يعود الكتاب للقرن الرابع الهجري، ومؤلفه هو أبو المطهر محمد بن أحمد الأزدي. الكتاب عبارة عن "رواية" أو نص سردي مبكر يصور يوماً واحداً من حياة رجل بغدادي غريب الأطوار يُدعى "أبو القاسم".
أبو القاسم ليس بطلاً مثالياً؛ هو رجل سليط اللسان، واسع الثقافة، فكاهي، ولاذع النقد. يدخل إلى مجلس في مدينة "أصبهان" (أصفهان حالياً) ويبدأ في الحديث دون توقف، مستخدماً لغة تتراوح بين الأدب الرفيع و "لغة الشارع" والشتائم المبتكرة في ذلك العصر.
تكمن أهمية الكتاب في أوجه عدة:
التصوير الواقعي: يقدم لنا الكتاب صورة "فوتوغرافية" للحياة الاجتماعية في بغداد وأصبهان، بعيداً عن قصور الخلفاء والمثالية التي نجدها في كتب التاريخ الرسمية.
اللغة الفريدة: الكتاب كنز لغوي؛ فهو يحتوي على ألفاظ عامية قديمة، ومصطلحات للمأكولات والملابس والأدوات المنزلية التي كانت مستخدمة في ذلك الوقت، والتي قد لا تجدها في المعاجم التقليدية.
النقد الاجتماعي: من خلال سخرية أبي القاسم، ينتقد الأزدي زيف المثقفين وادعاءات الناس، ويظهر التناقض بين المظهر والجوهر في المجتمع.
يتبع الكتاب أسلوب "المقامة" ولكن بشكل أكثر تحرراً وطولاً. الحوار فيه حيوي جداً، لدرجة أننا نشعر وكأننا نشاهد مسرحية أو فيلماً سينمائياً، حيث يصف الأزدي حركات أبي القاسم، وتعبيرات وجهه، وتفاعل الحاضرين معه. الكتاب يجسد فلسفة "الكدية" (التكفف بالأدب) والشطارة، حيث يمثل أبو القاسم الشخصية التي "تعرف كل شيء" وتستطيع السخرية من "أي شيء"، مما يجعله رمزاً للمثقف المتمرد على تقاليد عصره.
ليس أبو القاسم مجرد رجل بذيء اللسان، بل هو "المثقف المأزوم" الذي يعيش إحباطا وجوديا. يشعر بانكساره المادي مقابل تفوقه الثقافي. هو إنسان يملك وعياً يعلو على واقعه، وفصاحة تتجاوز حظه؛ وحين وجد نفسه في مجتمع مغلوط لا يقدر قيمته، حوّل ذكاءه إلى سخرية انتحارية تهدم كل شيء.
السخرية عند أبي المطهر الأزدي تكشف عن نمط فريد وغير مسبوق في الأدب العربي القديم؛ فهي ليست سخرية "تهذيبية" كما هي عند الجاحظ، بل هي سخرية هجومية، واقعية، وصادمة.
هذا الوعي المأزوم: يختار السخرية بدلاً من الصمت، يختار اللسان كتعويض عن العجز، حيث تصبح الكلمة هي المساحة الوحيدة لممارسة القوة.
يمكن تشخيص ملامح هذه السخرية في أربعة محاور رئيسية:
-سخرية "المفارقة الثقافية"
تقوم السخرية هنا على صراع الهويات. يصور الأزدي "أبو القاسم" كبغدادي يرى نفسه ذروة التمدن والعراقة، وينظر إلى أهل أصفهان (المدينة التي يزورها) كأشخاص يحاولون تقليد الرقي لكنهم يفشلون. السخرية هنا تعمل كأداة للاستعلاء الثقافي. أبو القاسم يسخر من مأكلهم، وملبسهم، وطريقة حديثهم، ليُظهر تفوق "البغدادية" حتى وهو في قمة انكساره وفقره.
-السخرية "اللغوية"
يستخدم الأزدي تقنية "القلب الساخر". فبينما كان الأدباء يتسابقون في تنميق اللغة، جعل الأزدي بطل الحكاية يخلط بين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر العالي و "لغة السوقة" والشتائم المقذعة والمصطلحات الماجنة. هذه السخرية تهدف إلى تجريد اللغة من وقارها لاستخدامها كسلاح حيوي يعبر عن الغضب والضيق الواقعي.
