طرح النقاش العمومي أسئلة ملحّة حول حقيقة الوضع المائي بالمغرب، وحدود المخاطر المحتملة، ومدى جاهزية منظومة الإنذار والتدخل.
في هذا الاستجواب، يقدّم محمد فتوحي، أستاذ التعليم العالي وخبير في مجال البيئة والتنمية المستدامة، قراءة علمية تضع الظاهرة في سياقها المناخي والجغرافي والعمراني، محذّرًا من خطورة التهويل غير المبني على المعطيات العلمية، وداعيًا إلى ترسيخ ثقافة الوقاية واليقظة والإنذار المبكر.
ما مدى صحة ما يتداول على مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص اقتراب فيضان عدد من الأودية وامتلاء السدود إلى مستويات مقلقة؟
أعتقد أنه قبل الإجابة عن هذا السؤال، يجب الإشارة إلى بعض الأمور الأساسية. الفيضانات تُعدّ أحد مكوّنات ما يُعرف بمخاطر الكوارث، وهي في الأساس كوارث طبيعية ليست حديثة العهد، بل عرفناها في العديد من السنوات السابقة ونعرفها اليوم كذلك.
غير أن ما يميّز المرحلة الحالية هو وتيرة حدوثها، وارتباطها بمجموعة من العوامل المؤثرة، خاصة ما يُعرف بحركة السير الجوي، وتحرك المنخفضات الجوية وعلاقتها بمرتفعات الضغط العالي، وهو ما يتسبب في هطول أمطار غزيرة، كما هو الحال في الوضعية التي عرفتها بلادنا مؤخرًا.
المغرب أصبح يشهد توالي منخفضات جوية باردة ورطبة، آتية خاصة من شمال الكرة الأرضية. هذه المنخفضات كانت في السابق تجد حاجزًا يمنع توغلها داخل البلاد، وهو ما كان مسؤولًا، إلى حدّ ما، عن قلة التساقطات خلال السنوات السبع أو الثماني الماضية، ويتمثل هذا الحاجز في مرتفع الأزور، وهو مرتفع للضغط العالي.
هذا المرتفع عرف تراجعًا نحو الجنوب، ما سمح بتوغّل المنخفضات الباردة والرطبة نحو المغرب، وهي – حسب العديد من علماء المناخ والأرصاد الجوية – السبب الأساسي في التساقطات الكبيرة جدًا، والمحدودة زمنيًا، لكنها بلغت أرقامًا قياسية.
العامل الثاني يتمثل في التغيرات المناخية، وهي ظاهرة عالمية ترتبط بها الفيضانات كما يرتبط بها الجفاف. فالتغير المناخي ينتج ظواهر متناقضة: أمطار غزيرة، فيضانات، وأحيانًا موجات جفاف في مناطق أخرى. وبالنسبة لبلادنا، فإن التغير المناخي يُعد عاملًا أساسيًا في هذه الفيضانات وارتفاع كميات الأمطار.
العامل الثالث هو الموقع الجغرافي للمنشآت البشرية والبنيات التحتية. فمثلًا، مدينة القصر الكبير تقع في منطقة منخفضة، والمنخفضات تُعد مجالًا طبيعيًا لتجميع المياه، خاصة القادمة من المناطق المرتفعة ضمن الحوض المائي الذي تنتمي إليه، أي حوض اللوكوس.
هذه المناطق السهلية تتميز بكون الأنهار فيها غير متعمقة، وحين تتساقط أمطار غزيرة، تخرج المياه عن مجراها الطبيعي وتتدفق نحو المساكن والبنيات التحتية والطرقات، مصحوبة بالأوحال، ما يخلّف أضرارًا قد تمس الأرواح، وحركة السير، والماشية، والخدمات العمومية كالتعليم والتربية.
إلى جانب ذلك، هناك عامل أساسي آخر هو نمط التعمير والعمران. فإذا لم تُحترم وثائق التعمير الصارمة، وتُنجز المنشآت في مناطق هشة، فإن المخاطر تتضاعف. وهذه العوامل مجتمعة كانت وراء ما شهدته منطقة القصر الكبير، وكذلك منطقة الغرب، خاصة بسيدي قاسم.
من هنا، يجب التعامل بحذر شديد مع ما يُتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن الأخبار غير المستندة إلى معطيات علمية قد تُحدث اضطرابًا نفسيًا لدى الساكنة. لذلك ينبغي الاعتماد على البيانات الصادرة عن مؤسسات موثوقة، مثل إدارة الأرصاد الجوية، وقطاعات الماء والتجهيز، والمعطيات العلمية التي يقدمها المختصون.
في رأيي، نعم هناك قلق مشروع، لكن الحمد لله أن الفيضانات، على عكس ما عرفته مدينة آسفي سابقًا، لم تؤدّ إلى فقدان أرواح، وهو ما يدل على وجود خطر ومخاوف، لكن في المقابل هناك إجراءات حدّت من حجم الأضرار.
لا ينبغي اعتماد ثقافة التهويل، بل يجب تبني الإنذار المبكر لاتخاذ إجراءات الحيطة واليقظة، لأن التهويل قد يؤدي إلى آثار نفسية سلبية وممارسات غير سليمة، كالمضاربة وارتفاع الأسعار. الحذر مطلوب، لكن يجب أن يكون مبنيًا على معطيات علمية موثوقة وصادرة عن مصادر رسمية، كالوقاية المدنية، ومحطات الأرصاد الجوية، والعلماء ذوي الخبرة.
