samedi 7 février 2026
مجتمع

ذكريات لا تَبرَحُ الذّاكرة مع المُجاهد مَحمّد فى ذكرى رحيل شقيقه الزّعيم مُحمّد بن عبد الكريم الخطّابي

ذكريات لا تَبرَحُ الذّاكرة مع المُجاهد مَحمّد فى ذكرى رحيل شقيقه الزّعيم مُحمّد بن عبد الكريم الخطّابي محمد وشقيقه الراحل مُحمد بن عبد الكريم الخطابي عام 1963 (يسارا)

 فى السّادس من شهر فبراير2026 حلّت الذّكرى الثالثة والستّون لرحيل الزّعيم مُحمد بن عبد الكريم الخطابي عام 1963 بالقاهرة ،وفى 17 رمضان المقبل ستحلّ الذكرى التاسعة والخمسون  لرحيل شقيقه الأصغر السّي مَحمّد ( فتحاً) بن عبد الكريم الخطّابي، وهما الأخَوَان البطلان الصّنديدان  اللذان واجها  بضراوة وشجاعة  منقطعتيْ  النظيرخلال الحرب الرّيفية التحرّرية الماجدة  دولتيْن أوروبيتيْن عظمييْن وهما اسبانيا وفرنسا، وأذاقاهما بفئة قليلة من المجاهدين   الأشاوس الأبرارهزائمَ منكرة فى العديد من المعارك الضّارية التي  دارت رحاها الضروس بأرض الرّيف  الوريف وتُوجّت بمعركة "أنوال" الخالدة، تغمّدهم اللهُ تعالى جميعاً بواسع رحمته ،وأمطرعليهم شآبيب رضوانه وغفرانه، وأسكنهم فسيح فراديسه وجنانه.

  وبهذه المناسبة سنخصّ الحديث عن هذا الشقيق الأصغرلأسد الرّيف الضّرغام ، هذا الرّجل المتواضع البسيط،إنه حديث مُفعم ومُترع بفيضٍ غامرٍ، زاخرٍ، زاهرٍ، غيرٍ ضامرٍ من الحنين ،والذكريات ، والمعايشات، والحكايات التي تعود بنا الزّمان القهقرىَ لتردّنا إلى عهدٍ مشرق من ماضينا الحافل بالبطولات،والأمجاد، والتضحيات،عهدٍ مضىَ وانقضىَ وتوارىَ لحال سبيله،وذهب الزّمن القديمُ به وبأهله حميدَا، وانصرم بأناسه الطيّبين ، وأوليائه الصّالحين، وأبطاله المُناضلين، وفقهائه المُبجّلين ،ومُجاهديه الميامين، ومُقاتليه الشرسين، وشهدائه المُقدّسين ، إنّه حديث مُعبق بالحنين النّبيل، ومَشحون بالإعتراف بالجميل لهذا الرّجل المناضل الذي عادةً ما يُنعت بمهندس حرب الرّيف التحرّرية ،وغالباً ما يشحّ، ويقلّ ،ويندر التطرّق إليه فى غمرة الحديث عن وقائع ،ومجريّات، وملابسات الحرب الباسلة التي عرفها المغرب فى شماله وبالذات فى منطقة الريف فى العشرينيّات من القرن الفارط وذلك أمام الشّهرة الواسعة لشقيقه الأكبر الذي قاد كربّان ماهر، وقائد مُحنّك سفين تلك الحرب الماجدة الضّروس. تنطلق هذه الذكريات الحميمية من منطلق معايشتي الشخصية مع شقيقه الأصغر السّي مَحمّد فى اواسط الستينيّات من القرن الفارط فى القاهرة، هذا الرجل  الذي كان له هو الآخر – كما يشهد له بذلك المؤرّخون والدارسون – الدّور الطلائعي  الهام فى مساعدة ومساندة أخيه فى مسعاه التحرّري الشريف نظراً لدراسته لعلوم الهندسة فى المعاهد الاسبانية العليا بمدريد فى تاريخِ سابقِ قبل انطلاق شرارة المواجهة المُسلّحة ضدّ المُستعِمر الاسباني.