-السخرية "الكاريكاتورية"
الأزدي لا يصف أبا القاسم بكلمات عادية، بل يرسمه بريشة كاريكاتورية، يصف حركاته، تشنجات وجهه، وسرعة بديهته في الرد. يستعمل السخرية البصرية ويحول البطل إلى "نموذج نمطي" للإنسان الذي فقد كل شيء ولم يبقَ له سوى لسانه ليدافع به عن وجوده.
-السخرية "السوداء"
رغم أن الكتاب مضحك، إلا أن باطنه مؤلم. أبو القاسم رجل مثقف، ضاعت بغداده (رمز عزه) وأصبح يتسول بلسانه في المجالس. السخرية عند الأزدي هي "آلية دفاع". الضحك هنا هو الوسيلة الوحيدة للتعامل مع واقع مرير مليء بالنفاق الاجتماعي والفقر. إنها سخرية الشخص الذي لم يعد لديه ما يخسره. هي "سخرية هدم"؛ فهي تهدم الصورة المثالية للمثقف العربي الوقور، وتقدم مكانه "الإنسان العاري" بكل تناقضاته، وفجره، وذكائه.
لندخل إلى "مختبره اللغوي" لنرى كيف كان يفكك هيبة المجتمع. هو لا يمزح، بل يمارس "عدواناً لغوياً" منظماً.
- آلية "الهدم بالمحاكاة الساخرة"
أبو القاسم لا يخترع لغة جديدة، بل يستخدم لغة المجتمع "الوقورة" ويطبقها على أشياء وضيعة. يستخدم ألفاظ اللغويين الراقية لوصف أكلة، أو شتيمة، أو حركة جسدية مبتذلة. يهدف بهذا لإثبات أن المجتمع الذي يقدس القوالب اللغوية هو مجتمع فارغ؛ فإذا أمكن استخدام لغة العلم لوصف المعدة والجوع، فالعلم نفسه أصبح محل تندر.
-آلية "المفارقة بين اللفظ والسياق"
يستخدم أبو القاسم الفصاحة الباذخة في عز لحظات العربدة أو البذاءة، قد يلقي خطبة عصماء فصيحة جداً، لكن محتواها هو شتم الحاضرين ووصف بخلهم بأدق المصطلحات، بهدف صدم المتلقي. المجتمع يتوقع من "الفصيح" أن يكون "مؤدباً"، لكن أبا القاسم يكسر هذا التوقع، مما يخلق ضحكاً أسود نابعاً من الدهشة.
-آلية "القلب القيمي"
يقوم أبو القاسم بقلب معايير المدح والذم المتعارف عليها. فبدلاً من أن يمدح صاحب الدار لكرمه (النفاق التقليدي)، يمدحه لقدرته العجيبة على المنع والبخل، أو يمدح الطعام لأنه "يهرب من الضيوف"، و هذا لتعرية المجتمع. كأنه يقول لهم: "بما أنكم تبخلون وتنافقون، سأمدح بخلكم ونفاقكم كأنه فضيلة"، وهذا أشد إيلاماً من الشتم المباشر.
-آلية "التجسيد والكاريكاتير"
يركز أبو القاسم على "التفاصيل الجسدية" المقززة أو المضحكة للحاضرين. فمثلا هو يصف لحية أحدهم وهو يمضغ، أو حركة عين البخيل وهي تراقب رغيف الخبز. والهدف من هذا هو تحويل الوجهاء إلى كائنات بيولوجية تتحكم فيها الغرائز (الجوع، الخوف، الطمع)، مجرداً إياهم من وقارهم الاجتماعي المصطنع.
-آلية "القاموس الهجين"
يمزج بين أرقى مفردات اللغة العربية وبين العامية المبتذلة (سخف القول). ينتقل في جملة واحدة من اقتباس شعري جاهلي إلى كلمة سوقية دارجة. يهدف من هذا إهانة "المقدس اللغوي" لدى المجتمع. هو يعلن بصراحة أن هذه اللغة العظيمة لا تستحق أن تُقال في مجتمع صغير الشأن مثل هذا.
نخلص من هذا أن سخرية أبي القاسم هي "سخرية ميكروسكوبية"؛ فهو لا يهاجم المجتمع ككل في البداية، بل يفككه قطعة قطعة (الطعام، اللباس، اللحية، طريقة الكلام)، حتى يشعر الحاضرون في النهاية أنهم مجردون تماماً من أي قيمة.
