تُعد صناعة ألعاب الفيديو العالمية اليوم واحدة من أكثر القطاعات الثقافية والرقمية ديناميكية على مستوى العالم، حيث تجاوزت إيراداتها السنوية 300 مليار دولار في عام 2025، وجذبت جماهير من مختلف الفئات العمرية. وعلى الصعيد الإفريقي، يتجلى هذا التوجه بوضوح؛ إذ بلغ حجم سوق ألعاب الفيديو نحو 1.8 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بتجاوزه 2.2 مليار دولار في عام 2025، في ظل هيمنة ألعاب الهواتف المحمولة التي تمثل قرابة 90% من عائدات القارة.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب كفاعل ناشئ في هذا السوق، حيث يُقدَّر حجم السوق الداخلي حالياً بما يتراوح بين 300 و500 مليون دولار سنوياً، مع توقعات بإمكانية بلوغه مليار دولار بحلول عام 2030 إذا استمر معدل النمو الحالي. وترتكز هذه الدينامية على ملايين الشباب الذين يمارسون الألعاب بانتظام، ويتفاعلون بكثافة داخل الفضاءات الرقمية، وينفقون عبر المنصات الإلكترونية، مما يمنح ألعاب الفيديو مكانة متنامية في العادات الثقافية والرقمية للأجيال الجديدة.
وعلى مستوى السياسات العمومية، بدأ المغرب في إدراك أهمية هذا القطاع. ففي إطار قانون المالية لسنة 2026، خصصت وزارة الثقافة والشباب حوالي 170 مليون درهم لدعم قطاع الألعاب والرقمنة، بهدف تمويل برامج التكوين، والحاضنات، ومبادرات هيكلة المنظومة. ويبرز مشروع Rabat Gaming City كأولوية استراتيجية، حيث خُصص له مبلغ إضافي يقارب 360 مليون درهم لإنشاء قطب صناعي وتقني مخصص لإنتاج ألعاب الفيديو والتكوين واستقطاب الفاعلين المحليين والدوليين. وتُستكمل هذه الاستثمارات العمومية بشراكات مع مؤسسات مالية، من بينها صندوق الإيداع والتدبير (CDG) وفروعه الاستثمارية، التي تساهم في تمويل برامج مثل Gamification Lab وVideo Game Incubator.
ويشهد سوق ألعاب الفيديو في المغرب تزايداً ملحوظاً في حضور المستثمرين الأجانب، خصوصاً من أوروبا وآسيا، من خلال مشاركتهم في مشاريع محلية عبر استوديوهات وحاضنات وبرامج دعم عمومية. ولتشجيع هذه الاستثمارات، تقدم الدولة حوافز ضريبية تشمل تخفيضات في الضريبة على الشركات، وإعفاءات جزئية من الضريبة على القيمة المضافة، ودعماً لتوظيف الكفاءات الرقمية الشابة. ومع ذلك، لا تتيح المعطيات العمومية تحديد الحجم الدقيق لهذه الاستثمارات أو صافي الأرباح المحققة، والتي يُعاد جزء منها غالباً إلى الخارج عبر المنصات الدولية. ورغم ذلك، تسهم هذه الاستثمارات بشكل غير مباشر في الاقتصاد الوطني من خلال خلق فرص الشغل، وتطوير المهارات، وهيكلة منظومة رقمية ناشئة.
غير أن هذه الدينامية تخفي عدداً من الثغرات الهيكلية. أولاً، لا توجد قاعدة بيانات عمومية شاملة تحدد المستفيدين من الدعم، وحجم التمويلات الممنوحة لكل جهة، ومعايير الانتقاء المعتمدة. ويزداد هذا الغموض بالنظر إلى أن السوق نفسه لا يُقاس إلا جزئياً؛ إذ إن الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT)، رغم إصدارها تقارير سنوية مفصلة حول استخدام الإنترنت والتقنيات الرقمية في المغرب، لا تصنف ألعاب الفيديو كفئة إحصائية مستقلة. فهي تقيس الولوج إلى الإنترنت، وتجهيز الأسر، والاستعمالات الرقمية العامة — مثل الشبكات الاجتماعية ومقاطع الفيديو والمراسلة — لكنها لا تقدم بيانات دقيقة حول عدد اللاعبين، ومتوسط زمن اللعب، والمنصات المستخدمة، أو حجم الإنفاق داخل الألعاب. وغياب هذه المعطيات يحرم النقاش العمومي من قاعدة معلومات صلبة لفهم الأثر الحقيقي للقطاع.
