lundi 16 février 2026
كتاب الرأي

يوسف لهلالي: الهجرة الى أوروبا.. حين تنتصر البراغماتية… وتتعثر فرنسا

يوسف لهلالي: الهجرة الى أوروبا.. حين تنتصر البراغماتية… وتتعثر فرنسا يوسف لهلالي

تُظهر سياسات الهجرة في عدد من الدول الأوروبية تناقضًا صارخًا بين الخطاب الأيديولوجي والواقع الاقتصادي والديموغرافي. ففي الوقت الذي تواجه فيه القارة الأوروبية تراجعًا حادًا في عدد السكان النشيطين، اختارت بعض الحكومات التعامل مع ملف الهجرة بواقعية وبراغماتية، بينما لا تزال دول أخرى، وفي مقدمتها فرنسا، أسيرة حسابات سياسية وأيديولوجية.

في إسبانيا، أقرت حكومة بيدرو سانشيز اليسارية خطة لتسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر يوجدون في وضعية غير نظامية، معتبرة أن هذا الإجراء ضرورة لإنعاش الاقتصاد الوطني وسد الخصاص المتزايد في اليد العاملة. وقد لجأت الحكومة إلى مرسوم ملكي لتسريع تنفيذ القرار، في ظل غياب أغلبية برلمانية مريحة.

المفارقة أن إيطاليا، التي تقودها حكومة يمينية متطرفة برئاسة جورجيا ميلوني، اتخذت التوجه نفسه، رغم خطابها المعادي للهجرة خلال الحملة الانتخابية. فقد أقرت روما برامج متتالية لاستقبال اليد العاملة الأجنبية، ما سيسمح بدخول حوالي مليون عامل مهاجر بين سنتي 2023 و2028. وبررت الحكومة هذا الخيار بكونه ضرورة لا غنى عنها للحفاظ على النظام الاقتصادي والإنتاجي الإيطالي، في ظل التراجع الديموغرافي الحاد الذي تعرفه البلاد.

هذا التوجه البراغماتي ليس جديدًا في أوروبا. فقبل سنوات، فتحت ألمانيا أبوابها لأكثر من مليون لاجئ، معظمهم من السوريين، في عهد المستشارة أنجيلا ميركل، استجابةً لحاجيات سوق الشغل وضمان استمرارية نظامها الاجتماعي.

في المقابل، تعيش فرنسا وضعًا مختلفًا. فرغم أنها تعاني بدورها من تراجع ديموغرافي ونقص حاد في اليد العاملة في عدة قطاعات توصف بـ«المهن تحت الضغط»، مثل البناء والمطاعم والفنادق، فإنها تواصل التردد في اعتماد سياسة واضحة لاستقبال العمال الأجانب. وتشير الإحصائيات الرسمية إلى منح أكثر من 380 ألف بطاقة إقامة سنة 2025، غير أن الغالبية الساحقة منها خُصصت للاجئين والطلبة، فيما ظلت حصة اليد العاملة محدودة جدًا.

وتكمن المفارقة في أن فرنسا تُدار اليوم من طرف تحالف سياسي ينتمي إلى اليمين والوسط، لكنه يتأثر بشكل واضح بخطاب اليمين المتطرف في قضايا الهجرة. فرغم وجوده في المعارضة، نجح هذا التيار في فرض أجندته، ما جعل جزءًا من الطبقة السياسية الحاكمة يتبنى أطروحاته، خوفًا من صعوده الانتخابي، حتى ولو كان ذلك على حساب المصالح الاقتصادية للبلاد.

وفي الوقت الذي تتعامل فيه دول أوروبية أخرى، بمختلف توجهاتها السياسية، مع الهجرة كأداة لتنظيم سوق الشغل وضمان الاستقرار الاجتماعي، تتحول الهجرة في فرنسا إلى موضوع للمزايدة السياسية والتخويف، بدل معالجتها بموضوعية ووفق حاجيات المجتمع والاقتصاد.

على مستوى الاتحاد الأوروبي، لا تزال سياسة الهجرة تعاني من غياب التنسيق والتجانس، رغم تشديد بروكسيل لهجتها بخصوص الهجرة غير النظامية. فقد سجلت وكالة «فرونتكس» تراجعًا بأكثر من 25% في عدد عمليات الدخول غير النظامية سنة 2025، خاصة عبر طريق البلقان، في حين ظل حوض البحر الأبيض المتوسط، ولا سيما ليبيا، أحد المسارات الرئيسية للهجرة.

في المحصلة، تكشف التجربة الأوروبية أن الهجرة لم تعد مسألة أيديولوجية بقدر ما أصبحت خيارًا اقتصاديًا وديموغرافيًا. غير أن نجاح هذا الخيار يظل رهينًا بقدرة الدول على تجاوز الحسابات السياسية الضيقة، واعتماد مقاربة واقعية توازن بين ضبط الحدود وتلبية حاجيات الاقتصاد، وهي معادلة لا تزال فرنسا تجد صعوبة في تحقيقها.