هذه الآليات هي التي تجعل "أبا القاسم" يبدو فيلسوفاً محبطاً؛ فهو لا يشتم لأنه جاهل، بل يشتم لأنه يعرف الكثير عن زيف هذه الأدوات اللغوية.
طبق هذه الآليات على "مشهد المائدة"، القلب النابض للكتاب، وفيه تبلغ سخرية أبي القاسم ذروتها الفلسفية والعدوانية.
لنتخيل المشهد: الطاولات ممدودة، والوجهاء يجلسون بوقار زائف، وهنا يبدأ أبو القاسم عملية التشريح.
في الثقافة العربية، الخبز مقدس، لكن عند أبي القاسم يتحول الرغيف إلى "جاسوس" أو "مقاتل".
يصف كيف يراقب البخيل الأكل، وكأن عين البخيل "سهم" يلاحق اللقمة. هنا يستخدم أبو القاسم آلية القلب القيمي؛ فبدلاً من أن تكون المائدة رمزاً للكرم، يحولها إلى ساحة حرب نفسية، حيث اللقمة هي الغنيمة، والمضيف هو العدو.
ثم إنه لا ينظر إلى الوجوه، بل ينظر إلى "الأفكاك". يصف حركة لحى القوم وهي تضطرب صعوداً وهبوطاً أثناء الأكل، ويصف أصوات البلع بطريقة مقززة. فهو يحول هؤلاء الوجهاء المحترمين إلى مجرد آلات للمضغ. إنه يسلبهم إنسانيتهم ووقارهم ليجعلهم مجرد أفواه جائعة، تماماً كالحيوانات.
ثم يخلص إلى ميتافيزيقا القدر والطبيخ حيث يتحدث عن "الثريد" و"السكباج" بلغة فقهية أو علمية معقدة. قد يشرح ماهية المرق أو جوهر اللحم مستخدماً مصطلحات المنطق (الجوهر والعرض).
إنه يسخر من الفلاسفة والعلماء الذين يضيعون وقتهم في تعريف المفاهيم المجردة، بينما الحقيقة الوحيدة الملموسة هي "الجوع" الذي ينهش البطون.
وسط هذا المشهد، قد يطلق صرخة أو كلمة سوقية نابية في عز استشهاده ببيت شعر للنابغة أو لامرئ القيس، يمدح جودة الطعام بلغة امرئ القيس، ثم يتبعها بشتيمة مقذعة لصاحب الدار لأنه لم يضع ملحاً كافياً. الهدف هو إفساد "متعة" الحاضرين. هو يريد أن يقول لهم: "لا تظنوا أنكم تستمتعون بأدبي وفصاحتي، أنا هنا لأفسد عليكم حتى لقمة عيشكم".
نستنتج أن "المائدة" عند أبي القاسم ليست مكاناً للأكل، بل هي "مسرح للجريمة". الجريمة هي نفاق المجتمع. وأبو القاسم هو "المحقق" الذي يستخدم السخرية لانتزاع الاعترافات من ملامحهم المذعورة.
لقد جعل من "المعدة" مركزاً للكون، ليثبت أن كل شعارات المجتمع عن "الأدب" و"الدين" و"المروءة" تنهار أمام رغبة الأكل أو خوف الخسارة.
لنتأمل هذا المشهد الشهير عندما يدخل أبو القاسم إلى مجلس "أهل أصفهان" ويبدأ في تقريعهم حيث يقلب المفاهيم رأساً على عقب:
يقول أبو القاسم ساخراً من بخل المضيف وتكلفه: '"ما هذا الذي قدمتموه؟ أهذا طعامٌ يُؤكل أم تعاويذُ تُقرأ؟! والله لو أنَّ برغوثاً وقع في مَرَقِكم لغرق وما وجد من ينقذه من ضيقه! تأكلون كأنكم تعدّون حبات الأرز عدّاً، وتتحركون كأنكم في جنازة.. الأكل يا أوباش هو النهب، لا الأدب!'
سخرية الأزدي هي "سخرية نزع القناع". هو يرى أن "التمدن" و"الرقة" في عصره كانت مجرد أقنعة للبخل والنفاق، فيستخدم لسانه السليط لتمزيق هذه الأقنعة، وإعادة الناس إلى طبيعتهم الخام (الشهوة، الجوع، الغضب).