هل يشكل ارتفاع مستوى المياه في سد الوحدة وباقي السدود الكبرى خطرًا فعليًا على المدن والمناطق المجاورة؟
نعم، بطبيعة الحال. سد الوحدة يُعد أحد السدود الكبرى في حوض سبو. وإذا قارنا الوضع ما بين منتصف أبريل ويومنا هذا، نجد أن نسبة ملء مجموع السدود بهذا الحوض كانت تقارب 58% يوم 14 أبريل، بينما اليوم ارتفعت بشكل كبير.
صحيح أن مجموع السدود بالحوض لم يصل إلى 100%، لكن العديد من السدود، ومنها سد الوحدة، بلغت نسبة ملئها 100%. وعندما يصل السد إلى هذا المستوى، يتم تفريغ المياه الزائدة في الأودية، خاصة وادي سبو، ما يؤدي إلى ارتفاع منسوب المياه وخروجها عن مجراها الطبيعي، وتأثيرها على المناطق المجاورة والعمران.
لذلك، فالمخاطر واردة، ويجب اعتماد نظام للإنذار المبكر يتيح للساكنة اتخاذ الإجراءات اللازمة، بتنسيق مع السلطات العمومية، والوقاية المدنية، والدرك، من أجل الإخلاء وحماية الأرواح والممتلكات.
الأمر نفسه ينطبق على حوض اللوكوس، حيث تبلغ نسبة ملء الحوض حوالي 62%، بينما وصلت بعض السدود، مثل سد وادي المخازن، وسد الشريف الإدريسي، وسد شفشاون، وسد النخلة، إلى مستويات مرتفعة. هذا الوضع، إلى جانب التفريغ في وادي اللوكوس وروافده، هو ما تسبب في الأضرار التي عرفتها مدينة القصر الكبير مؤخرًا.
هاتان المنطقتان، حوض سبو وحوض اللوكوس، تُعدّان حاليًا من أكثر المناطق هشاشة، وتحتاجان إلى تتبع دقيق ومنظومة إنذار فعالة، خاصة في ظل التغير الذي تعرفه طريقة تساقط الأمطار بفعل تذبذب مرتفع الأزور وتوالي المنخفضات الجوية، ما قد يؤدي إلى المزيد من التساقطات خلال الأيام المقبلة.
هذه الأمطار ساهمت في التخفيف من حدة الجفاف، ورفعت من منسوب المياه الجوفية، لكنها في المقابل تطرح تحديات حقيقية مرتبطة بمخاطر الكوارث، وهو ما يستدعي تطوير سياسة السدود المعتمدة منذ ستينيات القرن الماضي، وتعزيزها بسدود إضافية ومنشآت قادرة على تخزين هذه المياه بدل ضياعها في البحر.
ما هو الوضع الراهن للأحواض المائية من حيث نسب التشبع؟ وهل توجد مؤشرات تقنية تدفع إلى إعلان حالة إنذار؟
إذا قارنا الوضع الحالي بما كان عليه منتصف أبريل، نجد أن نسبة ملء السدود على مستوى جميع الأحواض المائية كانت في حدود 39% يوم 14 أبريل 2025، بينما بلغت حوالي 61% يوم 2 فبراير 2026، وفق معطيات قطاعات الماء والتجهيز والأرصاد الجوية.
هناك تفاوت بين الأحواض، فالأحواض الشمالية، مثل اللوكوس وسبو، وأبي رقراق، تعرف نسب ملء مرتفعة، وصلت في بعض السد إلى 100%.
أما باقي الأحواض، مثل تانسيفت، وأم الربيع، وسوس ماسة، ودرعة واد نون، وملوية، فلم تصل بعد إلى مستويات مقلقة.
لذلك، لا يمكن الحديث عن حالة إنذار عامة، بل عن حالة يقظة، خاصة في شمال المغرب وبعض المناطق الوسطى. اليقظة تعني الإنذار المبكر، والتواصل مع الساكنة، واتخاذ التدابير القبلية، لأن تكلفة الوقاية أقل بكثير من تكلفة مواجهة الكارثة بعد وقوعها.
كما أود التأكيد على أهمية الربط بين الأحواض المائية، باعتباره خيارًا استراتيجيًا يحقق التضامن المجالي، ويخفف من حدة الفيضانات، ويُسهم في تزويد المناطق التي تعاني من خصاص مائي.
ولا يمكن إغفال دور الحكامة والتضامن المجتمعي، حيث ما شهدناه في القصر الكبير من تلاحم بين السلطات العمومية، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، نموذج إيجابي يجب تعميمه.
ينبغي الانتقال من منطق التدخل البعدي إلى منطق التدخل القبلي، عبر منظومات إنذار مبكر، والاستفادة من تجارب دول نجحت في التعايش مع مخاطر الكوارث، خاصة في جنوب شرق آسيا.
وسائل الإعلام، إلى جانب المجتمع المدني والفاعل العمومي، مدعوّة للاضطلاع بدورها في نشر ثقافة الوقاية، لأن مواجهة مخاطر الفيضانات ليست فقط تقنية، بل ثقافية ومجتمعية بالأساس