في السنوات الأخيرة شهدت بلادنا طفرة ملحوظة في عدد الجمعيات وتطوّر أساليب عملها، جمعيات تفاخر بتقاريرها المالية الشفافة ومنصاتها الرقمية المتقدمة ومستوى مهننتها الذي يضاهي مؤسسات القطاع الخاص، غير أن هذا النجاح الشكلي لم ينعكس على الواقع الاجتماعي؛ فالمشكلات ذاتها ما تزال قائمة والفجوة بين مكونات المجتمع تتسع. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا نجحت الجمعيات في إدارة المشاريع وفشلت في إحداث التغيير؟
لقد اخترقت لغة جديدة العملَ الجمعوي وأُدخلت إلى قواميسه مفاهيم غريبة عنه مثل الزبون والمستفيد النهائي ومؤشرات الأداء والعائد على الاستثمار والمواطن، الذي كان شريكا في الفعل والتغيير تحوّل إلى رقم في الإحصاءات، والنضال من أجل الحقوق صار خدمة تقاس وتسعر وهكذا باتت الجمعيات أقرب إلى شركات وأضحى الناشط المدني موظفا يقضي وقته في ملء النماذج الرقمية بدل التواصل مع الناس، وحل الخبير التقني محل المناضل الميداني ولم يعد المطلوب فهم معاناة الناس والعيش بينهم بل إتقان لغة المشاريع وإرضاء المانحين حتى ولو كان ذلك على حساب القناعة بالقضية ذاتها.
وتحوّل التمويل من نعمة إلى نقمة، بفعل آليات جديدة جعلت الجمعيات أسيرة لشروط الممولين. فبدل أن تحلل الجمعية واقعًا ما وتقدّم موقفها المستقل، تُضطر إلى الصمت لأن الجهة المعنية بالنقد هي نفسها مصدر تمويلها.
حتى الدولة لم تعد راعيا للعمل الجمعوي المستقل بل أصبحت تتعامل مع الجمعيات عبر طلبات العروض، كما تتعامل مع مقاولات البناء والخدمات. وهكذا غدت الجمعيات، الراغبة في الاستمرار، مجبرة على تنفيذ أجندات محددة مقابل التمويل، ومتحفظة في نقدها خوفًا على الدعم المقبل.
وقد أفرز هذا التحول نتائج واضحة، من بينها:
- انتقائية في التدخل، عبر التخلي عن التوسّع الأفقي والعمل القاعدي لصالح مشاريع نخبوية سريعة النتائج ولامعة في التقارير.
- تراجع روح التطوع، إذ ينسحب المواطن المتحمس أمام ثقل البيروقراطية.
-فقدان الثقة في المبادئ حيث لم يعد المواطن يميز بين الجمعية المدنية ومكاتب الدراسات التجارية.
المشكلة ليست في التنظيم أو الشفافية، فهما ضروريان، بل حين تتحول هذه الأدوات إلى غايات في ذاتها تنتقل الجمعية من فضاء مجتمعي حي إلى وحدة إنتاجية شبه تجارية، تقاس قيمتها بالأرقام والمؤشرات، وتتحول الحكامة من أداة للمساءلة إلى تكنولوجيا للضبط والسيطرة، تُنتج فاعلًا جمعويًا قابلًا للقياس والتقييم، وبالتالي للاحتواء والتحكم.
لقد انتقل العمل الجمعوي من فعل نضالي مجتمعي إلى منطق سوقي/إداري، أُزيح فيه المناضل لصالح الخبير، واستُبدل الالتزام الميداني بمهارات تقنية، وتحول الولاء من القضية إلى المشروع والتمويل، كما أدت الرقمنة والبيروقراطية إلى اختزال المعاناة الإنسانية في جداول ومؤشرات، وتشويه مفهوم الشراكة تحت شعار رابح رابح بما يكبح النقد ويميع المواقف، وانتقلت الدولة من راعٍ للاستقلالية الجمعوية إلى زبون ومهندس، محوِّلة الجمعيات إلى مقاولين بالمناولة مع تكثيف الضبط الإداري وصناعة نخبة جمعوية مهنية مفضّلة، ورغم ما تحمله بعض آليات التدبير من وعود إيجابية فقد أسهمت عمليًا في تبريد الروح النضالية وإضعاف الاستقلالية.
لقد تسللت أدوات ومنطق إدارة الأعمال إلى صميم العمل المدني مدعومة بخطاب الحكامة والاحتراف، غير أن هذا التحول لم يكن بريئًا، فخلف واجهة التحديث تكمن عملية أعمق لإعادة تشكيل السلطة. إذ أُعيدت برمجة الخطاب نفسه: فبدل المطالبة بالحقوق، صار الحديث عن استهداف الفئات، وبدل الصراع من أجل العدالة، يطرح التدبير الرشيد للمشكلة، وتقدم الحكامة كحل تقني محايد منزوع الأيديولوجيا، فتفرغ القضايا من بعدها الفكري المزعج وتتحول الحكامة إلى أداة لإنتاج الطاعة الطوعية باسم النجاعة والاحتراف.
