mercredi 4 février 2026
كتاب الرأي

محمد الفلالي: الدولة والمحاماة.. صراع الإخضاع وإرادة الاستقلال

محمد الفلالي: الدولة والمحاماة.. صراع الإخضاع وإرادة الاستقلال محمد الفلالي

تكمن هوية رسالة المحاماة في دورها الأساسي في تحقيق العدالة باعتبارها المدخل الأساسي والرئيسي للتعرف على الحقوق والالتزامات والمسؤوليات وحمايتها وهي بذلك قوة مضادة لكبح جماح الدولة متى جنحت الى اعمال السلطة خارج غاية العدالة التي استدعت وجودها، وهنا يحق لنا التوقف لبيان العلاقة الجدلية بين الدولة والعدالة حتى ندرك طبيعة الصراع بين الدولة ومهنة المحاماة.

 

نقرأ لهيكل تصوره للغاية من تكوين الدولة والمتمثلة في تحقيق الحرية العقلانية القائمة عن حماية الحقوق الأساسية و عناصر المجتمع ،هذا التصور هو نفسه الذي طرحه علال الفاسي بوضوح أكثر من خلال قوله ان أسباب قيام الدولة نفسها لا تكتفي لفرض القانون، الا اذا كانت تبررها الغاية المقصودة من بناء الدولة وهي ضمان العدالة وتعميم الحرية على جميع المواطنين.

 

وعلى الرغم من كون العدالة هي الغاية من تكوين الدولة الا أن هذه الأخيرة تسعى دائما الى الاستحواذ واحتكار سلطة التنظيم والضبط بجعل كل من عداها في خدمتها واقتصار نظرها للقانون على كونه مجرد سبيل لتقوية أركانها فقط.

 

ومن هنا تبرز رسالة المحاماة المقدسة التي تسعى الى تحقيق العدالة عبر انتزاع مساحة من الاستقلال المطلق لحماية الافراد و حقوقهم، فالمحاماة ليست مجرد مهنة بالمعنى السوسيولوجي التقليدي أي مجرد احتكار لمعرفة قانونية تقنية بل هي سياسة ولكنها سياسة من نوع خاص، سياسة لا تهدف الى الوصول الى الحكم بل تهدف الى خلق مسافة بين الفرد والسلطة.

 

هذا الاختلاف بين غاية الدولة وغاية مهنة المحاماة يعيد الى الواجهة طبيعة الصراع الازلي بينهما بين إرادة الاخضاع (الدولة)وإرادة الاستقلال(المحاماة) الذي اتضحت معالمه  في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.

 

ان المطالع لهذا المشروع والتصريحات والردود التي رافقت خروجه سيقف على روايتين.

- رواية الدولة في شخص وزارة العدل التي ترى ان المحاماة مجرد مساعد للقضاء بمنطق التبعية.

-ورواية المحامين الذين يعتبرون أنفسهم حراس الحريات العامة خارجين عن التسلسل الهرمي للدولة.

حاصل للروايتين ان الصراع يتمحور حول استقلالية مهنة المحاماة وحدودها وهو ما سنعمل على بيانه ادناه:

بادئ ذي بدء يثبت القول انه لا يمكن الركون الى القول بوجود دفاع قوي من دون وجود محام مستقل لا يخشى شيئا في تمثيل أولئك الذين لا يستطيعون تمثيل أنفسهم دون مبالاة بالنتائج حتى لو كان قدره ان يغرق في الفوضى من اجل حماية موكله، بيد ان وضع قواعد ترسم حدودا للمحامي في أداء مهامه بخلق وحدات للتحكم فيه سيؤدي بشكل مباشر الى حرمان الموطنين من الحماية التي تنشدها مهنة المحاماة وبالتالي الخلوص الى تفكك بناء العدالة.

 

أولا:  مسعى برقرطة مهنة .. تدجين الدفاع.

تضمن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مقتضيات كثيرة تروم الى جعلها مهنة تابعة لمؤسسات وزارة العدل والسلطة القضائية.

 

 حيث تقتضي المواد 74،43،39،35،27،23،18،11،8،7،6،1 من المشروع أعلاه بتدخل كل وزارة العدل والسلطة القضائية في مهنة المحاماة وجعلها ضمن ترتيب اداري تكون على رأسه وزارة العدل والسلطة القضائية حسب الحالة.

