تتبدل ملامح الناس حين يطول النهار وتضيق الساعات وتتزاحم الحاجات. يشتد الإيقاع، وتتعالى الأصوات، ويصبح الطريق أضيق مما هو عليه. عندها تبرز ظاهرة يصفها اللسان الدارج بكلمة واحدة: الترمضينة. ليست نكتة عابرة ولا وصفا خفيفا، بل إسم مكثف لحالة توتر تظهر عند بعض الناس فتجعل الكلمة جارحة، والنظرة قاسية، والرد فعل أسرع من التفكير. وما يزيد الأمر إيلاما أن هذه الحالة تقع في زمن يفترض أن يوقظ فينا الرفق ويهذب الإنفعال، لا أن يطلقه بلا زمام.
قسوة عابرة
الترمضينة تعبير شعبي عن إنفلات غضب يومي: سائق يصرخ عند إزدحام بسيط، زبون يشتبك مع بائع بسبب دور الإنتظار، جار يرفع صوته على جارته لأمر تافه. هي ليست مرضا منفصلا بقدر ما هي قشرة تكشف ما تحتها: ضيق متراكم، وعتبة إحتمال منخفضة، وعادة قديمة في تبرير القسوة عندما تتغير ظروف الجسد. وحين تتكرر المشاهد عاما بعد عام، تتسلل الفكرة الخطيرة: كأن العصبية أصبحت جزءا مألوفا من الموسم، لا إنحرافا يستدعي العلاج.
ثقل النهار
أقرب المفاتيح إلى الفهم يمر عبر الجسد. حين يقل الماء ويهبط السكر ويشتد الصداع، يضعف ضبط النفس. يضاف إلى ذلك الإنقطاع المفاجئ عن المنبهات عند من إعتادها، فيظهر التململ وتشتد الحدة. هذه أسباب مدعومة بتفسيرات طبية معروفة عن أثر الجفاف وتذبذب الطاقة وقلة النوم على المزاج، لذلك درجة اليقين هنا عالية. لكن الجسد وحده لا يكتب الحكاية كاملة؛ هو يهيئ المسرح، بينما النص يكتبه السلوك المكتسب.
ساعة الذروة
تبلغ الترمضينة ذروتها عندما تقترب لحظة الإفطار. هناك تضيق المسافة بين الجوع والقرار، بين التعب والكلمة. تتسارع الخطى في الأسواق، وتزدحم الحافلات، وتعلو نبرة التفاوض على ثمن أو موقف. في تلك الدقائق، يكشف الإنسان طبعه الحقيقي: هل يختار اللين أم يطلق لسانه كالسوط؟ المفارقة أن كثيرا من الشجارات تبدأ من لا شيء: نظرة فهمت خطأ، أو دفعة غير مقصودة، أو تعليق قيل بلا انتباه.
مبرر جاهز
الأخطر ليس الغضب نفسه، بل تحويله إلى رخصة. حين يعتاد المرء أن يشرح إساءته بظرف الوقت، يصبح الظرف قائدا له لا إختبارا له. هنا تتراجع المسؤولية الفردية خطوة، ثم خطوات. تتبدل اللغة: بدل الإعتذار يظهر التحدي، وبدل الإصلاح يظهر العناد. ومع الوقت، تتشوه صورة الأسرة والشارع معا: الأطفال يلتقطون نبرة الصراخ أكثر مما يلتقطون نصائح الكبار، فيتعلمون أن الإنفعال طريقة طبيعية لحل الخلاف.
هدوء مفقود
داخل البيت، تتخذ الترمضينة شكلا أكثر صمتا وأشد أثرا. تعب إعداد المائدة، ضيق الوقت، كثرة الطلبات، وتبدل نوم الصغار؛ كلها تجعل الجو قابلا للإشتعال. كلمة قاسية عند لحظة توتر قد تهدم مزاج يوم كامل، وقد تترك ندبة في قلب قريب. البيت يحتاج، في هذا الموسم خاصة، إلى هندسة رحيمة: توزيع الأدوار، تخفيف التوقعات، والإعتراف بأن الهدوء عبادة إجتماعية لا ترفا.
مسالك اللين
الحد من الترمضينة لا يقوم على الخطب وحدها. يبدأ بتنظيم النوم قدر الإمكان، وتخفيف السهر الذي يسرق القدرة على الإحتمال. يساعد أيضا تناول طعام متوازن عند الإفطار والسحور، وتقليل ما يرفع التوتر كالإفراط في المنبهات. على مستوى السلوك، تنفع قواعد بسيطة: تأخير الرد ثواني، خفض الصوت عمدا، والإبتعاد عن الجدال عند التعب. وعلى مستوى المجتمع، من الحكمة ألا تتحول الشجارات المصورة إلى مادة تسلية؛ نشرها يمنحها شهرة ويزيد العدوى.
سكينة ممكنة
الترمضينة ليست قدرا، بل مرآة. تعكس كيف ندير رغباتنا حين تتأخر، وكيف نخاطب الناس حين نتعب، وكيف نفهم الرجولة والهيبة والحق. خلاصة الأمر أن الجوع والعطش يفسران جزءا من المشهد، لكنهما لا يبرران الأذى. فماذا لو جعلنا هذا الموسم مدرسة للتهذيب لا مسرحا للإنفجار؟ كم إعتذارا صادقا يمكن أن ينقذ يوما كاملا؟ وأي صورة نريد أن تبقى في ذاكرة أطفالنا: صوت المودة أم صدى الصراخ؟