يشهد العالم مجموعة من التحولات العميقة التي تؤكد أن المستقبل بتحدياته و مخاطره لا يتسع للدولة القطرية بمفردها، بل يتطلب التعاون والتنسيق وتكثيف الجهود في إطار تكتلات كبرى قادرة على تحقيق الأمن بمفهومه الإنساني الواسع والمستدام. وتملك الدول المغاربية كل المقومات والشروط التي تجعلها قادرة على الاستئثار بمكانة وازنة على المستويين الإقليمي والدولي. إذ تبرز المنطقة المغاربية كأحد الفضاءات الجيوسياسية المهمة التي بدأت تشهد حركية ودينامية متنامية تجاه التفاعلات الدولية نظرا لخصوصياتها المحلية وموقعها في مدار التنافس الدولي بين القوى العالمية.
في مقابل هذا المعطى، تقدم البلدان المغاربية صورة المنطقة التي عز على مكوناتها الخمسة المحافظة على الحد الأدنى من التنسيق والتعاون المشتركين اللذين يجعلاها قادرة على خلق درجة من التوازن بين التدافع الدولي والتنافس الاستراتيجي حول المنطقة ومتطلبات السيادة الوطنية والأمن الجهوي المشترك بين مختلف بلدانها. والأكثر من ذلك تبدو البلاد المغاربية منقسمة على نفسها حيال التفاعلات الاستراتيجية التي ترسم في منطقتها، سواء تعلق الأمر بالسعي الحثيث إلى انتزاع صيغة متميزة في علاقتها بالأطراف الفاعلة في المشهد الدولي التي ما فتئت تنظر إلى المنطقة من زاوية تحقيق مصالحها الاستراتيجية الضيقة ولو على حساب المصالح الحيوية للبلدان المغاربية. ففي الوقت الذي تتكاثف فيه جهود كثير من دول العالم، على طريق تعبئة الإمكانات وتنسيق المواقف وتعزيز جهود التعاون، انسجاما مع التحولات الدولية الكبرى الراهنة، وبخاصة مع تصاعد حدة التهديدات العابرة للحدود في أبعادها العسكرية وغير العسكرية، والتحديات الاقتصادية التي تجعل من التكتل وتشبيك المصالح الاقتصادية وإرساء مقاربات جماعية لمواجهة مختلف المخاطر أمرا ضروريا مازال الجمود هو سيد الموقف في المنطقة المغاربية التي تعيش على إيقاع هدر الفرص.
منذ استقلال البلدان المغاربية وتخلصها من القبضة الاستعمارية ساهمت العديد من المتغيرات والأحداث المختلفة والمتراكمة بشكل أو بآخر في تعطيل قاطرة الاتحاد المغاربي ودفعت ببلدانه للارتماء في أتون الخلافات المصطنعة والتأرجح بين إرضاء هذا الطرف الخارجي أو ذلك، وحالت دون خلق اندماج أو بالأحرى مستوى متطور من التعاون البيني، مقابل ذلك دخلت الدول المغاربية في صراعات وتوترات تكاد لا تنتهي حدت من خيار التعاون والوحدة التي حلم بها قادة الحركة التحريرية ببلدان المنطقة.
