في هذا الحوار مع محمد كفيل، الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة، يعبر عن دعم مبدئي لاحتجاجات المحامين ضد مشروع قانون مهنة المحاماة، معتبرا إياها صرخة ضد تعالي وزارة العدل واختلال في تدبير الشأن التشريعي. وينتقد كفيل هيمنة الدوائر التقنية والقضائية داخل الوزارة على إنتاج النصوص القانونية، ويطالب بسحب المشروع وفتح حوار حقيقي مع جمعية هيئات المحامين لإعادة بنائه على أساس التوافق.
كمحامٍ وأمين عام لحزب النهضة والفضيلة، ما هي المقاربة السياسية التي يتبناها حزبكم تجاه احتجاجات المحامين الحالية على مشروع قانون مهنة المحاماة، خاصة في ظل تصريحاتك السابقة التي وصفت الإضراب بـ "صرخة ضد تعالي وزير العدل"؟
أجدني في هذه اللحظة أمام صعوبة حقيقية في الفصل بين موقفي كسياسي وأمين عام لحزب مغربي، وبين كفيل المحامي الذي تشكّل وعيه داخل مهنة الدفاع. غير أن هذه اللحظة بالذات ليست لحظة حسابات سياسية بقدر ما هي لحظة دفاع عن المهنة، ولذلك أميل، دون تردد، إلى صوت الأستاذ المحامي.
موقف حزب النهضة والفضيلة من احتجاجات المحامين ليس موقف تضامن ظرفي ولا اصطفاف مهني ضيق، بل هو موقف مبدئي نابع من تصورنا لمعنى الدولة ولمكانة العدالة داخلها. نحن نرى في إضراب المحامين صرخة سياسية وقانونية ضد اختلال عميق في طريقة تدبير الشأن التشريعي، وضد منطق التعالي المؤسسي الذي استبدل الحوار بالإملاء، والشراكة بالوصاية.
حين يضطر فاعل دستوري مثل المحامي، الذي يشكل أحد أعمدة الحق في الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، إلى إعلان الشلل، فذلك يعني أن الخلل لم يعد تقنيا، بل بنيويا. الإضراب في نظرنا ليس خروجا عن المسؤولية، بل تعبيرا عنها حين تُغلق كل قنوات الإصغاء. لذلك وصفناه سابقا بكونه صرخة ضد تعالي وزير العدل، لا من باب الشخصنة، بل من باب توصيف سلوك سياسي فشل في احتواء الاختلاف.
ومن موقعنا كحزب سياسي، نعتبر أن الدفاع عن استقلال المحاماة هو دفاع عن التوازن داخل منظومة العدالة، وعن حق المواطن قبل حق المهني. فالعدالة التي تُدار بمنطق الغلبة لا تنتج إلا هشاشة قانونية وفقدانا للثقة.
كيف تفسر تعنت وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي كان محامياً سابقاً، في رفضه سحب المشروع رغم الاحتجاجات المتواصلة والإضرابات الشاملة، وما هي الخطوات التي يقترحها الحزب لإنهاء هذا التوتر؟
نحن لا نفسر ما يبدو تعنتا فقط من زاوية شخصية الوزير، بل من زاوية أعمق وأخطر. عبد اللطيف وهبي، مهما بدا في الواجهة، ليس بالضرورة منتج النصوص التي يدافع عنها، بل هو في حالات كثيرة ناقل سياسي لنصوص تُصاغ داخل دوائر تقنية وإدارية، وعلى رأسها مديرية التشريعات بوزارة العدل، التي يهيمن على تركيبتها قضاة، كما هو الشأن بالنسبة لعدد من المديريات المركزية داخل الوزارة.
هذا المعطى يسمح بالقول إن التحكم الحقيقي في إنتاج النصوص القانونية لا يوجد دائما في المستوى السياسي الظاهر، بل داخل بنية إدارية وقضائية تُعيد إنتاج منطق تشريعي يخدم السلطة القضائية أكثر مما يخدم فكرة العدالة بمعناها الشامل. وهو ما يفسر تراكم ترسانة قانونية تميل بشكل ممنهج إلى تعزيز موقع جهة واحدة داخل منظومة العدالة، على حساب باقي الشركاء، وفي مقدمتهم المحامون.
أما بخصوص مخرج هذا التوتر، فنحن نرى أن الحل يمر عبر سحب المشروع بصيغته الحالية، وفتح حوار مؤسساتي حقيقي، صريح ومتدرج، مع جمعية هيئات المحامين، وإعادة بناء النص على قاعدة التوافق لا المفاجأة. فالسياسة، في معناها اللغوي والاصطلاحي، ليست خوضا دائما في المعارك، بل هي فن الاحتواء، وحسن تدبير الاختلاف، وتفادي الصدام حين تصبح كلفته على الدولة أعلى من أي ربح محتمل.
هل يرى حزب النهضة أن مشروع قانون المحاماة يمس فعليا باستقلالية المهنة كما يدعي المحامون، وما دور الأحزاب السياسية في دعم مطالبهم أمام البرلمان، خاصة مع وقفة الاحتجاج أمام البرلمان يوم 6 فبراير 2026؟
نعم، نحن نرى أن مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، في صيغته الحالية، يمس فعليا باستقلالية المهنة، ليس فقط عبر بعض المقتضيات التقنية، بل من خلال الفلسفة التي تحكمه. فالنص لا يتعامل مع المحامي كشريك دستوري في منظومة العدالة، بل كفاعل ينبغي تطويقه وإخضاعه لمنطق الضبط والوصاية، وهو تصور يتناقض مع أبسط مقومات دولة القانون.
الأخطر من ذلك أن وزارة العدل اختارت فتح معركة حول نصوص مثيرة للجدل واللغط، في وقت تركت فيه نصوصا قانونية جوهرية، يعود بعضها إلى سنة 1984 وما قبلها، دون أي جرأة سياسية على مراجعتها أو تعديلها، رغم ما تطرحه من إشكالات حقيقية في التطبيق والعدالة. هذه الانتقائية التشريعية تطرح أكثر من علامة استفهام حول أولويات الإصلاح وحول الأجندة الحقيقية التي تحكمه.
أما دور الأحزاب السياسية، فهو دور محوري لا يمكن التنصل منه. فالأحزاب ليست مجرد أدوات تصويت داخل البرلمان، بل يفترض أن تكون ضميرا سياسيا داخل المؤسسات. ومن واجبها أن تدافع عن التوازنات الكبرى للدولة، وأن تقف إلى جانب المهن الدستورية حين تُمس استقلاليتها. ووقفة 6 فبراير 2026 أمام البرلمان ليست حدثا مهنيا معزولا، بل لحظة سياسية كاشفة لمدى استعداد الفاعل الحزبي لتحمل مسؤوليته في حماية العدالة باعتبارها أساس الثقة بين المواطن والدولة.