نلاحظت أن أبا القاسم لا يسخر بـهدوء. سخريته دائماً مرتبطة بالضجيج والحركة، وهو ما يجعل كتابه أقرب ما يكون إلى "السيناريو" منه إلى الكتاب الأدبي التقليدي.
ما نراه من سخرية فجة هو في الحقيقة رد فعل دفاعي تجاه شعور طاغٍ بالخيبة. أبو القاسم ليس مجرد شخص "ساخر"، بل هو إنسان يائس قرر أن يضحك من كل شيء لأنه لم يعد يؤمن بشيء.
أبو القاسم يمثل بغداد التي كانت مركز العالم في الزمن الجميل الذي يوقظ حنينه، فهو الآن في أصفهان. سخريته هي طريقة للتعبير عن الغربة. هو يشعر أن القيم الأصلية (الكرم، الفصاحة الحقيقية، الرقي العفوي) قد انتهت، وحل محلها تقليد أعمى وقيم مشوهة. السخرية هنا هي "بكائية مقنعة". هو يسب الحاضر لأنه يعشق ماضياً لن يعود.
يبكي لانهيار المنظومة الأخلاقية. يرى أن الناس أصبحوا يهتمون بـالمظهر (الشكليات والادعاء بالثقافة) على حساب الجوهر. عندما يسخر من آدابهم في الأكل أو حديثهم، هو في الحقيقة يقول لهم: "أنتم تمارسون طقوساً فارغة من معناها". يئس من إمكانية إصلاح المجتمع، لذا قرر تدميره لسانياً.
أبو القاسم هو النسخة العربية لديوجين؛ يسخر من كل التقاليد الاجتماعية لأنه يراها زائفة ومنافقة فهو يعيش في فقر، لكنه يشعر بتفوق عقلي يجعل كل قصور الأثرياء في نظره بيوت عنكبوت.
إن يأس الأزدي (عبر لسان أبي القاسم) هو يأس "المثقف المغترب". لقد وجد نفسه في مجتمع مزور لا يقدر قيمته، فاستخدم السخرية كـمخدر موضعـي للألم، أو كصرخة يحاول بها هز هذا المجتمع الراكد.
هذا الكتاب ليس مجرد "حكاية"، بل هو وثيقة نفسية عن إنسان محطم يرفض أن ينحني، فيختار أن يبصق الكلمات في وجه الجميع.
هو مشروع فيلسوف خذلته الأدوات، أو خانته الظروف، فلم يجد غير لسانه ليحارب به.
فهو يستغل الذلاقة اللسانية بدلاً من الحكمة.
أبو القاسم يمتلك عقل فيلسوف يدرك عيوب المجتمع، لكنه لا يملك الجلد أو السكينة لبناء نسق فلسفي للإصلاح. عندما يرى المجتمع ينهار أو يتغير، وبما أنه لا يملك سلطة التغيير، فإنه يحول فلسفته إلى "رصاص لغوي". الفلسفة هنا لا تهدف للبناء، بل لـ "التشفي". لسانه يعوض عجزه.
بما أنه لا يعرف إلا استغلال عجرفته، فقد تحول أسلوبه إلى ما يمكن تسميته بـ "البلاغة العدمية". هو يدرك أن كلامه لن يغير أهل أصفهان، ولن يعيد بغداد، ولن يشبعه من جوع، ومع ذلك يستمر في الكلام. الكلام عنده ليس وسيلة تواصل، بل هو "إثبات وجود". هو يقول: "أنا أشتم، إذن أنا موجود".
هناك خيط رفيع بين الفيلسوف الساخر وبين المهرج السليط. أبو القاسم يتأرجح على هذا الخيط: هو يريد أن يكون "سقراط" الذي يكشف جهل الناس. لكنه يجد نفسه ينزلق ليصبح "أبا دلامة" الذي يضحك الناس على بذاءته. وهذا هو منبع الحزن الكامن في كتاب الأزدي؛ أن ترى طاقة ذهنية وفلسفية هائلة تتبدد في الردح والمشاجرات الكلامية بدلاً من التأمل.
إذا كان الفيلسوف يبحث عن "حقيقة" ليهدئ بها نفسه، فإن أبا القاسم وجد "حقيقة" (وهي أن العالم منافق) فاستخدمها ليحرق بها الآخرين.
لقد جعل من "الفصاحة" سلاحا بدلاً من أن تكون "بياناً". وكأن لسان أبي القاسم هو "الأنقاض" التي تبقت من صرح فلسفي لم يكتمل بناؤه.