تشكل ظاهرة الارتباطات الواضحة للدول المغاربية بالقوى الأجنبية أهم السمات التي طبعت سياساتها الخارجية، لقد كان لظهور نظام الثنائية القطبية عقب الحرب الباردة بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي سابقا دور كبير في خلق بنية وتركيبة جديدة داخل المنتظم الدولي جعلت من الدول الحديثة الاستقلال تدور في فلك هذا المعسكر أو ذاك، رغم اضمام هذه الدول إلى منظمة عدم الانحياز وسعيها الدائم إلى نفي تحيزها في جل الملتقيات الدولية. بيد أن انضواء كل دولة من البلدان المغاربية تحت لواء أحد المعسكرين المتصارعين زمن الحرب الباردة، أذكى فتيل الصراع حول مواقع الزعامة الإقليمية بين بلدانها وخاصة بين المغرب والجزائر باعتبارهما دولتان محوريتان في التجمع المغاربي. ومن ثم يطرح التساؤل حول كيف يمكن للمنطقة المغاربية أن تنتقل من كونها موضوعا للمشاريع الخارجية التي تستهدفها إلى كونها طرفا فاعلا ومحوريا قادرا على إحداث التغيير الذي يتواكب مع أهدافها ومصالح شعوبها الحيوية والاستراتيجية؟
تعد المنطقة المغاربية من الأقاليم الدولية الأقل ارتباطا تجاريا واقتصاديا، رغم الإمكانات البشرية والطبيعية والجغرافية والروابط التاريخية والحضارية والثقافية المتوافرة، لم تحولها بلدان المنطقة لفرص للتنمية الاقتصادية تعود بالنفع على شعوبها، والاستفادة من التجارب الإقليمية الرائدة في مجال التكامل الاقتصادي. لكن وعلى العكس من ذلك يفضي الوضع في مختلف تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة المغاربية إلى نتيجة مفادها أن تحقيق التكامل والتعاون بين مختلف مكوناته سيضل متوقفا على مدى إمكانية حل الخلافات السياسية بين بلدانه، بداية بقضية الصحراء والحسم في حل النزاعات الحدودية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، وثانيا تطوير أسلوب العملية السياسية والمضي قدما نحو الديمقراطية باعتبارها مدخلا رئيسيا لتحقيق التنمية المستدامة بمختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية، للوصول إلى درجة التنسيق الفعلي لفتح المجال أمام إمكانية تكثيف التعاون على جميع المستويات وبمختلف المجالات عبر بناء منظمة إقليمية قوية تسير بخطى ثابتة على نهج الاتحاد الأوروبي.
فبسبب التنافس السياسي الذي تغذيه مشكلة الحدود الموروثة عن الاستعمار، لم تستطع البلدان المغاربية أن تستفيد بصورة جماعية من الفرص التي يوفرها الاهتمام المزدوج، الأمريكي والأوروبي من جهة والروسي والصيني من جهة أخرى، بالمنطقة المغاربية، حيث إن الإعانات القليلة وفرص التعاون المختلفة لصالح الدول الأجنبية التي يمكم للمنطقة المغاربية أن تستمدها على نحو منفصل من " إخلاصها" لأي الجانبين، لا تمثل أي شيء أمام العجز الحاصل في البلدان غير المغاربية؛ فهي ممزقة بين النموذج الأوروبي الكلاسيكي والنموذج الأمريكي الجديد إذ نادرا ما تمكنت من تبني مواقف منسقة تجاه محاوريها وشركائها من جميع أنحاء الفضاء المتوسطي الشمالي وحتى عبر الفضاء الأطلسي. فكلتا الفضاءين ظلت بلدانه تقترب من البلدان المغاربية بصورة فردية يكون من الأسهل عليهم خدمة مصالحهم الخاصة والسيطرة على مقدرات المنطقة.
ولا شك، أن التسوية النهائية المحتملة للنزاع حول الصحراء لصالح السيادة المغربية قد تمثل نقطة انعطاف جيوسياسية عميقة ليس فحسب بالنسبة للبلدان المغاربية وإنما للفضاء الأطلسي ومنطقة الساحل والصحراء الكبرى. لكن هذا التحول لا يحدث في فراغ، بل يتزامن مع تفكك الهياكل الأمنية الغربية في وسط الساحل وعودة الأنظمة المدعومة عسكريا بدول المنطقة، وتفاقم التنافس الصفري بين المغرب والجزائر. والأهم من ذلك، يضمن غياب التعاون من الجزائر، التي تعتبر النزاع حول الصحراء جوهر سياستها الخارجية الثابت، أن المشهد ما بعد التسوية سيتحدد بالاستقطاب الاستراتيجي وليس بالاستقرار.