 

فمثلا مقتضيات المادة 1 التي تقضي باعتبار المحامين جزء من أسرة القضاء وعلاقتها بمقتضيات المادة 8 التي تتضمن قسم المحامي باحترام المؤسسات القضائية دون بيان طبيعة هذا الاحترام، اللتين لا يفهم منهما سوى وضع المحامي ضمن سلم اداري يرأسه رئيس المؤسسة القضائية التي يمارس فيها المحامي مهامه.

ومقتضيات المواد 8،7،6 التي تضمنت احكام تقضي بسلطة وإشراف وزير العدل على المحامي المتمرن (محام المستقبل) بما يتضمن تأديبه.

 

ومقتضيات المواد 3و،18 التي تتضمن احكام بإشراف وزارة العدل على شؤون مهنية من صميم عمل المؤسسات المهنية المنتخبة ديمقراطيا من طرف جميع المحامين في اطار التنظيم و الاستقلال الذاتي.

 

لسنا إذا امام مجرد تعديلات على قانون مهنة المحاماة بل امام هجوم ممنهج بخطوات واضحة و موجهة تروم الى جعل مهنة المحاماة مجرد وظيفة ضمن سلم اداري محكم قائم على علاقة الرئيس بموظفيه و ترتيبها كمديرية من المديريات التابعة لوزارة العدل تارة والى قسم تابع للسلطة القضائية تارة أخرى، وليس الغاية ان تكون المهنة مجرد وظيفة بل ما تمنح تلك الوظيفة لرئيسها من امتيازات السلطة والتحكم.

 

في حين ان وضع المحامي تحت رحمة الدولة على النحو المنصوص عليه في المواد أعلاه سيؤدي الى تآكل إلتزامه المهني وحساسيته الأخلاقية وسيكون مطالبا بخطبة ود من ترأسه على حساب مصالح العدالة وحقوف المواطنين.

 

ثانيا: تسليع العدالة ..المحاماة من الشرف الى السوق.

حيث تضمن مشروع المهنة مقتضيات تقضي بجعل مهنة المحاماة سلعة خدماتية من خلال تحويل المحاماة من رسالة نضالية الى سلعة تخضع لمنطق المنافسة والسوق وجعل المحام من خادم للحقوق الى خادم للمال والسلطة.

فالعدالة في تصور هذا المشروع تحابي أولئك الذين يستطيعون تحمل ثمن شرائها وذلك بجعل المتقاضي في بحث دائم عن جودة العدالة وفق معايير السوق وقواعد المنافسة التجارية، ليشتري لنفسه اجود و افضل الخدمات القانونية و الكل بحسب قدرته الشرائية.

 

ونرصد ذلك في مقتضيات المواد 55,36،35،34،26،12من المشروع المذكور والتي تقضي بممارسة المهنة من طرف محامين من جنسيات اجنبية وشركات اجنبية والمغاربة الممارسين لمهنة المحاماة في دول اجنبية وأحقية المشاركة بين محاميين من هيئتين مختلفتين.

 

هذه المقتضيات لم يكن الهدف منها إغناء مهنة المحاماة بتنوع مهني يساهم في الرفع  من مستوى الممارسة المهنية بل الهدف منها هو جعل مهنة الدفاع سلعة تقنية تخضع لمعايير الجودة والسوق وفق قواعد العرض و الطلب يكون فيها الموكل هو السيد والمحامي أجيرا.

 

في حين أن علاقة المحامي بموكله هي علاقة سوسيولوجية  معقدة قائمة على الاحتواء والتنوير والملاذ الصلب لحماية الحقوق والحريات ، ولا يمكن ان تقبل هذا التجويف المنصوص عليه بالمواد أعلاه التي تروم الى افراغ المهنة من محتواها الأخلاقي وتحويل طبيعتها من اقتصاد الشرف الى اقتصاد السوق ومن تعظيم الشرف الى تعظيم الربح.

 

ثالثا : تقويض الحصانة و هدم الجدار الاخير للمواطن.

ان تنظيم مهنة المحاماة على شكل منغلق على ذاته لم يكن من باب الترف او الاختيار الحر بل هو نتاج لصيرورة صراع تاريخي مع الدولة الساعية دائما الى بسط سيطرتها وسلطتها على مهنة المحاماة و رغبة هذه الأخيرة في تأسيس حصن يوفر لها استثناء سياديا يمنح للمحامي الحق في قول مالا يمكن لغيره قوله دون خوف من العقاب ومن هنا ولدت قاعدة الحصانة التي تنبني على مكنة تحويل قوس المحكمة الى فضاء حر معزول عن الرقابة الأمنية والتأديبية وتسمح له بتحويل حقيقة العدالة الى حقيقة قضائية ، وبدون هذه الحصانة يتحول المحامي الى مجرد صدى صوت لقرارات السلطة إدارية كانت او قضائية وبالنتيجة تفقد مهنة المحاماة قدرتها على ان تكون سلطة مضادة وصوتا للمظلومية.

