ما جرى في نهائي المغرب والسينغال،خرج سريعا من دائرة التنافس الرياضي إلى فضاء أوسع تتقاطع فيه العواطف والرموز والرهانات الجيوسياسية. ولحظة مشحونة كهذه تستدعي خطابا متعقلا، يوازن بين الحماس والمسؤولية، ويستحضر ما راكمه الشعبان من ود وثقة عبر التاريخ. ولا شك أن التذكير بالفضل المتبادل هنا ممارسة حكيمة تحمي الحاضر وتحصن المستقبل.
فالأحداث الأخيرة غذتها حرب إعلامية منظمة، سعت إلى التشويش والتشكيك ونسج روايات جاهزة حول التحكيم وحسم الكأس لصالح المغرب بحكم التنظيم. و هذا المسار خدم أطرافا معروفة بتوظيف الرياضة وقودا لصراعاتها الإقليمية، وفي مقدمتها مؤسسات الدولة في الجزائر التي رأت في التوتر فرصة لصب الزيت على النار وتحويل الأنظار عن الروابط العميقة بين المغاربة والسنغاليين.
والأكيد أن العلاقة بين المغرب والسنغال، تتجاوز مباراة وكأسا. باعتبارها علاقة نسجتها قرون من التبادل الروحي والثقافي والإنساني. وفي قلب هذه العلاقة تقف الزاوية التيجانية باعتبارها جسرا روحيا راسخا يصل داكار بفاس، ويجمع ملايين المريدين على محبة وتقدير أمير المؤمنين.
ويعتبر مقر الزاوية في فاس وضريح مؤسسها أحمد التيجاني مقصدا سنويا لآلاف السنغاليين، الذين يحجون بقلوبهم قبل أقدامهم. و يمنح هذا الامتداد الروحي العلاقة بعدا يتجاوز السياسة الظرفية، ويجعلها جزءا من التلاحم الجماعي لشعوب المنطقة الذي تؤطره القيم الروحية للزاوية. ومن هنا نستحضر محاولات النظام الجزائري تهريب الزاوية، واستثمار التوترات لإعادة توجيه الولاءات الروحية.
ومن هنا اقتضت الحكمة أن يسعى مسؤولو البلدين على توقيف كل أشكال التصعيد، حماية لهذه الروابط وحفاظا على نفوذ روحي شرعي يلتف حوله الملايين. وأي انزلاق في الخطاب، يمنح خصوما نافذة للمناورة ويضعف موقع الحكمة الذي راكمه المغرب عبر قرون من الاعتدال والتواصل. وقد تعززت بفضل مكانة جلالة الملك محمد السادس كأمير للمؤمنين في الوجدان التيجاني بالسنغال علاقات الأخوة، ودعمت التقارب بين الشعبين الحقيقين.
التذكير بالفضل بيننا في هذه الظروف الموسومة بالتوتر، دعوة أخلاقية إلى تهدئة النفوس وتحصين الذاكرة المشتركة من حملات التضليل. وحين نختار الحكمة نغلق أبواب الفتنة ونحفظ ما يجمعنا من ود وروحانية ومصير مشترك.