المتغير الأكثر أهمية الذي يحدد المشهد المستقبلي للبلدان المغاربية ومنطقة الساحل المحاذية، هو العداء العميق وغير القابل للتراجع للجزائر في النزاع حول الصحراء. ومع ذلك، فإن الفشل في تأمين موافقة الجزائر يبقي القضية الأمنية الأساسية دون حل، مما يحافظ على خطر الأعمال العدائية غير المتكافئة ومنخفضة الحدة التي تنفذها عناصر جبهة البوليسايو، والتي يحتمل أن تنطلق من الأراضي الجزائرية.
إن التسوية النهائية للنزاع حول الصحراء لصالح المغرب، وخاصة في غياب التعاون الجزائري، تؤسس لمستقبل يتسم بالتقسيم الهيكلي المدار بدلا من السلام الإقليمي الحقيقي. يحقق المغرب هدف الاستراتيجي الأساسي: ترسيخ سيادته وبروزه كبوابة أطلسية لإفريقيا. لقد أدى هذا التحول بنجاح إلى توفير شريان حياة اقتصادي حيوي لدول الساحل المعزولة التابعة لتحالف دول الساحل، مغيرا بذلك بشكل جوهري الهيكل التجاري الإقليمي. ومع ذلك يتحقق هذا على حساب ترسيخ الاستقرار الإقليمي.
إن متجهات النفوذ المغربي والجزائري- القطب الاقتصادي الأطلسي مقابل القطب الإيديولوجي العابر للصحراء/ المغاربي- أصبحت الآن متباينة بشكل دائم ومتعادية بشكل متبادل. يضمن هذا الديناميك المستمر للحرب الباردة استمرار سباق التسلح المكلف ويعيق التعاون الأمني الإقليمي الأساسي لمعالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء الكبرى. إن مظالم جبهة البوليساريو والنفوذ الجيوسياسي للجزائر يضمنان أن تظل المخاطر الأمنية على ممر المغرب الأطلسي الجديد قائمة وربما قد تكون مرتفعة وبالغة التكلفة.
إن مستقبل المنطقة المغاربية والتعاون فيما بين بلدانها يتوقف وإلى حد كبير على إيجاد تفاهمات سياسية ومقايضة اقتصادية بين طرفي النزاع المغرب والجزائر أخذا بعين الاعتبار مصالح القوى الدولية ذات المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بالمنطقة. وبنفس القدر فإن مستقبل منطقة الساحل والصحراء الكبرى هو بالتالي عمل جيوسياسي، يعتمد التنمية المستدامة على أمن غير مسبوق في منطقة تتسم بتفتت غير مسبوق، وهي نتيجة حتمية ومباشرة للأهداف الاستراتيجية غير القابلة للتوفيق المتنافسين المغاربيين؟
تحد هذه الصعوبات البنيوية من إمكانية بروز البلدان المغاربية كوحدة وكثلة واحدة، وهي صعوبات تجعل من الضروري على النخب ببلدان المنطقة إثارة الاهتمام إلى جملة من المعوقات والمخاطر المحدقة بالمنطقة بدل الانحياز بخطاب التفرقة والتجزئة والبلقنة السياسية وحتى في المجالات الرياضية بدل الانحياز إلى خطاب الوحدة بين الصف المغاربي للأسف الشديد. بل يقتضي الأمر تنقية الأجواء المغاربية من سحب الخطابات المشحونة بالتفرقة والحقد والاتهامات المتبادلة، وخلق تعبئة حقيقية تنطلق من معطيات الواقع للدول الخمسة التواقة شعوبها إلى التعاون والتنمية المشتركة، وتجاوز الخلافات البينية بالرغم من صعوبتها، والتركيز على العوامل المحفزة والموحدة، حتى تجد الدول المغاربية موقعها في ملعب الكبار وصناعي القرار في ظل عالم لا يعترف إلا بالتكتلات الاقليمية والقوة التفاوضية لا سيما في ظل التحولات الجيواقتصادية والجيوسياسية التي يعرفها المشهد الإقليمي والدولي.
محمد الكيحل، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالمعهد الجامعي للدراسات الافريقية جامعة محمد الخامس بالرباط، ورئيس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات