jeudi 12 février 2026
كتاب الرأي

سفيان الداودي: التنشيط التربوي في المغرب.. من المقاربة الموسمية إلى مشروع مهني

سفيان الداودي: التنشيط التربوي في المغرب.. من المقاربة الموسمية إلى مشروع مهني سفيان الداودي

لم يعد ممكنا النظر إلى التنشيط السوسيوتربوي باعتباره نشاطا مكمّلاً لسياسات الشباب، أو وظيفة موسمية مرتبطة بالعطل والمخيمات. 
فالمغرب يعيش اليوم تحولات عميقة، تؤكدها مقتضيات دستور 2011، وتوصيات النموذج التنموي الجديد، وخيارات ورش الدولة الاجتماعية. وفي قلب هذه التحولات يبرز سؤال الطفولة والشباب باعتباره سؤالا استراتيجيا لا هامشيا.

غير أن المفارقة الصادمة تكمن في أن مجال التنشيط، رغم أدواره الحيوية في التنشئة غير النظامية، ما يزال رهين مقاربة إدارية موسمية، تُفعَّل في الصيف وتخفت في باقي السنة، وتُدار بمنطق تدبيري أكثر منه بمنطق مهني. هنا يفرض السؤال نفسه بوضوح: من المسؤول عن هذا التأخر؟

هل هي السياسات العمومية التي لم تعترف بعد بالتنشيط كمهنة مستقلة؟

أم الجمعيات التي لم تطوّر منظومة تأهيل علمية واضحة؟

أم غياب رؤية استراتيجية تجعل المجال جزءاً من البناء الاجتماعي لا مجرد آلية ترفيه؟

 

- بين الاعتراف الدستوري وغياب التأطير المهني

ينص دستور 2011 على تعزيز دور المجتمع المدني في إعداد وتفعيل السياسات العمومية، ويؤكد على الحق في التنمية الثقافية والاجتماعية. 
كما أن النموذج التنموي الجديد شدد على الاستثمار في الرأسمال البشري، وتمكين الشباب، وإعادة الاعتبار للثقافة والترفيه باعتبارهما حقا وليس امتيازا.

لكن كيف يمكن الحديث عن “الحق في الترفيه” و”الحق في التنمية الثقافية” دون تأهيل مهني لمن يؤطر هذه المجالات؟

كيف نبني دولة اجتماعية دون الاعتراف بالمهن المرتبطة بالتنشئة غير النظامية؟

إن غياب إطار قانوني واضح لمهنة التنشيط، وغياب مسارات تكوين معترف بها وطنياً، يجعلان المجال في وضعية رمادية: حاضر في الخطاب، غائب في الهيكلة.

 

- أزمة بنية لا أزمة نوايا

المجال لا يعاني من نقص في الالتزام، بل من نقص في الهندسة. فكم من إطار تربوي يشتغل بإرادة عالية، لكنه لم يتلقَّ تكوينا في علم النفس النمائي؟ وكم من منشط يواجه وضعيات هشاشة اجتماعية دون أدوات تحليل أو تدخل؟ وكم من برنامج يُنجز دون تقييم أثر حقيقي؟

لسنا أمام أزمة أخلاق، بل أمام غياب مسار مهني واضح. وهنا يصبح السؤال حتميا:
ألا يحتاج التنشيط إلى مؤسسة عليا تؤطره معرفياً ومهنياً؟

 

- نحو معهد عالٍ للتنشيط التربوي

إحداث معهد عال للتنشيط التربوي ليس مطلبا فئويا، بل ضرورة مؤسساتية. 
معهد يُؤسس لتكوين يمتد ثلاث سنوات، يجمع بين:

- علم النفس وسوسيولوجيا الطفولة والشباب

- التربية الشعبية والتربية الكشفية  كمرجعية فكرية

- الفنون والثقافة الرقمية

- الرياضة والتربية البدنية

- إدارة المشاريع والتريية المقاولاتية والتقييم وقياس الأثر

هذا المعهد يجب أن ينفتح على خبرات أساتذة التعليم، وخريجي المعاهد الفنية، وأطر التربية البدنية، والباحثين الجامعيين.... ، حتى يتحول التنشيط إلى حقل معرفي معترف به.

