dimanche 15 février 2026
كتاب الرأي

عبد السلام بنعبد العالي: الأغلبية والأقليات

عبد السلام بنعبد العالي: الأغلبية والأقليات عبد السلام بنعبد العالي

نقرأ في كتاب "ألف بساط" لـدولوز وغواتاري: "لا يرفع الزنوج الأميركيون لغة الزنج ضد الإنكليزية، وإنما يجعلون من الأميركية، التي هي لغتهم، إنكليزية زنوج. لا وجود في ذاته للغة الأقلية. بما أنها لا توجد إلا نسبة للغة أغلبية، فإنها تشكل استثمارات لهذه اللغة كي تغدو هي ذاتها أقلية".

ليس ضرورة أن تكون الأقلية أقل عددا من الأكثرية. ربما العكس هو الأصح. وما ذلك ربما إلا لأنه لا علاقة للأقل والأكثر هنا بالكم والعدد. فقد يكون التفاضل نسبة إلى القوة والسلطة، لكنه يكون دوما قياسا إلى معيار. هذا المعيار هو الذي يحدد الأغلبية، فيرمي بالأقليات "خارجا".

لهذا المعيار تاريخ بطبيعة الحال، وله علاقة بالثقافة التي ينمو في حضنها. لكنه اليوم يريد أن يكون "كونيا"، فيجعل نمطا ثقافيا واحدا يضع الخط الفاصل بين الأغلبية والأقلية.

 

للتسجيل في النشرة البريدية الاسبوعية

يتخذ المعيار اليوم صورة الرجل الأبيض الذكر العاقل الذي يقطن المدن ويتحدث لغة بعينها. نسبةً إلى هذا المعيار تتحدد الأغلبية، بل تتعين "الطبيعة البشرية". ونسبة إلى هذه الأغلبية تقوم الأقليات المختلفة في اللون والجنس واللغة.

النموذج-المعيار ليس ما تصنعه الأغلبية، بل هو ما تصنع الأغلبية به نفسها. ذلك أن الأغلبية ليست هي التي تفرض النموذج وتكرسه، بل إنها تفترضه فتقدم نفسها وفقه. فهو الذي يؤسس، وهو الذي يقيم الحد والحدود. النموذج هو الشرط المسبق لأي تحديد لاحق، وهو الذي يسبق حتى فكرة التصنيف بين أغلبية وأقلية. هذا النموذج يتمتع بسبق قيمي ومنطقي وزمني: سبق زمني، لأنه حاضر قبل تشكل الجماعات، وسبق منطقي، لأنه ما يجعل المقارنة والتصنيف ممكنين أصلا. وأخيرا سبق وتقدم قيمي، لأنه يعطى هالة من "الطبيعي"، و"المرغوب"، و"الصحيح"، فيغدو أداة إقصاء لأي خروج عنه. ولذلك يقول دولوز: "إن الأغلبية ليست مجرد رقم كبير"، بل هي "ما يعرف انطلاقا من نموذج مهيمن: الذكر، الأبيض، العقلاني، المتكلم بلغة أغلبية".

بل إن فوكو يذهب إلى قوله إن الأغلبية ليست "واقعا موضوعيا" بل نتاج للخطاب والسلطة. إن ما يعتبر "أغلبية" هو ما ينتج باعتباره طبيعيا، منطقيا، صحيحا، أخلاقيا، عبر مؤسسات الدولة، والعلم، والمدرسة، والطب.. يصدق هذا كذلك حتى على الأقلية، فهي أيضا لا تقصي فقط بالعدد، بل بإنتاج خطاب يصورها "غير طبيعية" أو منحرفة أو خطيرة.

الأغلبية إذن مرتبطة ببنية سلطة. أما الأقليات، فهي التي يرمى بها خارجا: خارج المدينة، وخارج اللغة، بل خارج الوطن في بعض الأحيان. غير أن هذه "الخارجية"، حتى وإن تجسدت في المكان، فهي تظل خارجية سطحية؛ ذلك أن علاقة الأقليات بالأغلبية ليست في العمق علاقة مكانية، ليست علاقة داخل بخارج بقدر ما هي علاقة هامش بمركز.

نعلم أن الهامش والمركز لا يتحددان تحديدا مكانيا، فالهامش ليس هو ما يوجد "تحت" ولا ما يمكث في "الأطراف". إن علاقة الهامش بالمركز ليست علاقة داخل بخارج. فالهامش لا يوجد في منأى عن المركز مستقلا عنه، بل هو دائما مشدود إليه، إلى حد أنه يمكننا أن نقول إنه المركز ذاته في تصدعه وابتعاده عن نفسه. فهو ما يشكل فضيحة المركز، وما يكشف عن خلل ما يدعيه من مركزية. الهامش هو الحركة التي تشهد أن كل داخل ينطوي على خارجه، وأن المنظومة تنطوي على ما يفضحها. إنه القوى المتنافرة، والتوترات التي تصدع المركز وتزحزحه عن ثباته.