 

ذكريات فى كنانة الله فى أرضه

لا أخفي سرّاً إن قلت أنّ غير قليلٍ من المشاعرالصّافية،النقيّة، المُوفية تنتابني وأنا أعود بذاكرتي الى أيّام الدراسة فى الستينيّات من القرن الفارط بمصر المحروسة ، فضلاً عن العواطف الرّقيقة،والمشاعر الجيّاشة التي خصّني بها ممنوناً، والاستقبال الأبويّ الحارّ الذي قابلني وعاملني بهما هذا الرّجل الشّهم الذي لن أنساه، ولن أنسى لطفه، ونبله، وفضائله خلال حقبة وجودي فى القاهرة ، حيث كنت قد ألتقيتُ به لأوّل مرّة غداة وصولي الى عاصمة المُعزّ لدين الله لألتحق بكلية الآداب بجامعة عين شمس،كان الأستاذ توفيق عليّ ( المدرّس المصري الذي سبق أن عمل أستاذاً بمعهد أبي يعقوب البادسي بمدينة الحسيمة أوائل الستينيات من القرن المنصرم الذي كان له تأثير سحري وبليغ على جميع مَنْ قيّض الله له حظوة الدراسة والتحصيل على يديْه من تلاميذ هذا المعهد فى ذلك الإبّان) هذا الرّجل الطيّب أخبرني إبّانئذٍ عندما علم بوجودي بمدينة الألف مئذنة أنه اتّصل بأحد أصدقائه وهو الأستاذ الجامعي المحنّك بجامعة عين شمس الدكتور ابراهيم أبو ريدة الذي كانت تربطه بالزعيم مَحمد بن عبد الكريم الخطابي صداقة متينة، فاتفق معه على موعدٍ فى يومٍ غُرٍّ من أيام الجُمَع للقيام بزيارته والتشرّف بحظوة التعرّف على هذا المناضل الوطني الشّهم فى بيته بحيّ العجوزة ، وكان منزل شقيقه الأكبر يوجد فى حيّ حدائق القبّة فى مدينة القاهرة المترامية الأطراف ،وذهبنا ثلاثتنا فى سيارة الدكتور أبو ريدة (التي كانت تذكّرني بسيارة الدكتور أحمد أمين صاحب المجلدّات الشهيرة فجر الإسلام، ضحى الإسلام وظهر الاسلام ) . وفى الخامسة مساء كنّا فى منزل الزّعيم ، استقبلنا أحد أبنائه وهو المرحوم السيد صلاح ،وأخذنا أماكننا على كراسي وثيرة فى الصّالون الرئيسي لاستقبال الضّيوف ،وبعد هنيهة ظهر لنا الزّعيم السّي مَحمّد آتياً نحونا من بعيد ، كان يمشي على صَبَبٍ بتؤدةٍ وتأنٍّ فى اعتدالٍ واعتداد ،كان برتدي جلباباً مغربياً أصيلاً، وفوق كتفيْه برنس أو جبّة سوداء ، وتعلو رأسَه عمامة مُتقنة الصّنعة، مُحكمة الأطراف بيضاء ناصعة ، وكانت تغطّي عينيْه نظارة سوداء داكنة .

 