هل هذا "الانفجار اللفظي" هو أقصى ما يمكن أن يفعله المثقف عندما يشعر بالهزيمة الكاملة أمام مجتمع لا يفهمه؟ عاش أبو القاسم تناقضا صارخا: هو "ضحية" المجتمع الذي يحاول السخرية منه.
في ذلك العصر، كانت الفصاحة هي "العملة" الأكثر رواجاً، لكنها كانت فصاحة شكلية؛ أي أن المجتمع يمجد "طريقة القول" لا "قيمة ما يُقال". أبو القاسم، بذكائه المتقد، فهم هذه اللعبة وقرر أن يضربهم بسلاحهم، ولكن بنسخة انتحارية.
هو إحباط فلسفي في مجتمع "لفظي". المجتمع يستخدم الفصاحة لينافق، ليمدح الحاكم، وليغلف بخله بعبارات منمقة. وأبو القاسم يستخدم الفصاحة نفسها ليفضح، ليهتك الأستار، وليكشف القبح. هو "فيلسوف" يرى أن الحقيقة مُرّة، لذا يجب أن تُقال بلغة حادة كالمشرط.
لقد أدرك أبو القاسم أن لا أحد يستمع لـ "حكمته" إذا قدمها في قالب فلسفي رصين، لأن المجتمع يريد الفرجة والاستعراض. هو يحتقر الحاضرين لأنهم لا يرون فيه إلا "مؤدياً" بارعاً، بينما يرى هو في نفسه "ناقداً" وجودياً. هذا هو قمة الإحباط: أن تكون عميقاً في عالم لا يرى إلا القشور.
بما أن المجتمع يمجد الكلام، فقد أصبح أبو القاسم "سفسطائياً" رغماً عنه. هو يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً لا لإيمانه بذلك، بل لإثبات أن هذا المجتمع الذي يقدس "البيان" يمكن التلاعب به وبمشاعره بمجرد رصّ الكلمات ببراعة.
أبو القاسم البغدادي هو صرخة احتجاج ضد "سيادة اللفظ على المعنى". إنه الفيلسوف الذي عندما وجد أن الحكمة "بضاعة كاسدة"، قرر أن يبيعهم المرارة اللغوية في زجاجات فاخرة من الفصاحة، ليضحك على غبائهم وهم يتجرعون إهاناته معتبرين إياها "أدباً بارعاً".
هذا الكتاب هو في الحقيقة مرثية للعقل العربي في لحظة تاريخية بدأ فيها الاهتمام بالزخرف يطغى على الجوهر.
إننا اليوم نعيش حالة مشابهة. حيث يطغى "الترند" والضجيج اللفظي على العمق الفلسفي، مما يضطر "فلاسفة اليوم" للجوء إلى السخرية لجذب الانتباه.
بما أن السخرية هي "سلاح المثقف اليائس" و"مشرط الفيلسوف المحبط"، يمكن أن نّكر كتابا يشبه في روحه "حكاية أبي القاسم البغدادي"، حيث تمتزج الفصاحة بالنقد الاجتماعي اللاذع و هو "أخلاق الوزيرين" – لأبي حيان التوحيدي.
إذا كان الأزدي قد سخر من مجتمع أصفهان، فإن التوحيدي هنا يسكب جام غضبه وسخريته السوداء على قمة الهرم السياسي والثقافي: الوزيرين الصاحب بن عباد وابن العميد.
التوحيدي كان مثقفاً "مظلوماً" ومحبطاً، فاستخدم بلاغته الهائلة لتشريح رذائل هؤلاء الوزراء في كتاب مليء بالمرارة والذكاء اللغوي.
ذم الوزيرين لأبي حيان التوحيدي هو "المتن الأكبر" في أدب الهجاء السياسي الساخر، وهو المرآة التي عكست مرارة المثقف الذي "عاش" مأساة أبي القاسم البغدادي في الواقع.
في هذا العمل تحول الحقد إلى "فن"، واليأس إلى "تشريح
الكتاب ليس مجرد شتائم، بل هو "انتقام فني". التوحيدي قرر أن يستخدم سلاحه الوحيد (القلم) ليخلد عيوب هؤلاء الوزراء للأبد، تماماً كما استخدم أبو القاسم لسانه ليخلد حماقات أهل أصفهان.