إن البلاغ الصادر عن مكتب الجمعية يعكس تحولًا نوعيًا في مسار معركة النضال ضد مشروع القانون 66.23، ويمكن قراءته من خلال ثلاث دلالات مركزية مترابطة: مهنية، سياسية، ومنهجية.
أولا، على المستوى المهني: يشكل عدم إحالة المشروع على البرلمان مكسبا مرحليا واضحا للجسم المهني، لأنه أوقف مسارا تشريعيا كان يتجه إلى تكريس أمر واقع دون استنفاد شروط التوافق.
هذا التعليق في الإحالة على البرلمان جاء كأثر مباشر للضغط النضالي المنظم، ويعيد الملف إلى دائرة التفاوض بدل منطق المصادقة العددية.
كما أن مبادرة رئاسة الحكومة إلى إحداث لجنة تحت إشرافها، وبشراكة مباشرة مع مكتب جمعية هيئات المحامين، لفتح نقاش مسؤول وجاد وصريح حول مشروع القانون، تمثل مكسبًا مؤسساتيًا دقيقًا؛ لأن هذا المعطى يؤكد الاعتراف بالمحاماة كشريك فعلي في صياغة قانونها، لا كطرف يستشار شكليًا ولا يُعمل برأيه. وهذه النقلة تعزز مبدأ التنظيم الذاتي، وتكرس أن أي إصلاح يمس جوهر المهنة لا يمكن أن يتم خارج إرادتها المؤسساتية وتصورها لوظيفتها داخل منظومة العدالة.
ثانيًا، سياسيًا: انتقال الملف من وزارة العدل إلى رئاسة الحكومة يحمل دلالة مهمة لأنه من جهة بمثابة إعلان عن فشل وزير العدل في تدبير هذا الملف وأنه هو المتسبب في هذه الأزمة.
ومن جهة ثانية فتدخل رئاسة الحكومة مفاده هو تجاوز المقاربة القطاعية التي أدارت بها وزارة العدل المشروع ومعالجته بمقاربة تشاركية وعلى مستوى أعلى، والاعتراف كذلك بأن الإشكال لم يعد تقنيًا محضًا، بل مرتبطًا بمنهجية التدبير وبأزمة ثقة.
ومن جهة ثالثة فإن إشراف رئيس الحكومة شخصيًا على اللجنة يمنح الحوار بعْدًا تحكيميًا أعلى وضمانة سياسية مباشرة، ويعيد التوازن في العلاقة بين السلطة التنفيذية والمهنة، باعتبارها فاعلًا دستوريًا في منظومة العدالة.
كما أن التنويه الصريح بمبادرة رئيس الحكومة بإعادة بناء الثقة مع الجمعية يؤكد أن المرحلة الجديدة تنطلق من تصحيح الخلل في العلاقة المؤسساتية، لا من مجرد تعديل بعض المقتضيات.
ثالثًا: من ناحية منهجية تفاعل مكتب الجمعية مع مبادرة رئاسة الحكومة: إن قرار تعليق التوقف عن تقديم الخدمات المهنية ابتداء من يوم الإثنين هو إشارة واضحة على حسن النية وربط النضال بالمسؤولية، كما أن هذا التعليق مرتبط بمخرجات اجتماع اللجنة المشتركة المقرر عقده يوم الجمعة.
ولأجل ذلك يُفهم أن الجمعية لم تنهِ المعركة، وإنما علقت أحد أشكالها استجابة لمبادرة سياسية ملموسة ومؤطرة بضمانة حكومية عليا، بما يعكس استعدادها للتفاعل الإيجابي متى توفرت شروط حوار جاد ومتوازن ومسؤول.
الخلاصة أن البلاغ يوثق مكسبًا مرحليًا مزدوجًا: يتجلى في تجميد المسار التشريعي من جهة، وفتح تفاوض مؤطر بإشراف رئاسة الحكومة وبشراكة صريحة مع الجمعية من جهة أخرى، مع تثمين مبادرة إعادة بناء الثقة. وهو ما يعني أن ميزان المرحلة مال لصالح منطق الحوار المتكافئ بضمانة سياسية واضحة، دون أن يحسم بعد جوهر الخلاف في انتظار ما ستَسْفر عنه أشغال اللجنة.
خالد الغريص، محام بهيئة أكادير كلميم وانزان