من أين جئت وابنُ مَنْ أنت ..؟

عندما اقترب منّا وقفنا ثلاثتنا ، فسلّم على صديقه الدكتور الجامعيّ الذي قدّم له الاستاذ توفيق فسلّم عليه ورحّب به ببشاشة ، ثم التفت نحوي فدنوتُ منه وقبّلته فى رأسه ثم فى كتفه الأيمن ، وخاطبني بالشلحة الرّيفية ( الأمازيغية ) وقال لي ما معناه : ”  من أين جئت وابنُ مَنْ أنتَ يا إبني العزيز ..؟ قلت له : ”  جئت من أجدير، ولم أذكر له اسمَ والدي لأنه لم يكن يعرفه، ولم يلتقِ به قطّ، ولكنني ذكرتُ له على التوّ اسمَ جدّي ،رفيقه ورفيق أخيه فى النضال، فقلت له بالرّيفية كذلك :” مِيسْ نمّوحْ نسِّي أحمد خطابي الورياغلي الأجديري…”، فقاطني قبل إتمام الكلمة الأخيرة التي كان ينطق بها لساني وجَناني معاً ، وقال بصوتٍ جهوري : الله أكبر ..رافعاً ذراعيْه إلى أعلىَ وعانقني برهةً .. كنت على درايةٍ تامّة، وعلى علمٍ ويقين بسبب انفعاله وسروره، وبدواعي ذلك الاستقبال الحارّ الذي خصّني به أمام الأستاذيْن المصرييْن، فجدّي من والدي رحمه الله كان من بين أوائل أعيان ورجالات منطقة الرّيف فى “أجدير” الذي بادر الى تأيّيده، ومساندته، بل أعلن تضامنه المطلق معه ومع أخيه الأكبر أمام الملأ فيما كان يسعيان إليه لمواجهة الاستعمار الاسباني الغاشم عند بداية إعلان انطلاق المقاومة في مؤتمر “إمزورن” المنعقد فى 20 سبتمبر1920 حسب صاحب كتاب “أسد الريف ” محمد محمد عمر بلقاضي ، وصاحب كتاب “حرب الرّيف التحريرية ومراحل النضال” أحمد عبد السلام البوعياشي ، وسواهما من المؤرّخين الثقات، ولقد كان وقوف رجل فى حجم ( محمّد بن السّيّ أحمد بن موحند ) المعروف عند قومه الريفييّن باسم ( مُوحْ نسِّي أحمد ) إذ ( مُوح) أو موحند لقب يعني الشّهامة والشجاعة والنخوة عندهم (ومولاي مُوحند هو لقب بطل حرب الرّيف الزّعيم الخطابي)،وبالفعل كان مُوح نسّي أحمد مشهوراً ومشهوداً له بشجاعته التي كان قد نوّه بها نجل الزعيم الخطابي المرحوم الأستاذ ادريس ضمن سلسلة مقالات كان قد نشرها فى جريدة ” العَلَم ” المغربية فى السبعينيّات من القرن الفارط عن حرب الريف التحررية حيث يصفه فيها “بالمناضل المجاهد والشّهيد الصّنديد”.

 

انطلاق المقاومة

يأتي اسمُ المجاهد مُوح (محمد) بن السيّ أحمد الأجديري الثاني فى الترتيب ضمن قائمة زعماء قبيلة أيث ورياغل حيث تمكّن الزعيم مُحمد ابن عبد الكريم الخطابي عام 1920 عقد اجتماع لانطلاق المقاومة الرّيفية بمدينة امزورن ( تبعد حوالي 7 كيلومتر من أجدير و17 كيلومتر عن الحسيمة).وتضمّ هذه القائمة بالإضافة إلى الفقيه السيد محمد بن علي بولحيا التوزاني: السيد محمد الحاج مسعود الأجديري – مُوح محمد بن السيّ أحمد الأجديري – الحاج حمّوش الأجديري – السيد عبد السلام بن الحاج محمد البوعياشي – أحمد بودرا الكلتومي – الحاج مسعود الأجديري – عبدالكريم ابن الحاج بودرا الأجديري- السّي علي أشهبار الأجديري – شعيب بن محمد بن عمر الأجديري – حمّادي بوزلماط الأجديري- السيد عبد الله بودرا الأجديري- محمد أكوح بوصريمث أولقاضي- محمد أحمد بوصريمث أولقاضي- محمد بن عمر القاضي- حدّو أوسار الموسى وعماري- حمادي بن الحاج سعيد المرابطي – اليزيد بن الحاج حمّو عمر بن علوش المحاولي- الهادي بن عزوز التمسنتي – طاهر الولقاضي – الحاج الراضي الزفزافي- مُوح بن طاهر البوعياشي – موح بن حميش البوعياشي -عبد الرزاق بن الحاج محند البوعياشي – علوش المرابط الوعزيزي- السي عمر بن حمادي الحنديحياوي- حمادي موح عمر المسعودي – الحاج علي بن الحاج محند أمزيان العبدلاوي – حدو بن امحند بن علي العبدلاوي – موح بن عمر موحند العبدلاوي – موح أبرقاش العبدلاوي – موح بن صديق الأحذفائي – بوطاهر مكوح الأحذفائي- السيد محمد بوقشوش المرابطي – موح بن الحاج عمر المرابطي – محمد بن الحاج محند المجوضي- موح الحاج أشلحي الوعزيزي. افتتح محمد بن عبد الكريم الخطابي هذا الاجتماع، وفسّر للحاضرين دواعيه وركّز على الأخطار المحدقة بأراضي الريفيين، وخلص إلى ضرورة توحيد الجهود وتنظيم الصفوف وتجاوز الأحقاد والضغائن والخلافات لصدّ هجومات الإسبان الزاحفين. وبعد أن أدلى المجتمعون بآرائهم، وبعد قراءة الفاتحة أدّوا القسم على المُصحف الكريم رحمهم الله جميعاً، (هذه القائمة منسوخة  بالحرف عن مرجع ل”جمعية ذاكرة الريف” نُشرتها مشكورة فى مايو 2005).

