jeudi 5 février 2026
مجتمع

مؤتمر طبّ المواليد الجدد الإفريقي الأول بالعيون.. من أجل إيجاد حلول مبتكرة للحد من الوفيات في هذه السن المبكرة

مؤتمر طبّ المواليد الجدد الإفريقي الأول بالعيون.. من أجل إيجاد حلول مبتكرة للحد من الوفيات في هذه السن المبكرة الدكتور أنور الشرقاوي(يسارا) والأستاذ فاضل مربيه ربه عبده ماء العينين

 بقلم الدكتور أنور الشرقاوي،  ومساهمة الأستاذ فاضل مربيه ربه عبده ماء العينين، 
رئيس مصلحة إنعاش المواليد الجدد والخدج  / المستشفى  الجامعي محمد السادس – مراكش

 

تستعد مدينة العيون، بوابة الصحراء المغربية، لاحتضان المؤتمر الإفريقي الأول لطب حديثي الولادة يومي 27 و 28  من مارس 2026، في لحظة مفصلية من تاريخ الصحة الإفريقية، حيث يلتقي الحاضر المثقل بالتحديات مع مستقبل لا يحتمل مزيداً من التأجيل.

تدخل إفريقيا عقداً حاسماً في مسار حماية حياة مواليدها الجدد.

ففي كل عام، يولد ملايين الأطفال في ظروف هشّة إلى أقصى الحدود، بعيداً عن التجهيزات الطبية المتخصصة، وأحياناً حتى عن وجود أطر صحية مكوَّنة في أبسط تقنيات الإنعاش الوليدي.

لقد ظلّ طب حديثي الولادة، لسنوات طويلة، هامشياً في السياسات الصحية، لكنه بات اليوم مرآة صادمة للفوارق الصحية، ومجالاً استراتيجياً يحدد ملامح المستقبل الديمغرافي للقارة.

 

المعركة الأولى تظل معركة البقاء.

 فحالات الوفاة خلال الأيام الأولى من الحياة ما زالت تثقل كاهل وفيات الرضع، رغم التقدم المسجل في بعض الدول.
والأسباب معروفة، متكررة، تكاد تكون عنيدة في حضورها: الخداج، الاختناق أثناء الولادة، الإنتانات الوليدية، وانخفاض وزن الولادة.

إن الخلل لا يكمن في غياب المعرفة الطبية، بل في محدودية الوصول إليها، وانقطاع استمراريتها، وضعف ملاءمتها للواقع المحلي.

يُرتقب أن يشكّل الخداج أحد أكبر تحديات العقد القادم.
فارتفاع نسب الحمل عالي الخطورة، وسوء تغذية الأمهات، والالتهابات غير المشخَّصة، إلى جانب التمدّن السريع وعدم تكافؤ الرعاية الطبية أثناء الحمل، كلها عوامل تدفع بعدد متزايد من المواليد إلى قدوم مبكر للحياة.

والرهان لا يقتصر على إنقاذ هؤلاء الأطفال من الموت، بل يتعداه إلى الوقاية من المضاعفات العصبية والتنفسية والاستقلابية التي ترهن مستقبلهم، وتثقل كاهل المجتمعات الإفريقية لعقود طويلة.

أما الاختناق عند الولادة، وهو في كثير من الأحيان قابل للتفادي، فيبقى فضيحة صحية صامتة. إنه يعكس خللاً في تنظيم قاعات الولادة، ونقصاً في تكوين القابلات، وغياباً لأبسط التجهيزات الضرورية.
وسيكون من واجب العقد المقبل أن يجعل من تعميم تقنيات الإنعاش الوليدي الأساسية أولوية قصوى، بحيث تكون متاحة حتى في أكثر البنيات الصحية تواضعاً.

إن إنقاذ دماغ لوليد حيث الوضع خلال دقائق معدودة، هو في الحقيقة إنقاذ لعقود من الحياة المنتِجة.

أما الإنتانات الوليدية، فهي التعبير الأوضح عن هشاشة منظومات الوقاية. 
ضعف شروط النظافة، التأخر في التشخيص، المعالجة العشوائية بالمضادات الحيوية، والتصاعد المقلق لمقاومة الجراثيم، كلها تفرض على طب حديثي الولادة في إفريقيا أن يدمج مكافحة مقاومة المضادات الحيوية ضمن أولوياته، وأن يستثمر في الوقاية والكشف المبكر والمراقبة الوبائية.

ويبرز تحدٍ آخر لا يقل أهمية، هو تحدي الموارد البشرية. فالقارة تعاني نقصاً حاداً في أطباء حديثي الولادة، وفي الممرضين المتخصصين، وفي القابلات المكوَّنات على التكفل بالمولود عالي الخطورة.

وسيتطلب العقد المقبل استثماراً حقيقياً في التكوين المحلي، المستمر، المرتبط بالسياق، إلى جانب رد الاعتبار لهذه المهن التي تُمارَس في ظروف شاقة، مع إرهاق مهني مقلق.

أما مسألة التجهيزات، فتستدعي مقاربة واقعية ونقدية. فإفريقيا ليست في حاجة إلى نسخ باهظة من نماذج غربية فائقة التقنية، بل إلى حلول متينة، ملائمة، وقابلة للصيانة محلياً :  حاضنات بسيطة، أكسجة آمنة، وسائل مراقبة أساسية، وتعميم منهج «الأم الكنغر» كسياسة مؤسساتية، كلها مداخل لابتكار مقتصد يجب أن يصبح ركيزة استراتيجية لطب حديثي الولادة الإفريقي.

كما يتعيّن على السلطات الصحية أن تنظر إلى ما بعد المرحلة الوليدية المباشرة. 
 

فالبقاء على قيد الحياة لم يعد كافياً. 
إن تتبع النمو العصبي والنفسي الحركي، والتكفل المبكر بالإعاقات، وإشراك الأسر في مسار الرعاية، أصبحت أولويات لا غنى عنها.

فالطفل الذي يُنقذ ثم يُترك دون متابعة، يظل نصراً ناقصاً.

وسيكون على العقد القادم أن يفرض حكامة صحية أكثر جرأة.

يجب إدماج طب حديثي الولادة في صلب سياسات صحة الأم والطفل، بتمويلات مخصصة، ومؤشرات دقيقة، وتقييم صارم للبرامج.
كما ينبغي أن يندرج ضمن رؤية إفريقية تضامنية، يصبح فيها تبادل الخبرات بين الدول رافعة حقيقية للتقدم الجماعي.

إن مستقبل طب حديثي الولادة في إفريقيا لن يُحسم فقط داخل الحاضنات أو وحدات العناية المركزة.
بل سيتحدد من خلال الخيارات السياسية، والاستثمار في التكوين، والقدرة على الاستباق، وفي نظرة القارة إلى كل مولود جديد، لا كرقم هش في الإحصائيات، بل كوعد إنساني ينبغي حمايته منذ أول نفس.

الأستاذ فاضل مربيه عبده ماء العينين: 
مدير مختبر البحث: الطفولة ، الصحة والتنمية المستدامة 
جامعة القاضي عياض – مراكش 
رئيس مصلحة الإنعاش الوليدي بالمستشفى الجامعي محمد السادس – مراكش