 

غير ان الدولة ومن خلال هذا المشروع تريد هدم ذلك الجدار الأخير الذي يحمي المواطن ، بإضعاف واسكات كل محام يتجرأ على معارضة السلطة او المؤسسات او فضح الفساد من خلال تحريم  بعض الاقوال او اجباره على التزام الصمت في مراحل معينة في محاولة إدخاله تحت مظلة الطاعة.

 

حيت تضمن المشروع مقتضيات المواد 104،98،79،78،77،50،8 تقضي احكامها بما يلي:

المادة 8

لا يقيد الطالب، الذي أنهي فترة التكوين بالمعهد، في لائحة التمرين الا بعد أداء واجب الانخراط في الهيئة وأداء اليمين وفق الصيغة التالية:

" أقسم بالله العظيم ان أمارس مهنة المحاماة بشرف وكرامة وضمير ونزاهة واستقلال وإنسانية، وأن أحترم المؤسسات القضائية وقواعد المهنة ومؤسساتها، وأن أسهم في حسن تطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات، وأن أحافظ على السر المهني وان لا أبوح أو أنشر ما يخالف القوانين والأنظمة والأخلاق العامة أو يمس بـأمن الدولة والسلم العمومي".

تؤدى اليمين امام محكمة الاستئناف المختصة في جلسة تعقدها لهذا الغرض، يترأسها الهيئة أو من ينوب عنه لتقديم المترشحين....

كل إخلال بالالتزامات الواردة في اليمين المؤداة تعتبر إخلالا بالواجبات المهنة.

المادة 50

يمنع على المحامين في كل الأحوال ان يتفقوا، فيما بينهم، على ان يتوقفوا كليا عن تقديم المساعدة الواجبة عليهم إزاء القضاء، سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات.

يمنع تنظيم الوقفات الاحتجاجية ورفع الشعارات داخل فضاءات المحاكم وقت انعقاد الجلسات.

المادة 77

تحرر المحكمة محضرا مستقلا بما قد يحدث من إخلال، وتحيله الى النقيب والى الوكيل العام للملك المختصين لاتخاذ المتعين قانونا.

يجب على النقيب ان يتخذ قرارا في الموضوع داخل اجل أقصاه خمسة عشرة (15) يوما، ويشعر بذلك الوكيل العام للملك المختص ويحيل الملف في حالة المتابعة الى مجلس الهيئة، داخل اجل أقصاه خمسة عشرة (15) يوما من تاريخ اتخاذ القرار المذكور، للبت فيه.

إذا لم يتخذ النقيب أي قرار داخل الاجل المحدد في الفقرة السابقة، أحال الوكيل العام للملك المختص القضية الى غرفة المشورة للبث فيها.

المادة 78

يجب في حالة اعتقال محام او وضعه تحت الحراسة النظرية من طرف ضابط الشرطة القضائية، إشعار نقيب هيئة المحامين الواقعة ضمن الدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف حيث وقع الاعتقال وذلك بجميع الوسائل المتاحة.

إذا كان الاعتقال لسبب مرتبط بممارسة المهنة، لا يتم الاستماع للمحامي المعني الا من طرف النيابة العامة بحضور النقيب او من ينتدبه لذلك.

إذا تعذر اشعار النقيب لأي سبب من الأسباب ضمن ذلك وجوبا في محضر مع بيان شكليات الاتصال.

 إذا لم يحضر النقيب او من انتدبه رغم الاشعار، أمكن الاستماع للمحامي المذكور دون حضور النقيب او من انتدبه.

لا يجرى أي بحث مع المحامي او تفتيش لمكتبه من أجل جناية أو جنحة لها صلة بالمهنة وارتكبت أثناء مزاولته لها، الا من طرف النيابة العامة أو من طرف قاضي التحقيق او قاض آخر ينتدبه، وذلك وفق المقتضيات أعلاه.

المادة 79

لا يمكن تنفيذ حكم بإفراغ مكتب محام الا بعد اشعار النقيب كتابة قصد اتخاذ ما يلزم من إجراءات ضرورية لضمان مصالح الموكلين، وذلك داخل اجل لا يتعدى ستين (60) يوما من تاريخ التوصل بالإشعار، غير أنه إذا لم يتخذ النقيب أي اجراء داخل الاجل المذكور، أمكن للمحكمة مواصلة إجراءات التنفيذ بحضور كاتب الضبط الذي يحرر محضرا بالإجراءات المتخذة لضمان مصالح الموكلين.