ويجمع الرّواة ومعظم المؤرّخين العارفين بتاريخ الريف أن هذا الشهيد شكّل مكسباً كبيراً ،ودعماً قويّاً إلى جانب مجاهدين آخرين كبار لما كان يتوق اليه الزعيم مُحمد عبد الكريم الخطابي وشقيقه السّي مَحمد من مساعٍ نبيلة فى هذا القبيل بعد عودة الأوّل من مدينة مليلية المحتلّة، ورجوع الثاني من مدريد، للعمل على لمّ شمل القبائل، وتوحيدها ووضع حدٍّ لمواجهاتها، وتناحرها، وإقناعها بأن تقف وقفة رجلٍ واحدٍ لصدّ وردّ هجمات الاستعمار الاسباني وذلك ما تحقّق لهما بالفعل ، إذ أنّ السّي مَحمّد رحمه الله عندما سلّمتُ عليه كان يعرف جيّداً أنّ المرحوم مُوح ابن السِّي أحمد أبلىَ البلاء الحَسن فى حرب الريف، كما أنه كان يعلم علمَ اليقين ( كما أخبرني هو نفسُه بذلك فيما بعد ) أنه من المجاهدين الأوائل الذين استشهدوا فى معركة أنوال الكبرى (يوم الأربعاء 21 يوليو 1921) إلى جانب صفوة من المجاهدين الآخرين الأبرار، يذكرهم الأستاذ ادريس الخطابي بتفصيل ضمن مقالاته القيّمة عن حرب الرّيف بصحيفة ” العَلم” الآنفة الذكر.

 

الخامسة مساءً من كلّ يوم خميس

خلال لقاءاتي المتعدّدة والمتوالية مع الزّعيم السّي مَحمّد كان حديثه الشيّق والمُشوِّق لا ينقطع عن هذا الشهيد ، وعن سواه من الشهداء الآخرين الذين أسلموا أرواحهم الطاهرة فى ساحة الوغى ببسالة وإقدام عزّ نظيرهما، فقد كان قد أصدر خلال لقائنا الأوّل فى منزله أمراً ودّيّاً – حسب تعبيره – لتواضعه ،وبساطته،وعفويته ( وهذه الصّفات هي برمّتها من مزايا وشيم العظماء) ،حيث كان قد قال لي إبّانئذٍ أمام الأستاذيْن المصرييْن اللذيْن كان لهما الفضل فى استقدامي لأتشرّف بلقاء هذا الرجل الشّهم المتواضع الذي أسهم بقسطٍ وافر فى صنع تاريخ الريف،وبالتالي تاريخ المغرب،قال : ( آمرك ودّيّاً بزيارتي فى الساعة الخامسة مساءًَ كلّ يوم خميس إن شاء الله فى منزلي هذا بحيّ العجوزة طوال تواجدك بالقاهرة) ،ولقد إمتثلتُ، ونفّذتُ هذه الأمنية بالحرف الواحد، وكنتُ حريصاً على زيارته فى نفس اليوم والساعة كما أمر. ولقد سرّني كثيراً إختياره ليوم الخميس بالذات، فقد شاءت الأقدار والصّدف أن يكون هذا اليوم هو من أحبّ الأيّام إلى والدي رحمه ،الذي كان قد نظم قصيدة خلال وجودنا بتطوان الفيحاء عن رحلة استجمامية لنا الى نبع (عيْن بُوعنان) جاء فى بعض أبياتها : وعند وُصُولكمْ للمكانِ ..تغنّوْا بالأشعار يا إخواني . وإنْ عُدتمْ وأنتم ساكتونَ .. إلاّ صِبيانُكمْ فلينشدونَ ،إلى أن يقول: أعزُّ الأيّامِ عندي يومُ الخميس .. فاختاروا له دوماً نِعْمَ الأنيس.