 

- البعد الاقتصادي: من التطوع إلى سوق الشغل

المهننة ليست فقط تنظيما رمزيا، بل لها أثر اقتصادي مباشر. فإحداث معهد عالٍ سيخلق:

- وظائف قارة في التدريس والتأطير

- فرص تدريب ميداني مؤدى عنه

- مراكز بحث وتقييم

- مقاولات اجتماعية في مجال التنشيط الثقافي / الرياضي والرقمي

كما يمكن أن يفتح المجال أمام اعتماد نظام “المنشط المعتمد”، مما يخلق سوق شغل منظم داخل دور الشباب، والمؤسسات التعليمية، والجماعات الترابية، والمخيمات، والقطاع الخاص.

أما التمويل، فيمكن أن يقوم على نموذج متعدد المصادر:

- شراكة بين الدولة والجماعات الترابية

- مساهمة صندوق دعم العمل الجمعوي

- اتفاقيات مع الجامعات

- دعم من برامج التعاون الدولي

- رسوم تسجيل مدروسة مع منح للطلبة

المهننة هنا لا تعني تحويل المجال إلى سلعة، بل تنظيمه اقتصادياً بما يضمن استدامته.

 

- هل المهننة تقتل روح التطوع؟

هذا التخوف مشروع، لكنه يقوم على سوء فهم. فالمهننة لا تعني إقصاء المتطوعين، بل تعني:

- تأهيل القيادات المؤطرة

- تنظيم المجال

- حماية المستفيدين

- ضمان جودة الخدمات

التطوع يظل روح المجال، لكن الروح تحتاج جسدا مؤسسيا يحميها من الارتجال والاستنزاف. المهننة ليست نقيض التطوع، بل إطار يحفظه ويمنحه الأثر.

 

- نحو مؤتمر وطني لمهننة التنشيط

غير أن مشروعا بهذا الحجم لا يمكن أن يُفرض بقرار إداري، بل يحتاج إلى تعاقد وطني. لذلك يصبح من الضروري الدعوة إلى مؤتمر وطني حول مهننة التنشيط السوسيوتربوي.

محاور أولية للمؤتمر:

- تشخيص واقع التكوين في المجال.

- تعريف الإطار التربوي وكفاءاته المستقبلية.

- الإطار القانوني لمهنة التنشيط.د

- النموذج الاقتصادي والتمويل.

- مشروع المعهد العالي وهيكلته.

المخرجات المتوقعة:

- ميثاق وطني لمهننة التنشيط.

- لجنة تأسيسية لإعداد مشروع المعهد.

- توصيات تشريعية لوزارة الشباب والبرلمان.

- خطة زمنية للانتقال التدريجي نحو الاعتراف المهني.

المؤتمر يجب أن يكون لحظة تأسيسية، لا لقاء خطابيا.

 

- قطاع الشباب امام خيار تاريخي

إن ورش الدولة الاجتماعية، كما يطمح إليه المغرب، لا يمكن أن يكتمل دون إعادة الاعتبار لمهن التنشئة غير النظامية. فبناء المواطن لا يتم فقط في المدرسة، بل أيضا في الفضاء الثقافي والرياضي والجمعوي.

لقد آن الأوان لطرح السؤال بجرأة:
هل سنظل ندير المجال بمنطق موسم صيفي؟
أم سنحوّله إلى رافعة استراتيجية لبناء الرأسمال البشري؟

المهننة ليست رفاهية، بل شرط نضج.
والمعهد العالي ليس حلما، بل خطوة منطقية في مسار الاعتراف.

أما المؤتمر الوطني، فهو إعلان بأن المجال بلغ مرحلة تستدعي إعادة التأسيس.

الاختيار اليوم ليس تقنيا، بل  تاريخي:

إما أن يبقى التنشيط وظيفة ظرفية، أو أن يصبح مهنة تصنع المعنى، وتخلق فرص الشغل، وتؤسس لدور المجتمع المدني داخل الدولة الاجتماعية.

والرهان، في النهاية، هو رهان المستقبل نفسه.