وهكذا انتقلنا من زمن القمع المباشر إلى عصر الهيمنة الناعمة، حيث لا تمارس السيطرة بالمنع، بل بالاستيعاب والإدماج. من منطق السيادة إلى منطق الحكامة (عند فوكو) أو الهيمنة (عند غرامشي)، حيث تعاد صياغة الفاعلين أنفسهم ضمن منظومة قيم تجعل النظام النيوليبرالي يبدو طبيعيًا ولا بديل عنه.
إن خطورة الحكامة النيوليبرالية تكمن في أنها لا تعيد تنظيم المؤسسات فقط، بل تعيد تشكيل الفاعلين. فالجمعية لم تعد فضاء مجتمعيا، بل وحدة تدبيرية ينتظر منها أن تتصرف كمقاولة اجتماعية، تبرر وجودها بنتائج قابلة للقياس، وتمنح شرعيتها بقدر ما تتقن لغة المشاريع، هكذا تتحول الحكامة إلى تكنولوجيا سلطة، وتمارس الهيمنة لا بالقمع، بل بالإدماج.
وقد أدى ذلك إلى تطور شكلي وإداري مقابل تراجع نضالي وتأثير حقيقي، ما يفسر شعور كثير من الناشطين بالاغتراب داخل هياكل باتت أقرب إلى المقاولات، فالمحترف بلا روح آلة باردة والصادق بلا أدوات يهدر جهده ويحد من أثر رسالته.
الإشكال إذن ليس بين الاحتراف والالتزام، بل في اختزال الاحتراف في بعده التقني وإفراغه من مضمونه القيمي. فالخلل ليس في الأدوات، بل في تحوّلها إلى منطق مهيمن يقاس فيه النضال بعدد المؤشرات لا بعمق التحول. ومن هنا بدأت الانزلاقات:
- تحولت الشفافية من مساءلة أمام المجتمع إلى تبرير أمام الممول.
-صارت المؤشرات الكمية غايات في ذاتها، فتم اصطياد القضايا السهلة وتجاهل المعقدة.
- حل الخبير محل المناضل، ففقد العمل حرارته الإنسانية.
- تحولت الدولة إلى زبون رئيسي، فتآكل الدور النقدي المستقل للجمعيات.
والنتيجة مجتمع مدني محيد وفعّال في تقديم الخدمات لكنه عاجز عن قيادة التغيير البنيوي أو تحدي موازين القوة.
والحل لا يكمن في رفض التنظيم بل في استعادة توازن القيم قبل الوسائل، يجب أن تظل الحكامة والرقمنة والمهننة في خدمة الغايات الإنسانية والتحول الاجتماعي لا أهدافًا في ذاتها، فالمعيار الحقيقي للنجاح هو الأثر الإنساني حيث تظل كرامة الإنسان أعلى من أي تقرير أو إحصاء.
ويتطلب ذلك:
- إحياء البعد الفكري والسياسي (وليس الحزبي) للعمل الجمعوي، وربطه بأسئلة السلطة والعدالة الاجتماعية.
-بناء استقلالية مالية حقيقية عبر تنويع الموارد بما يحمي القرار الجمعوي من الابتزاز القيمي.
-مقاومة القوالب الجاهزة ورفض تنميط المعاناة ضمن مشاريع مفروضة، وصياغة مؤشرات نابعة من الواقع.
-التمسك بالصدق النضالي كرأسمال لا مادي، وإعادة الاعتبار للمناضل الميداني والمعرفة المجتمعية الأصيلة.
هذه الدعوة لا تنادي بالفوضى، بل بـأنسنة التدبير، وبناء مجتمع مدني محترف في إدارته صادق في نضاله يحافظ على روحه النقدية وقدرته على التحدي، فالمجتمع المدني ليس سوقا للخدمات بل ضمير المجتمع، قد تنجح الجمعية في ميزانيتها، لكنها إن فقدت روحها خسرت جوهرها، والمهننة التي نستحقها ونسعى اليها هي حرفية الفاعلين وليست توظيفا لهم، لأن التطوع لم يكن يوما وظيفة.
ويبقى السؤال هو هل نريد جمعيات تعرف كيف تدير المشاريع، أم جمعيات صادقة تعرف كيف تحدث التغيير؟
السؤال موجه للجميع للدولة وللممولين وللفاعلين والمواطنين فمستقبل المجتمع المدني في بلادنا مرتبط بالإجابة عليه.