 

ذكريات عن الملاحم والمعارك البطولية

كان السّي مَحمّد قد أعطى تعليماته لأقربائه ، وللعاملين فى بيته بأن يُفتح لي باب المنزل حتى ولو كان على فراش المرض، وفعلاً فى بعض المناسبات كان يفتح لي الباب نجلُه العزيز صلاح رحمه الله، كان السّي مَحمد شخصاً لطيفاً ،كريماً،ذكيّاً ألمعيّاً، يقظاً، حاضر البديهة، بسيطاً، متواضعاً، كان الكثير من الناس والأساتذة والباحثين والإعلاميين والصّحافيين من مختلف أنحاء العالم يأتون لزيارته بعد إنتقال شقيقه الأكبر إلى الباري جلّت قدرته فى السادس من شهر فبراير 1963 ودفن بمقبرة الشهداء بالقاهرة ، كان  السّي مَحمّد حريصاً على إستقبالي بالفعل حتى ولو كان على فراش المرض ، وكنت عندما أدخل عليه فى حجرة نومه كان يطلب منّي أن لا أجلس قبالته على الكراسي التي كانت موجودة بالحجرة، ويأمرني أن أجلس بجانبه وبمحاذاته على حافة سريره ، وعندما يحضر الشّاي الأخضر المغربي المُنعنع اللذيذ الذي تمّ إعداده على الطريقة المغربية الأصيلة يبدأ فى الحديث عن بعض المعارك التي دارت رحاها فى مختلف مناطق الريف ،فالإضافة ألى أمّ المعارك ” أنوال” حدّثني عن ملحمة “ادهار أوبرّان”،من أهم المراكز الإستراتيجية التي كان يتحصّن فيها الجيش الإسباني آنذاك، كان موجوداً في قبيلة تمسمان، وعن مركز “إغريبن” الواقع بين قبيلة تمسمان وايت توزين ، وكذلك عن مركز “ادرهار بومجان”، و”تيزي وعزا” في قبيلة ايت توزين، و”سيدي إدريس” بقبيلة ايت اسعيد، و”سيدي إبراهيم”، وعن محاصرة آخر مواقع تمركز العدوّ في جبل اعروي (العروي) وسواها من المعارك البطولية الأخرى فضلاً عن ” معركتيْ اشّاون(شفشاون) سنة 1924 والبيبان سنة 1925 ضدّ الفرنسيين.

إتّقوا فراسة المُؤمن !

