lundi 9 février 2026
مجتمع

حين يتحول الولاء في تونس إلى جريمة.. النائب سعيداني في سجن قيس سعيّد!!

حين يتحول الولاء في تونس إلى جريمة.. النائب سعيداني في سجن قيس سعيّد!! قيس سعيّد وأحمد سعيداني

قالت مجلة "لوبوان" الفرنسية، إن نظام الرئيس التونسي قيس سعيّد دخل طورًا متقدمًا من التصدّع، بعدما لم يعد القمع موجّهًا فقط إلى الخصوم، بل امتد ليطال حتى أكثر أنصاره ولاءً، في مؤشر على أزمة عميقة داخل معسكر الحكم نفسه.

 

فقد أُوقف النائب أحمد سعيداني، أحد أبرز المدافعين عن الرئيس، على خلفية تصريحات انتقد فيها غياب النتائج الفعلية لسياسات السلطة. والمفارقة، كما تشير المجلة، أن سعيداني لم يكن مجرد نائب موالٍ، بل كان تجسيدًا متطرفًا للنظام الذي تشكّل بعد 25 يوليوز2021. خطابه جمع بين قومية متشددة ونزعة يسارية راديكالية، مرفوقة بتقديس شبه ديني للرئيس، الذي كان يصفه بلا مواربة بـ“حنبعل الجديد”، رافعًا إياه إلى مصاف أبطال التاريخ القديم.

 

انتُخب سعيداني عن حزب داعم للانقلاب، واشتهر بتصريحات عنيفة ضد المعارضين، دعا فيها صراحة إلى زجّهم في السجون أو إرسالهم إلى “القبور”. وبحسب لوبوان، كان من المساهمين الفاعلين في ترسيخ النظام الاستبدادي الجديد، عبر المشاركة في تدمير المؤسسات التي نشأت بعد الثورة: تعطيل الدستور، حل البرلمان، تفكيك الهيئات المستقلة، والمصادقة على مسار قضائي انتهى بأحكام قاسية طالت النخب السياسية، وصلت في مجموعها إلى عشرات السنين من السجن.

 

غير أن الرابع من فبراير2026، شكّل لحظة فاصلة. الرجل الذي دافع بلا تردد عن الحكم الفردي، وجد نفسه معتقلًا ثم مودَعًا السجن. أما “جريمته”، فتتمثل، وفق المجلة، في كونه تجرأ على التعبير عن خيبة أمله من سلطة وعدت بالإنجاز ولم تحقق شيئًا.

 

وتربط لوبوان هذا التحول بحدثين هزّا صورة النظام. الأول وقع في مدينة قابس، حيث تسببت انبعاثات سامة من المركب الكيميائي في إصابة أطفال مدرسة مجاورة بأمراض، في ملف بيئي مزمن عجزت الدولة عن معالجته. وردّ السلطة اقتصر على تحميل موظف صغير المسؤولية، وإطلاق خطابات صارمة، ثم قمع آلاف المحتجين بالغاز المسيل للدموع بدل معالجة أصل المشكلة.

 

أما الحدث الثاني، فتمثل في فيضانات أودت بحياة خمسة أشخاص وكشفت هشاشة البنية التحتية، إذ تبيّن أن شبكات الصرف لم تُصن ولم تُحدّث منذ سنوات، وأن شيئًا لم يتغير منذ الانقلاب، رغم الوعود المتكررة.

 

عندها، انفجر غضب سعيداني، فوصف الرئيس الذي طالما مجّده بـ“رئيس المجاري”. هذه العبارة كانت كافية لفتح ملف قضائي ضده بتهمة “التشهير” برئيس الجمهورية، وهي تهمة قد تقوده إلى سنوات طويلة من السجن.

 

وترى لوبوان أن هذا الاعتقال يعكس مأزق السلطة: فمع سجن المعارضين، وإسكات المجتمع المدني، وتكميم الصحافة، لم يعد النقد ممكنًا إلا من داخل الدائرة الموالية نفسها. كما أن لجوء النظام إلى قمع أنصاره يكشف ضعفه، لا قوته.

 

وتخلص المجلة إلى أن قيس سعيّد سقط في فشل ثلاثي: أخلاقي، حين برر القمع باسم محاربة الفساد؛ وأيديولوجي، حين أبدى إعجابًا بنماذج سلطوية خارجية لا تنسجم مع واقع تونس، رغم ارتباط اقتصادها الوثيق بأوروبا؛ واجتماعي، وهو الأخطر، إذ لم يتحقق أيّ من الوعود التي استُخدمت لتسويغ العنف وتبرير احتكار السلطة.

 

وفي النهاية، تؤكد لوبوان أن أحمد سعيداني لم يكن استثناءً، بل مثالًا صارخًا: أحد صُنّاع المنظومة الذي انتهى إلى المصير نفسه الذي صُنع للآخرين… الزنزانة.