الفصل 148 من الدستور.
ويتضمن هذا التقرير فصلاً تحت عنوان "تدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية برسم سنة 2023 والتحقق من صحة النفقات المتعلقة بالدعم العمومي الممنوح لها"، يتناول كيفية تدبير الأحزاب السياسية للدعم العمومي المخصص لها.
وقد أبرز  هذا التقرير أن الدعم العمومي المخصص للأحزاب في قانون المالية لسنة 2023 بلغ 140 مليون درهم لتغطية نفقات التسيير، وتنظيم المؤتمرات الوطنية، وإنجاز الأبحاث والدراسات وتعزيز تمثيلية النساء في الحياة السياسية. 
وكشف التقرير أن ما صرف فعليًا من هذا الدعم لم يتجاوز 60,38 مليون درهم لفائدة 17 حزبًا فقط، أي حوالي 43% من المبالغ المفتوحة. 
وفيما يتعلق بالنفقات المصرح بها من قبل الأحزاب، فقد بلغ إجمالها 91,37 مليون درهم، موزعة على 27 حزبًا قدموا بياناتهم المالية.
وبين تحليل بنية النفقات المصرح بها عن اختلال واضح، حيث تم تخصيص أكثر من 92% من مجموع النفقات لتغطية تكاليف التسيير الجارية، فيما لم تتجاوز نسبة الإنفاق على التكوين، الدراسات والبحث 0,60% من مجموع النفقات. ويعكس هذا التركيز الكبير على نفقات التسيير  هيمنة منطق التدبير اليومي على حساب وظائف  التأطير والتكوين والبحث والاستشراف.
ويبرز التقرير أيضًا أن الأحزاب تعتمد بشكل شبه كلي على التمويل العمومي، إذ بلغ الدعم نحو 58% من مجموع الموارد المصرح بها لدى 27 حزبًا، مقابل 42% فقط من الموارد الذاتية. ويعكس ذلك اعتمادًا كبيرًا على دعم الدولة في تمويل أنشطة الأحزاب.
كما سجل التقرير استمرار نقائص في توثيق المصاريف، حيث بلغت نسبة النفقات غير المدعومة بوثائق قانونية 6,27%، وشملت هذه النقائص عدم إرفاق وثائق صحيحة أو كافية، أو تقديم وثائق معنونة بأسماء غير الأحزاب المعنية، ما يعكس ضعف الممارسات المحاسبية والرقابية الداخلية.
ويشير تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى ضعف الدعم المخصص لتعزيز تمثيلية النساء والذي لا يتعدى  100 813,20 درهم أي ما يقارب 0,07% من مجموع الميزانية العمومية المخصصة للأحزاب.
ويكشف التقرير أن هذا التمويل المتاح ضمن  الدعم الممنوح من الدولة، لم يتم استعماله إلا  من قبل حزب واحد مما يعكس تقصيرًا واضحًا لدي جل الأحزاب  في استغلال الموارد المخصصة للتمكين السياسي للنساء. 
كما كشف التقرير عن ضعف استخدام الميزانيات المخصصة للتكوين والدراسات والبحث ، حيث لم تتجاوز نسبة صرف هذه الميزانيات 0,60% من مجموع الدعم العمومي، مع استفادة عدد محدود جدًا من الأحزاب، وهو ما يعكس عدم ضعف اهتمام الأحزاب بوظائف  تطوير الكفاءات و إنتاج النخب  وبلورة مشاريع مجتمعية.
واستنادًا إلى هذه النتائج فقد أصبح من الضروري والمستعجل اتخاذ إجراءات لتعزيز الحكامة المالية للاحزاب السياسية وضمان الاستثمار الناجع  للدعم العمومي من خلال بلورة خطط مفصلة ومؤطرة للإنفاق وتحديد حصة واضحة لتعزيز مشاركة النساء في الحياة السياسية، وضمان استغلال الميزانيات المخصصة للتكوين والدراسات والبحث. كما يجب تعزيز الرقابة الداخلية على الصرف المالي داخل الأحزاب عبر اعتماد نظم محاسبتية دقيقة وتدقيق داخلي دوري، مع إلزام كل حزب بإرفاق جميع الوثائق القانونية مع الحسابات السنوية.
كما ينبغي توسيع برامج التدريب والتكوين المالي  للأحزاب لضمان التسيير الأمثل وإدراج مؤشرات تقييم الأداء المالي ضمن المعايير التي تقاس بها كفاءة الأحزاب ونشر تقارير نصف سنوية عن صرف الدعم العمومي.
كما يجب إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في جميع مراحل الحكامة المالية للأحزاب لتعزيز المساواة بين النساء والرجال وتوجيه الموارد العمومية نحو تمكين النساء سياسيًا.
إن ما كشفه تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول صرف الأحزاب السياسية للدعم العمومي لا يقتصر على أرقام وإحصاءات، بل يعكس جوهر التحديات التي تواجه الاحزاب السياسية بالمغرب. فغياب التوازن في توزيع النفقات، وضعف استغلال الميزانيات المخصصة للتكوين والبحث وتعزيز تمثيلية النساء، كل ذلك يشير إلى قصور بنيوي في الحكامة المالية والسياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن الإصلاح ليس مجرد خيار إداري، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز الديمقراطية والمساءلة والقدرة الاقتراحية للأحزاب. 
إن اعتماد خطط مالية واضحة، وتعزيز الرقابة الداخلية، وتفعيل مقاربة النوع الاجتماعي، وتوسيع برامج التكوين السياسي، كلها خطوات حيوية لضمان أن تتحول الموارد العمومية إلى أدوات فعلية للتنمية السياسية وتمكين القيادات النسائية، وتقديم مشاريع مجتمعية واقعية تستجيب لتطلعات المواطنين وتستحضر عمق التحولات الجيو استراتيجية والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية التي يتوجب على الأحزاب السياسية مواجهتها لضمان بناء المغرب الصاعد والعادل والمنصف.

خديجة الكور، رئيسة منظمة النساء الحركيات