الاقتصاد غير المهيكل… اقتصاد في الظل
يشكّل الاقتصاد غير المهيكل أحد أبرز التحديات البنيوية التي تواجه الاقتصاد المغربي. فهو يضم أنشطة تجارية وخدماتية تُمارس خارج الأطر القانونية، دون تسجيل رسمي، أو أداء للضرائب، أو مساهمة في أنظمة الحماية الاجتماعية.
ورغم أن هذا القطاع يوفر فرص شغل لآلاف الأسر، خاصة في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش، فإن كلفته على الدولة مرتفعة، وتتجلى في:
- فقدان موارد ضريبية مهمة
- منافسة غير عادلة للمقاولات المهيكلة
- هشاشة اجتماعية للعاملين فيه
- ضعف جودة الخدمات والمنتجات أحيانًا
إنه اقتصاد يمنح دخلًا آنيًا، لكنه يحرم الدولة من إمكانات تنموية طويلة الأمد.
التهرب الضريبي والغش… نزيف صامت
التهرب الضريبي ليس مجرد مخالفة قانونية، بل هو سلوك يؤثر مباشرة في العدالة الاجتماعية. فعندما يتهرب البعض من أداء الضرائب، يتحمل العبء من يصرّح ويؤدي بانتظام.
أشكال شائعة:
- التصريح الجزئي بالمداخيل
- عدم إصدار الفواتير
- إخفاء الأرباح الحقيقية
- استعمال شركات صورية
النتيجة:
- انخفاض مداخيل الخزينة
- ضعف تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية
- شعور بعدم الإنصاف لدى المواطن الملتزم
كراء المنازل غير المصرّح به… معاناة مزدوجة
يُعد قطاع كراء المنازل والشقق من أبرز المجالات التي تشهد تهربًا ضريبيًا واسعًا. فعدد مهم من المالكين يُكرون بعقود عرفية أو دون التصريح بالمداخيل، رغم أن الأثمان غالبًا ما تكون مرتفعة، خصوصًا في المدن الكبرى.
الانعكاسات:
- حرمان الدولة من موارد مهمة
- ارتفاع أسعار الكراء بسبب غياب المراقبة
- معاناة المكتري من غياب ضمانات قانونية كافية
- استفادة المالك من دخل صافٍ غير خاضع للضريبة
المواطن هو المتضرر الأول، سواء كمكتري يدفع سعرًا مرتفعًا، أو كمواطن يحتاج إلى خدمات عمومية تموّلها الضرائب.
التجارة الإلكترونية والعملات الرقمية… اقتصاد جديد خارج الرقابة؟
مع تطور التكنولوجيا، برزت أنشطة جديدة يصعب أحيانًا تتبعها ضريبيًا، مثل:
- التجارة عبر مواقع التواصل الاجتماعي
- البيع عبر المنصات الرقمية
- الأرباح الناتجة عن العملات الرقمية
- مداخيل المؤثرين من الإعلانات والرعايات
أصبح بعض الأفراد يحققون أرباحًا مهمة دون تسجيل نشاطهم أو التصريح بمداخيلهم. ورغم أن هذا القطاع يمثل فرصة حقيقية للنمو الاقتصادي، فإن غياب التأطير يفتح الباب أمام اقتصاد رقمي غير مهيكل.
المؤثرون وصنّاع المحتوى… بين الحرية والمسؤولية
حقق عدد من صناع المحتوى المغاربة مداخيل مهمة عبر المنصات الاجتماعية. لكن السؤال الجوهري:
هل تُصرَّح كل هذه المداخيل؟
التأثير الإعلامي يجب أن يقترن بالمسؤولية المدنية. فكل نشاط يدر دخلًا منتظمًا هو نشاط اقتصادي يستوجب المساهمة في المنظومة الجبائية، حمايةً للعدالة الضريبية.
كيف نحوّل الاقتصاد غير المهيكل إلى قوة داعمة؟
الحل لا يكمن في العقاب فقط، بل في الإصلاح والتحفيز:
- تبسيط المساطر
اعتماد إجراءات سهلة لتسجيل الأنشطة الصغيرة. - نظام ضريبي تصاعدي عادل
فرض ضرائب مخففة في البداية لتشجيع الانخراط. - تحفيزات للملكية المصرّح بها
ربط الامتيازات (قروض، دعم، حماية قانونية) بالتصريح الضريبي. - رقمنة المعاملات
تعزيز الأداء الإلكتروني للحد من الاقتصاد النقدي. - نشر ثقافة المواطنة الجبائية
فالضريبة ليست عقوبة، بل مساهمة في بناء الوطن.
من اقتصاد الظل إلى اقتصاد الثقة
يشكل الاقتصاد غير المهيكل والتهرب الضريبي تحديًا حقيقيًا أمام المغرب في مسيرته التنموية. لكن في المقابل، يمثل الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية فرصة ذهبية لتوسيع الوعاء الضريبي بطريقة عصرية وعادلة.
المعادلة بسيطة:
كلما اتسعت دائرة التصريح، زادت موارد الدولة، وتحسنت الخدمات، وتعززت العدالة الاجتماعية.
الرهان اليوم ليس فقط على محاربة التهرب، بل على بناء ثقافة اقتصادية جديدة تقوم على الثقة والشفافية والمشاركة في صنع مستقبل مغرب أكثر إنصافًا وازدهارًا.