في خضمّ النقاش الدائر حول الهجوم على إيران وما رافقه من مواقف متباينة داخل المغرب، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الانفعال الظرفي: كيف نقيس نحن المغاربة مواقف الدول؟ وهل يكفي الانتماء الديني لتحديد طبيعة الاستقطاب و الاصطفاف؟
من حق المغاربة أن يتساءلوا عن مواقف أي دولة تجاه وحدتنا الترابية، خاصة حين يتعلق الأمر بقضية الصحراء المغربية وما ارتبط بها من اتهامات رسمية سابقة لايران بدعمها أطراف مسلّحة، وهي معطيات تم تاكيدها وأدت إلى توتر العلاقات الدبلوماسية بينا وبينها. وعلى هدا الاساس يجب ان لانعتبر هذه القضية كنوع من التفاصيل الثانوية، بل كقضية مركزية تمسّ أمن الوطن وذاكرة التضحيات ودماء جنود سقطوا دفاعاً عن الأرض. أليس هؤلاء أيضاً مسلمين لهم حرمة الدم والوطن؟
ان الاحتجاج بالإسلام وحده لا يكفي لفهم تعقيدات السياسة. فالدول مهما كان انتماؤها العقائدي فانها تتحرك وفق حسابات المصالح الوطنية والاستراتيجية. والدفاع عن الأرض والوطن ليس قيمة ثانوية بعد الإسلام، بل مبدأ عرفته الإنسانية منذ بدايات الاستقرار البشري، قبل أن تأتي الرسالات لتزكي كثيراً من تلك القيم وتوجهها أخلاقياً. الإسلام لم يُلغِ العقل ولا التجربة التاريخية، بل أكد العدل والوفاء وحفظ الحقوق.
ولو افترضنا — جدلاً — أن إيران كانت في صف المغرب و تعلن بوضوح دعمها للوحدة الترابية للمغرب وتعترف صراحة بمغربية الصحراء، لكان المزاج العام المغربي مختلفاً بدرجة كبيرة. لأن قضية الصحراء في الوعي الجماعي ليست ملفاً سياسياً عادياً، بل معياراً لقياس صدقية المواقف. عندها كان التعاطف الشعبي سيكون أوسع، وكانت أرضية التقارب السياسي والدبلوماسي ستكون أكثر متانة، ولتراجع التوتر بين الانتماء الديني والانتماء الوطني. غير أن الموقف المغربي شعبياً ورسمياً لا يُبنى على العاطفة وحدها، بل على شبكة معقدة من المصالح والرموز والذاكرة.
التعاطف الإنساني مع الشعوب المتضررة من الحروب يبقى موقفا أخلاقياً مشروعا، لكن ذلك لا يعني تعطيل حق مساءلة سياسات الدول أو تجاهل مواقفها من القضايا المصيرية.
هكذا يتضح أن في الوعي المغربي معياراً ثابتاً: احترام الوحدة الترابية هو البوصلة التي يقاس بها صدق الأصدقاء قبل الخصوم. اذ ان حب الوطن ليس نقيضا للدين، بل هو جزء من حفظ الكرامة الإنسانية. ومن أراد نقاشاً صادقاً، فليجمع بين الاعتبار الأخلاقي والوعي التاريخي، بعيداً عن الانتقائية في الشعارات أو تغليب الولاءات الخارجية على مصلحة الوطن.
.