في زمنٍ أصبحت فيه المراكز التجارية فضاءات معولمة بلا هوية صوتية، خرج الفنان المغربي كيمو في فيديو نشره، الأحد 15 فبراير 2026 على صفحته في فيسبوك، ليعبّر عن امتعاض واضح، بسبب سماعه لأغنية مصرية داخل أحد الأسواق "مول"، بينما غابت الأغنية المغربية. وقد تساءل في الفيديو، بنبرة لا تخلو من غيرة فنية :
لماذا لا نسمع في فضاءاتنا التجارية أغنية مغربية أصيلة مثل “الما يجري قدامي” !؟..
المول ليس مجرد فضاء للشوبينغ، إنه فضاء يعيد تشكيل الذوق العام، فما يُبثّ في الخلفية ليس تفصيلا عابرا، بل سياسة ثقافية صامتة، ومن البديهي أنه حين تسود أغان من خارج السياق المحلي، يتكرّس وعيٌ ذوقيٌّ منفصل عن محيطه، وهنا يصبح سؤال كيمو التازي سؤالا عن الهوية السمعية :
من يقرّر ما نسمعه ونكتفي نحن بالاستهلاك في غفلة من الزمن ؟ ..
وهل يُعقل أن تُقصى الأغنية المغربية من الفضاء العام !؟.
قد يُقال إن اختيار الأغاني تحكمه “قابلية الانتشار” أو “الترند”، لكن الانتشار ليس معيارا وحيدا للمشروعية الثقافية.
لقد راكمت الأغنية المغربية مدارس وأصواتا وتجارب راقية وملهمة، من الطرب العصري إلى الشعبي والملحون والراي المغربي، وتجاهل هذا الرصيد بدعوى السوق، اختزالٌ ظالم للثقافة في منطق المبيعات.
الغيرة التي عبّر عنها الفنان كيمو، يمكن قراءتها بطريقتين :
غيرة فنية على منجز فني محليٍّ لا يجد طريقه إلى الفضاء العام.
وغيرة رمزية على تمثّل المغرب لذاته داخل حدوده الجغرافية.
ليست القضية صراعا مع الأغنية المصرية أو غيرها، فالتبادل الثقافي مشروع ومطلوب، لكن الإشكال هو حين يتحوّل التبادل إلى إزاحة، وحين يصبح المحلي ضيفا في بيته، وهنا تصبح المسؤولية موزّعة عاى إدارات المراكز التجارية التي تختار القوائم الموسيقية وشركات التوزيع والتسويق، التي قد لا تدفع بالأغنية المغربية إلى فضاءات العرض، وأحيانا الفنانون أنفسهم حين لا يستثمرون في استراتيجيات ترويج ذكية.
ليس هناك قرار يفرض بثّ أغنية مغربية كل ساعة، لكن يجب أن يكون هناك وعي ثقافي بأن الفضاء العام جزء من الذاكرة الجماعية.
ومن حقنا أن نطرح سؤال : لماذا لا تكون هناك قوائم تشغيل تُبرز الأغنية المغربية الحديثة والكلاسيكية في الفضاءات العامة والإذاعات والقنوات التلفزبونية !؟
فيديو الفنان كيمو، لم يكن مجرد شكوى عابرة، بل إشارة إلى خلل في التوازن الرمزي. حين يدخل الفنان "مول مغربي" ولا يسمع صدى بلده في الخلفية، فالمسألة ليست موسيقى فقط، بل تعكس سؤالا مهما : كيف نُعرّف أنفسنا في فضاءاتنا العامة !؟..
الأغنية ليست زينة صوتية .. إنها ذاكرة تمشي معنا. وإذا كان “الما يجري قدامي” لا يُسمع في أرضه، فالمشكلة ليست في الماء … بل في القناة التي حُوِّل عنها مجراه.