المادة 98

تحال الى النقيب الشكايات المرفوعة مباشرة لمجلس الهيئة او المحالة من الوكيل العام للملك والمقدمة في مواجهة محام ، والتي تتعلق بمخالفة النصوص التشريعية او التنظيمية او قواعد المهنة او أعرافها او أي إخلال بالمروءة او الشرف.

يتخذ النقيب قرارا معللا  بشأن المتابعة او الحفظ داخل اجل شهر واحد ابتداء من تاريخ التوصل بالشكاية، ويبلغ هذا إقرار الى الوكيل العام للملك المختص والى المشتكي داخل اجل سبعة (7) أيام من تاريخ اتخاذه، ويكون قرار الحفظ قابلا للطعن من لدن المشتكي امام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف المختصة داخل اجل خمسة عشرة (15) يوما من تاريخ تبليغه مالم يكن محل منازعة امام مجلس الهيئة طبقا لمقتضيات الفقرة 4 من هذه المادة ، وفي هذه الحالة توقف غرفة المشورة البت في الطعن الى حين بت المجلس في المنازعة او عدم بته فيها داخل الاجل المحدد له.

إذا انصرم اجل الشهر المذكور أعلاه دون ن يتخذ النقيب قرارا صريحا، اعتبر بمثابة قرار ضمني بالحفظ، وفي هذه الحالة يحيل النقيب فورا ملف الشكاية الى الوكيل العام للملك المختص الذي يمكنه ان يتخذ قرارا بالمتابعة يضمنه تكييفا للوقائع الواردة في الشكاية ويحيله الى غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف 

المادة 104

تحرك، تلقائيا ـأو بناء على شكاية ، المتابعة التأديبية، أمام غرفة المشورة، في مواجهة رئيس مجلس هيئات المحامين أو نقيب ممارس من طرف وكيل عام للملك لدى محكمة استئناف، غير تلك التي تتبع لها الهيئة المسجل بها المعني بالأمر، يعين من لدن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.

 

وعلى ضوء هذه المواد نلاحظ أولا، أن المحامي احيط في ممارسته بسياج يمنعه من التمتع بأهم خصال مهنة المحاماة  ان لم نقل عماد هذه المهنة وهي الشجاعة بحيث انه لا يمكن تصور محام شجاع و رقبته تحت مقصلة التأديب، فربط المخالفات المهنية الموجبة للتأديب باحترام مؤسسات يواجهها في أداء مهامه بشكل يومي كخصوم او مخاطب مع إعطاء هذه المؤسسات إمكانية قرار متابعته بالتكييف الذي يحلو لها  و احالته على غرفة المشورة  بشكل مباشر  كما هو الحال في مقتضيات المواد 98 و 104، يجعله محاصرا من جهات تمتلك السلطة مطلقة دون ان يكون له ملجأ يحميه ، فإذا ما وصلنا الى هذه الصورة المتمثلة في بحث المحامي  مسبقا عن جهة تحميه ، فكيف له ان يقوم بمهمته الأساس المتمثلة في حماية الحقوق والحريات وكيف له ان يعارض من يملك سلطة تأديبيه وعقابه.

 

في حين ان حصانة المحامي المنشودة ليست امتيازا شخصيا للمحامي بقدر ما هي ضمانة اجتماعية يحمي بها القانون المجتمع من انحراف السلطة وسوء استعمالها والحصانة في هذا الباب تحمي الحقيقة لا شخص المحامي.

 

ومن جهة أخرى فإن مكتب المحامي الذي جرد بمقتضى المادة 79 من حرمته التي يكتسبها من كونه المستودع الوحيد لأسرار الموطنين التي لا تملك الدولة حق الوصول اليه،و منه فإن تسهيل إجراءات تفتيش المكاتب وإفراغها هو طعنة في قلب "السر المهني"، وتجريده من حرمته يعني كشف عورة الموكل أمام جبروت الدولة.

 

 وفي الختام، سيقال دافع المحامون عن رسالة المحاماة، وسيحزن الكثيرون ممن ساهموا في محاولة اقبار الحرية و الشرف عندما يزول ذلك الذي كان عظيما في انفسهم وستبقى مهنة المحاماة رسالة إنسانية ولدت لتقاوم.

 

الأستاذ محمد الفلالي محام بهيئة المحامين لدى محاكم الاستئناف بأكادير،كلميم والعيون