lundi 9 février 2026
كتاب الرأي

محجوب البرش السباعي: مشاورات مدريد الثانية بين الرمزية والصبر الاستراتيجي المغربي

محجوب البرش السباعي: مشاورات مدريد الثانية بين الرمزية والصبر الاستراتيجي المغربي محجوب البرش السباعي

في سياق انطلاق المشاورات السياسية بالعاصمة الاسبانية مدريد تحت الرعاية الامريكية، وبتنزيل القرار الاممي 2797، يعود ملف الصحراء الى واجهة الاهتمام الدولي بصيغة مختلفة تعكس تحولا عميقا في طبيعة النزاع ومسارات معالجته. حضور المغرب والبوليساريو وموريتانيا والجزائر في هذه المشاورات يؤكد ان المرحلة الحالية لم تعد تسمح باستمرار الخطابات القديمة، ولا بتمرير السرديات التي ظلت لعقود تؤطر هذا الملف خارج منطق الواقعية السياسية.


هذا السياق الجديد يعيد الى الذاكرة لحظة مدريد سنة 1975، حين وقعت الاتفاقية الثلاثية بين المغرب واسبانيا وموريتانيا، وتم انهاء الوجود الاستعماري الاسباني ونقل الادارة الى المغرب. غير ان تلك اللحظة لم تكن نهاية النزاع، بل كانت بداية انتقاله من مرحلة تصفية الاستعمار الى مرحلة صراع اقليمي غذته الجزائر عبر بناء سردية تقوم على تقرير المصير بصيغته الانفصالية.


اليوم، وبعد خمسين سنة تقريبا، يبدو ان ما يمكن تسميته مجازا باتفاقية مدريد الثانية لا يعيد انتاج نفس النقاش، بل ينقله الى مستوى اخر. اذا كانت مدريد الاولى قد انهت الوجود الاستعماري، فان مدريد الثانية تفتح باب الانتقال من حرب السرديات القانونية الى تفاوض واقعي حول نموذج سياسي مغربي اصبح يحظى باعتراف دولي متزايد، ويجعل من الحكم الذاتي الخيار الوحيد المطروح عمليا على طاولة المفاوضات.


لقد راهنت الجزائر لعقود على ما تدعي أنه خطاب قانوني واخلاقي حول تقرير المصير، في حين اختار المغرب مسارا مختلفا يقوم على ممارسة السيادة على الارض عبر التنمية وبناء المؤسسات وخلق واقع سياسي واقتصادي داخل الاقاليم الجنوبية. انتخابات منتظمة، نخب محلية منتخبة، مشاريع بنية تحتية كبرى، واستثمارات استراتيجية في الموانئ والطاقات المتجددة والربط الطرقي، كلها عناصر حولت الصحراء من ملف نزاع الى فضاء تنموي يعكس شرعية واقعية.


هذا الفرق بين خطابين متعارضين، خطاب مبني على السردية وخطاب مبني على الواقع، لم يظل محصورا في المستوى الاقليمي، بل اثر بشكل تدريجي في نظرة المجتمع الدولي. لم يعد مفهوم تقرير المصير يعني بالضرورة الاستقلال، بل اصبح قابلا للترجمة في صيغة حكم ذاتي موسعة داخل سيادة الدولة. هذا التحول المفاهيمي كان نتيجة مسار طويل من التراكم الدبلوماسي المغربي الذي نجح في نقل النقاش الدولي من سؤال السيادة الى سؤال التدبير.


من ابرز لحظات هذا التحول، الصدمة الدبلوماسية التي احدثها المغرب حين دعا السفير عمر هلال الجزائر الى تطبيق نفس منطق تقرير المصير على منطقة القبايل. تلك اللحظة كشفت هشاشة الخطاب الجزائري، ودفعت الجزائر الى ردود فعل متشنجة تمثلت في قطع العلاقات الدبلوماسية واغلاق المجال الجوي، مما زاد من تقويض مصداقية خطابها امام المجتمع الدولي.


في المقابل، كان المغرب يعزز حضوره على الارض. مدينة العيون اليوم، وميناء الداخلة الاطلسي، وشبكة الطرق والربط الطاقي، ومؤشرات جودة العيش، كلها امثلة ملموسة على ان الشرعية لم تعد تبنى فقط في اروقة الامم المتحدة، بل على ارض الواقع. صورة واحدة لهذه المدن قادرة على تفكيك سنوات من الخطاب الايديولوجي الجزائري.


لقد اصرت الجزائر طويلا على انها طرف غير مباشر، غير ان التطورات الاخيرة، والرعاية الامريكية لهذه المشاورات، وتنزيل القرار الاممي 2797، كلها عوامل تجعلها طرفا رئيسيا في النزاع. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بالانزياح الاستراتيجي، حيث تتحول الجزائر من فاعل يحاول تعريف النزاع و يشترط الحلول عن بعد الى شاهد على تحوله نحو نموذج سياسي لا يتطابق مع سرديتها.


بين مدريد الاولى ومدريد الثانية، انتقل النزاع من مرحلة الفراغ الاستعماري الى مرحلة اعادة هندسة السيادة. الصبر الاستراتيجي المغربي لم يكن مجرد تكتيك ظرفي، بل استراتيجية طويلة النفس لانتاج واقع سياسي جديد يجعل التسوية نتيجة منطقية لمسار تاريخي من اعادة بناء الشرعية.


وهكذا، يصبح الحكم الذاتي اليوم ليس مجرد مقترح تفاوضي، بل خلاصة مسار طويل من التحولات السياسية والدبلوماسية والتنموية، يجسد فهما حديثا لمفهوم السيادة في عالم لم تعد تحكمه الشعارات والبروباغندا، بل الوقائع على الأرض، و هو ما أفلح فيه صانع القرار المغربي بصمت وصبر استراتيجي أذهل الجميع.

 

ذ. محجوب البرش السباعي /رئيس مركز رأس بوجدور للبحوث و الدراسات