عند ولادة كل طفل، تقوم الدولة تلقائيًا بفتح حساب ادخار أو استثمار باسمه، مع إيداع أولي.
في الولايات المتحدة، أثارت فكرة مبتكرة في الآونة الأخيرة الكثير من النقاش.
اقترح دونالد ترامب وبعض المسؤولين الأمريكيين أنه عند ولادة كل طفل، تقوم الدولة تلقائيًا بفتح حساب ادخار أو استثمار باسمه، مع إيداع أولي قدره ألف دولار.
يمكن للعائلة بعد ذلك أن تضيف مبالغ مالية إلى هذا الحساب مع مرور السنوات، من دون أن يكون لها الحق في سحب أي مبلغ قبل بلوغ الطفل سن الرشد.
وعند بلوغه سن الثامنة عشرة، يصبح الشاب مالكًا لهذا الرصيد، ويستطيع استعماله لمتابعة دراسته، أو اقتناء مسكن، أو إطلاق مشروع خاص به.
وفي حالة إنشاء مشروع، تلتزم الدولة بمواكبته ودعمه.
فكرة بسيطة، تكاد تكون طوباوية: أن نهدي لكل طفل دفعة مالية صغيرة تساعده على الانطلاق بثقة في بداية حياته كراشد.
خلف هذه المبادرة رسالة قوية.
تقليص الفوارق الاجتماعية منذ لحظة الولادة. تشجيع ثقافة الادخار والاستثمار على المدى الطويل. ومساعدة الشباب على بناء مستقبلهم دون أن يبدأوا من الصفر.
نظريًا، طفل يحصل على ألف دولار عند ولادته، وتضيف أسرته مبالغ صغيرة بانتظام، يمكن أن يتوفر في سن الثامنة عشرة على عدة آلاف من الدولارات لتمويل أول مشاريعه الكبرى في الحياة.
وهنا يطرح السؤال نفسه في المغرب.
فالمملكة تعرف كل سنة مئات الآلاف من الولادات.
إطلاق برنامج من هذا النوع سيكون استثمارًا عموميًا مهمًا، لكنه في الوقت نفسه رهان استراتيجي على الشباب.
قد يأخذ هذا المشروع في المغرب صيغة ملائمة للواقع المحلي.
رأسمال انطلاقة أكثر تواضعًا، مثل بضعة آلاف من الدراهم.
حساب يُفتح تلقائيًا في بنك عمومي أو عبر صندوق الإيداع والتدبير. إمكانية مساهمة الوالدين بمبالغ اختيارية. وأموال تبقى مجمدة بشكل صارم إلى سن الثامنة عشرة أو الحادية والعشرين. ويكون استعمال هذا الرصيد مضبوطًا بدقة. لتمويل الدراسة والتكوين. للحصول على أول سكن. أو لخلق نشاط مهني أو مشروع صغير.
مثل هذا النظام يمكن أن يحقق عدة فوائد. تشجيع التمدرس والدراسة الجامعية، خاصة في الأسر ذات الدخل المحدود. دعم حقيقي لمقاولة الشباب. التقليل من بعض أشكال اللامساواة منذ البداية. وترسيخ ثقافة الادخار داخل البيوت المغربية.
وعلى المدى البعيد، سيكون ذلك استثمارًا في الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
لكن بطبيعة الحال، ليست الأمور سهلة دائمًا. أكبر تحدٍّ يبقى هو كلفة البرنامج على ميزانية الدولة. كما يجب الحرص على ألا يستفيد منه فعليًا فقط أبناء الأسر الميسورة، القادرة على الادخار أكثر من غيرها.
لضمان النجاح، ينبغي أن يكون البرنامج موجّهًا أساسًا إلى الأسر المحدودة الدخل. شفافًا في تسييره. ومدعومًا بسياسة حقيقية للتربية المالية منذ الصغر.
وماذا لو بدل انتظار ظهور الفوارق الاجتماعية، بدأنا في تصحيحها منذ لحظة الولادة؟ في بلد شاب مثل المغرب، حيث أكثر من نصف السكان دون سن الثلاثين، يمكن لمثل هذه الفكرة أن تصبح أداة قوية لتحقيق العدالة الاجتماعية ودفع عجلة التنمية.
هذه الفكرة قد تبدو حلماً أو طموحًا بعيد المنال. لكن في كثير من الأحيان، تكون الأفكار الجريئة هي التي تصنع المستقبل.
أنور الشرقاوي
فاعل جمعوي