ثانياً، يعاني القطاع من غياب إطار قانوني مخصص، مما يضعه في حالة فراغ تنظيمي. فقد أشارت مؤسسات مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE) ومجلس المنافسة إلى أن وتيرة الرقمنة تتجاوز تطور الأطر القانونية، غير أنه لم يصدر إلى حدود الساعة أي تقرير قطاعي مفصل حول ألعاب الفيديو. ويتجلى هذا القصور في غياب نظام وطني رسمي لتصنيف الألعاب حسب العمر والمحتوى، على غرار نظام PEGI في أوروبا أو ESRB في الولايات المتحدة، رغم أهمية هذه الآليات في حماية المستخدمين القاصرين. كما لا توجد قواعد واضحة تنظم المعاملات الصغيرة داخل الألعاب، والرياضات الإلكترونية، ومنصات البث، وشفافية التدفقات المالية، وهي مجالات تخضع لتنظيم صارم في أسواق أخرى.
ورغم أن قطاع ألعاب الفيديو في المغرب لا يزال في طور التشكل، فإنه يساهم بالفعل في خلق فرص عمل ضمن عدة مجالات استراتيجية للاقتصاد الرقمي، مثل تطوير الألعاب، والتصميم التفاعلي، والرسوم المتحركة ثنائية وثلاثية الأبعاد، والتسويق الرقمي، وإدارة المجتمعات الإلكترونية. كما توفر البرامج التكوينية المتخصصة، سواء في الجامعات أو مؤسسات التكوين المهني، كفاءات قادرة على تلبية حاجيات الاستوديوهات المحلية والفروع الدولية. غير أن غياب إحصاءات عمومية مجمعة يظل عائقاً أمام تقييم العدد الحقيقي للوظائف المحدثة وتوزيعها الجغرافي ومستويات الأجور.
ويكمن التحدي المركزي في الحكامة الاستراتيجية للقطاع، المرتبطة بقضية أوسع تتمثل في السيادة الرقمية الوطنية. ففي عدة دول، تضطلع الدولة بدور محوري كمستثمر ومنظم ومخطط استراتيجي. ففرنسا، على سبيل المثال، تدعم إنتاج ألعاب الفيديو عبر المركز الوطني للسينما والصورة المتحركة من خلال ائتمان ضريبي خاص، مع منظومة تصنيف وحماية واضحة. وفي كوريا الجنوبية، تُعد صناعة الألعاب قطاعاً استراتيجياً وطنياً يحظى بحكامة قوية وبنية تحتية متقدمة. أما كندا، فقد نجحت الحوافز الضريبية الجهوية في استقطاب استوديوهات دولية وبناء صناعة تنافسية. وتُظهر هذه التجارب أن تحقيق السيادة الرقمية يتطلب سياسة عمومية مندمجة تجمع بين التنمية الاقتصادية والتنظيم القانوني والحماية الاجتماعية.
في المغرب، يبدو الوضع حالياً هجيناً: فمن جهة، توجد مبادرات قطاعية مهمة — مثل الميزانيات المخصصة وبرامج الحاضنات والمشاريع التجريبية — لكنها تظل مجزأة وضعيفة التنسيق. ومن جهة أخرى، تتضمن استراتيجية المغرب الرقمي أهدافاً شمولية طموحة، مثل تطوير مهارات الشباب الرقمية وتعزيز الابتكار والإدماج، لكنها لم تتحول بعد إلى خارطة طريق تشغيلية واضحة خاصة بقطاع ألعاب الفيديو.
وتطرح هذه الوضعية أسئلة مشروعة للنقاش العمومي: من هم المستفيدون الفعليون من التمويلات العمومية؟ ما حجم المبالغ الممنوحة لكل فاعل، وبأي مردودية؟ إلى أي حد تندرج الاستثمارات الأجنبية ضمن حكامة وطنية منظمة؟ وكيف يمكن التوفيق بين تشجيع الابتكار وخلق فرص الشغل من جهة، وتنظيم المحتوى الرقمي وحماية الشباب من جهة أخرى؟
ولتمكين المغرب من استثمار الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لألعاب الفيديو بشكل كامل، يصبح من الضروري تجاوز حالة الغموض الحالية، عبر إنتاج إحصاءات موثوقة، وإرساء إطار تنظيمي ملائم، وضمان شفافية التمويلات، وتحديد رؤية استراتيجية وطنية واضحة مدعومة بإجراءات قطاعية عملية. وبدون ذلك، سيظل القطاع مجزأً وصعب القياس من حيث أثره على التشغيل والتنافسية ورفاه الشباب المنخرط في العالم الرقمي.
خديجة الكور، رئيسة منظمة النساء الحركيات