قدم المغرب في نهائي كأس إفريقيا. تنظيم محكم، بنية تحتية متقدمة، استقبال رائع، وأجواء آمنة. غير أن هذا النجاح لم يقابل بروح رياضية مماثلة من بعض الأطراف، بل تحول النهائي إلى لحظة ضغط وابتزاز مكشوف. إما التتويج، أو التشويش، وإما الانخراط في منطق "الترضية" والانصياع لمنطق "الكأس بأي ثمن"، أو السعي لإفساد صورة البطولة في بلد ينافس بجدية على احتضان نهائي كأس العالم. هكذا، بدل أن يكافأ المغرب على ما قدمه للقارة، وجد نفسه أمام محاولات لتقزيم إنجازه، وهدفا لحملات تشويه ممن أساؤوا لمن أحسن إليهم، وتحويل العرس الرياضي إلى ساحة تصفية حسابات، لا علاقة لها بالكرة ولا بروح المنافسة.
في قلب هذا المشهد، دم نايل العيناوي، ودموع إبراهيم دياز، وابتسامة بونو كانوا أبلغ من كل الألقاب والكؤوس. كانوا شهادة حية على أن المنتخب المغربي لم يدخل النهائي ليقايض كرامته بلقب، ولا ليقبل بمنطق "الغاية تبرر الوسيلة". تلك الدماء والدموع وحتى الابتسامة التي تحمل أكثر من معنى، أغلى من بطولة، لأنها عبرت عن صدق الانتماء، وعن معنى أن تلعب بشرف، وأن تخسر وأنت واقف، لا راكعا أمام الظلم أو الابتزاز. تلك الابتسامة والدماء والدموع أغلى من كأس، وأصدق من بطولة، لأنها عبرت عن معنى الانتماء الحقيقي.
.
إن ما أعقب النهائي لم يكن أقل دلالة من المباراة نفسها. فقد خرجت أصوات مأزومة، وخطابات مسعورة، تحاول تشويه التنظيم، والطعن في بلد فتح أبوابه للقارة بكرم ومسؤولية. بطولة كان يفترض أن توحد، تحولت عند البعض إلى مناسبة لإخراج كل الأحقاد من مخابئها. ومع ذلك، خرج المغرب أنقى وأكبر، لأنه اختار القيم على الكأس، والصورة التاريخية على الانتصار الظرفي، ورسخ في الوعي الدولي أنه بلد يراهن عليه في المحافل الكبرى.
هو المغرب، بلد الشرفاء، الذي فتح أبوابه للقارة، ووضع إمكانياته وبنياته وخبرته في خدمة حدث إفريقي جامع، واحترم ضيوفه دون تمييز، وقبلها فتح أبواب ملاعبه لكل المنتخبات الإفريقية، كفضاءات جامعة لقارة كاملة. وكرسالة سياسية وأخلاقية تقول إن المغرب لا يحتضن الكرة فحسب، بل يحتضن إفريقيا بثقافتها وشعوبها وأحلامها وآمالها. من طنجة إلى مراكش، ومن الرباط إلى أكادير، وجد الأشقاء من مختلف البلدان الإفريقية استقبالا رائعا، وبنية تحتية حديثة، وتنظيما محكما، هو نفس المغرب الذي وجد نفسه في مواجهة منطق خطير لا علاقة له بالرياضة، منطق يراد به معاقبة بلد ينافس بثبات وشرعية على احتضان نهائي كأس العالم، ويصعد بثقة في سلم الحضور الدولي.
هو المغرب، الذي أكد مجددا أنه في لحظة "الخسارة"، يظهر الانتصار الحقيقي. انتصار مغرب يقوده ملك بثبات، جعل من الرياضة رافعة للكرامة الوطنية، ومن التنظيم رسالة سيادية، انتصار شعب التف حول منتخبه في الهزيمة كما في النصر، ورفض أن ينجر إلى الفوضى أو الإساءة، لأنه يدرك أن صورة الوطن أغلى من لحظة انفعال، وأغلى من أي لقب.
هو المغرب، الذي فتح أبوابه وقلوبه قبل ملاعبه، من منطلق دولة عريقة عمرها إثني عشر قرنا، دولة تشبعت بأخلاق الكبار، دولة احتضنت مواطني القارة السمراء في المدارس العتيقة وجامعة القرويين، وفي مدرجات الجامعات والكليات، وفي معاهد التكوين المدني والعسكري.. واليوم وسط كل مظاهر الابتزاز ومحاولات الإساءة، نستحضر حكمة ومقولة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه "إذا عاملك الإنسان بالخير قال أعامله بالخير، وإذا عاملك بالشر قال أعامله بالخير، وإن عاملك مرة ثانية بالشر قال أعامله بالخير حتى يغلب خيري شره". بهذا المنطق دخل المغرب هذه المباراة، وبهذه المقولة أنهى المغرب هذه المباراة.
لقد خرج المغرب من النهائي مرفوع الرأس، قويا بملكه وشعبه، ثابتا في اختياراته، واثقا في مساره. خرج وقد انكشفت الوجوه، وتعرت الخطابات الحاقدة. ذلك هو الانتصار الذي لا يمحى، انتصار القيم على الكؤوس، وانتصار الوطن حين يختار أن يكون كبيرا… حتى وهو يخسر مباراة في كرة القدم.
وسط كل هذا الجدل، فزنا بقلوب من يعرفون معنى الكرامة حين تظلم، وبقلوب من يكتبون التاريخ ويدركون أن بعض الهزائم تربح فيها الأمم، لأن القيم لا تقاس بعدد الكؤوس، بل بقدرتها على الصمود.
وسط كل هذا الجدل المفتعل، جاءت البرقية الملكية السامية لتسدل الستار على كل هذه المشاهد، برقية سامية موجهة للفريق الوطني ولكل من يهمهم الأمر لتضع المعنى في مكانه الصحيح، لتخاطب الإنسان وليس النتيجة، ولم تتوقف عند اللقب، بل عند الروح القتالية، والأداء البطولي، والانضباط، وتشريف الراية الوطنية. كانت رسالة دولة يتجلى البعد السيادي للرياضة كما يريده المغرب، وتؤكد أن صورة المغرب تصان بالالتزام والكرامة قبل أي تتويج.