jeudi 12 février 2026
جالية

أريري: الشيخ الصادق العثماني.. حارس الاعتدال الإسلامي في أمريكا اللاتينية

أريري: الشيخ الصادق العثماني.. حارس الاعتدال الإسلامي في أمريكا اللاتينية عبد الرحيم أريري رفقة الصادق العثماني بشارع Paulista وسط مدينة ساوباولو

يُشكل الشيخ الصادق العثماني واحدا من أبرز الشخصيات العلمية والدعوية التي استطاعت أن ترسخ حضورا لافتا للإسلام الوسطي المعتدل في دول أمريكا اللاتينية، وخاصة في البرازيل، حيث يقود منذ سنوات جهودا علمية وفكرية تروم خدمة الجاليات المسلمة وتعزيز اندماجها الإيجابي داخل مجتمعات متعددة الثقافات واللغات.


وينتمي الشيخ العثماني إلى مدرسة علمية تجمع بين التأصيل الشرعي والانفتاح الثقافي، إذ نشأ في بيئة علمية مغربية أصيلة، مكنته من التدرج في طلب العلم إلى أن حصل على درجات أكاديمية عليا في تخصصات إسلامية دقيقة، الأمر الذي أتاح له الجمع بين البحث العلمي والممارسة الدعوية الميدانية.


ومع انتقاله إلى أمريكا اللاتينية، وجد الشيخ العثماني نفسه أمام واقع ديني واجتماعي متنوع، فاختار تطوير خطاب دعوي قائم على الحكمة والرحمة والتواصل الحضاري. وقد عمل على بناء جسور معرفية وروحية بين الإسلام ومجتمعات يغلب عليها الطابع غير المسلم، معتمدا لغة الحوار والتقريب بين الثقافات.


ويعرف الشيخ العثماني كذلك باهتمامه البحثي بقضايا الفكر الإسلامي وظاهرة التطرف الديني، حيث يصنف ضمن الباحثين المتخصصين في شؤون الأقليات الإسلامية في أمريكا اللاتينية. وقد أثمر هذا الاهتمام إصدار أول كتاب باللغة العربية حول تاريخ المسلمين في هذه المنطقة، إضافة إلى عدد من الدراسات والمقالات التي تناولت أوضاع الجاليات المسلمة وتحديات اندماجها الثقافي والديني.


وعلى المستوى الفكري، أغنى الشيخ العثماني المكتبة الإسلامية بعدد من المؤلفات، من بينها كتاب "مقالات إسلامية في الهوية الدينية المغربية"، وكتاب حول "الدروس الحسنية الرمضانية"، إلى جانب مؤلفات فكرية أخرى. وقد حظي بعض إنتاجه العلمي بتقدير رسمي من خلال إهدائه إلى الملك محمد السادس خلال الدروس الحسنية الرمضانية، وخاصة كتاب "تأملات داعية في تاريخ ملك وأمة".


وفي المجال المؤسساتي، يشغل الشيخ العثماني منصب رئيس الأمانة العامة لرابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية، حيث يشرف على تنسيق المبادرات العلمية والدعوية بين المراكز الإسلامية، وينظم مؤتمرات وملتقيات علمية تهدف إلى تطوير التأطير الديني وتعزيز الحضور الإيجابي للمسلمين داخل مجتمعاتهم.


كما يعد الشيخ العثماني من أبرز المساهمين في نشر المذهب المالكي في دول أمريكا اللاتينية، من خلال الدروس والمحاضرات والندوات العلمية، حيث يقدم هذا المذهب باعتباره إطارا فقهيا يجمع بين الالتزام الشرعي والرؤية المقاصدية التي تراعي خصوصيات الواقع المعاصر للمسلمين في الغرب.


ويرتبط المشروع الفكري للشيخ العثماني بالدفاع عن الهوية الدينية المغربية القائمة على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني، باعتبارها نموذجا للتدين الوسطي الذي يعزز قيم الاعتدال والتعايش، وهو ما يجسد الامتداد الحضاري للمغرب في نشر ثقافة التسامح والحوار بين الشعوب.


ويمتلك الشيخ العثماني الجنسية البرازيلية، ويعرف بخبرته في مجال صناعة الحلال، حيث يعمل مدققا شرعيا في عدد من المسالخ التابعة لمؤسسة "فامبراس حلال"، كما يشغل منصب المدير الديني لاتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل، مما جعله مرجعا معتمدا في ضبط معايير الحلال وفق الضوابط الشرعية والمواصفات الدولية.


ويصنف الشيخ العثماني ضمن المفكرين المسلمين في بلاد المهجر الذين ساهموا في تطوير رؤية فقهية مقاصدية تستحضر النص الشرعي ومتطلبات الواقع المعاصر، مع التركيز على ترسيخ فقه التعايش والاندماج الإيجابي داخل المجتمعات متعددة الثقافات.


ويمتاز حضوره العلمي بمشاركته المنتظمة في المؤتمرات الدولية المعنية بالحوار بين الأديان وتعزيز ثقافة التسامح، حيث يركز في أطروحاته على القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع البشر. كما وسع تأثيره من خلال نشاط إعلامي وثقافي يشمل مقالات أسبوعية ومحاضرات وخطب جمعة تترجم إلى اللغتين البرتغالية والإسبانية، ما عزز حضوره في الأوساط الأكاديمية والثقافية في أمريكا اللاتينية.


وبفضل مساره العلمي والدعوي، تحول الشيخ الصادق العثماني إلى أحد أبرز رموز الجالية المسلمة في أمريكا اللاتينية، حيث يمثل نموذجا للقيادة الفكرية الهادئة التي تجمع بين الإصلاح والانفتاح الحضاري، مواصلا أداء رسالته في خدمة الإسلام والمسلمين بروح المسؤولية والاعتدال.