كان الزعيم السّي مَحمّد كثيراً ما يحدّثني خلال جلساتنا المسائية الجميلة بمنزله بحيّ العجوزة عن العديد من المجاهدين وعن الشّهداء الأبرار ومن بينهم (موح نسّي أحمد) ،الذي كان معجباً به ،وبشجاعته إعجاباً كبيراً…وكان عندما يتحدّث معي (دائماً بالرّيفية) يهزّ رأسَه، ويغمض عينيْه،بين الفيْنة والأخرى، ويزمّ شفتيْه، ويضع يدَه اليُمنى على جبهته ،ربما إستحضاراً أو إستذكاراً لحادثةً مّا ، أو لإسترجاع ذكرى عزيزةٍ على قلبه من الذكريات الغالية عن أيام النضال، والكفاح ، وحكىَ لي ذات مرّة كيف أن المجاهد مُوح نسّي أحمد استشهد على وضوء، وأن آخر كلمة نطق بها قبيل استشهاده هي كلمة : ( الله )، وقال لي إنّ معظم المجاهدين كانوا يستحضرون معهم بعض المواد الغذائية البسيطة يقتاتون بها مثل الفلفل الأخضر ، والتّين المُجفّف، وحبّات من البصل .وشقفاً من خبز الشعير الأسمر الغامق ،وسأل ذات مرّة أحدُ المجاهدين مُوح نسّي أحمد – بحضور السّي مَحمّد نفسه – فقال له : هل استقدمت معك البصل اليوم ..؟ فقال له : لا ، هذه المرّة لم أستقدم البصل، وأضاف فى مزاح ممزوج بجدّية مُحيِّرة : هل تريدني أن ألقىَ ملائكة الرّحمن برائحة ٍغيرِ مُستحبّةٍ فى فمي..؟! وفى نفس ذلك اليوم استشهد وأسلم الرّوح لباريها فى معكة “أنوال” بالذات .

 

حنين العودة الى الوطن الغالي

وقلتُ له ذات مرّة : يسألني كثير من الأصدقاء إذا ما كانت تربطني علاقة قرابة بك ..؟ فأجابني على الفور : نعم ، قل لهم نعم بكلّ تأكيد ، وأضاف قائلاً : نحن فى أجدير يا بنيّ مثل أسلاك هذا التلفاز الذي أمامنا فكلها متداخلة ومتشابكة فيما بينها ، فتعجّبتُ من سرعة بديهته، وحضور فطنته، ودقّة جوابه .

وفى احدى جلساتنا وهو على فراش المرض إعترف لي أنّه عكس ما وقع لأخيه الأكبر، يرجو ويتمنّى من الله تعالى أن يلقى ربَّه فى بلده المغرب، كما إعترف لي فى العديد من المناسبات كذلك أنّه كان يحنّ كثيراً إلى بلده المغرب…وبشكل خاص إلى مسقط رأسه ب “أجدير” ..(الذي كان يسمّيه، هو وشقيقه الأكبر ) مُستعمليْن صيغة التصغير من باب التلطيف والاستظراف ب: ( تَجْدِيرْثْ إِنُو ..) ( أيّ أجديريّ العزيز) وهذا ماحدث بالفعل، ففي إحدى زياراته لبلده المغرب توفّي السّي مَحمد بن عبد الكريم الخطّابي إلى رحمة الله ، وحقّق الله أمنيته فى لقاء ربّه فى بلده بعيداً عن مهجره بعد أن أصيب بأزمة قلبية حادّة كانت سبباً في وفاته فى 17 رمضان موافق يوم 19 ديسبر 1967.بالرباط.ولم يتمكن من زيارة مسقط رأسه فى الرّيف ( أيّ أجدير) إلاّ بعد أن إنتقل إلى الباري جلّت قدرته ليوارىَ الترابَ فى ثراه وعلى أديمه بمقبرة “المُجاهدين” إلى جانب أجداده، وأناسه، وأهله، وذويه، وبين بني طينته، وأبناء جلدته الذين طالما إشتاقَ إليهم إشتياقاً عظيماً.

والحديث ذو شجون، وهو فى خلايا الذاكرة وبين أعطاف الوجدان مكنون..هذا غيضٌ من فيض من ذكريات لقاءاتي مع هذا الرّجل الشّهم النبيل  ، رحمه الله .

 

 محمّد محمّد خطّابي، كاتب من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوطا- كولومبيا.

تحريراً فى حيّ المزمّة بحاضرة أجديرالحصين (الحسيمة) بتارخ 6 فبراير 2026  .