ومثلما أن علاقة الأقليات بالأغلبية ليست علاقة خارج بداخل، فهي أيضا ليست علاقة كل بأجزاء. لهذا قلنا إن التصنيف هنا لا علاقة له بالعد والتكميم. ربما كان عدد السود أكبر بكثير من عدد البيض، وربما كان سكان الأطراف أكثر عددا من سكان المدن، وربما كان عدد الإناث أكبر من عدد الذكور، وربما كان صغار السن أكثر عددا من البالغين، إلا أن الأغلبية تبقى لمن يحقق النموذج، أو لنقل، على الأصح، لمن "يحققه" النموذج. "بما أن الأغلبية، من حيث إنها تدخل ضمن النموذج المجرد، فإنها لا تكون قط أحدا. إنها دائما لا أحد (أو ليس)، في حين أن الأقلية، هي صيرورة الجميع، صيرورتهم الممكنة من حيث إنها تبتعد عن النموذج وتنحرف عنه. هناك (واقع) أغلبي، إلا أنه الواقع التحليلي للّا أحد، الذي يقابل الصيرورة الأقلية للجميع".

ولكن، أين تتم الحركة وأين تكمن الصيرورة؟ أين يظهر التحول؟ لن يكون ذلك بطبيعة الحال، في مستوى النموذج. ذلك أن النموذج مثال، إنه معيار عليه تقاس الأمور، بدلالته تصنف المراتب، وهو مركز تدور حوله الأطراف. ما يميزه هو الثبات. فلن يكون التحول في مستوى الأغلبية، لأن هذه، عندما تعتقد أنها تجسد النموذج، لا ترى ما تصبو إليه بعد ذلك، لذا فإنها "لا تصير".

إذا كانت الأغلبية "لا تصير"، كما يقول دولوز، فإن الصيرورة تبقى للأقليات. بما أن الأقلية هامش، فهي فضاء الحركة والتحول، مجال الوعي المطلبي، فضاء الصيرورة. فرغم "قوة" الأغلبية، فإنها تظل مفعولا بها، وليست فاعلا حقيقيا، لأنها تتماهى مع نموذج مسبق، فتعيد إنتاجه، فهي خضوع طوعي لشكل جاهز من الوجود. وهنا الفرق العميق: فبينما الأغلبية تكرر وتستنسخ، فإن الأقلية تبدع وتتحول، تهرب، تشق مسارا جديدا. ولهذا، فـ"الصيرورة الأقلية" ليست دعوة إلى الانعزال، بل إلى التحول الدائم، إلى فك الارتباط بالنماذج الثابتة. إن التعبير: علينا أن نصير أقليات، يعني أن نتحرر من التماثل مع النموذج المهيمن، لا لنصبح ضده، وإنما لكي نفتح خطا للهروب.

إذا كانت الأغلبية لا تصير، لكونها لا تصبو إلى تحقيق نموذج، ما دامت هي النموذج نفسه، فإن الأقليات تنشد التحول، ولكن لا لتغدو هي المركز ذاته، وإنما لتقضي على المركزية. الأقلية إمكان تحويلي. هي كيفية وجود خارجة عن النموذج السائد، هي قوة تفكيك ومقاومة، قدرة على "التحول"، وفتح إمكانات جديدة للفكر والحياة. فالأقلية لا تنشد الاستبدال، بل الزعزعة، لا تسعى إلى المركز، بل إلى تفكيك المركزية ذاتها. الأقلية ليست نقيض الأغلبية، بل سعي وراء نفي للثنائية نفسها. الأقلية لا تتحرك داخل ثنائية أغلبية/أقلية لتتبادل المواقع، بل لتنسف منطق الثنائية ذاته. فهي لا تقول: "نحن الطرف الآخر"، بل تقول: "ليس هناك مركز، ولا معيار، ولا طرفان متقابلان، بل شبكة من الاختلافات المتحركة". إنها تهدف إلى فضح أسس المعيار الذي يعمل كنموذج، وهي لا تصبو أن تكون الطرف الآخر للثنائي، لا تصبو أن تصبح الذكورة بدل الأنوثة، أن تغدو الأبيض بدل الأسود، السيد بدل العبد.. يصدق هذا على كل من يصيح بصوت الأقليات، وذلك بهدف خلخلة المعيارية التي تقسم العالم وفق ثنائيات، فتضع نفسها جهة الإيجاب لترمي بالباقي في هاوية السلب.

هنا بالضبط تكمن قوتها: هي لا تدخل في لعبة المركز لتفوز بها، بل تكشف أنها لعبة مصطنعة، مؤسسة على ما هو غير مرئي: الافتراض، النموذج، المعيارية، البنية اللا واعية للتمثل. الأقلية تقول: لا أريد أن أصبح السيد، بل أن أفكك السيادة ذاتها. لا أريد أن أكون معيارا، بل أن أظهر زيف فكرة المعيار ذاتها.

من هنا يمكن القول إن فكر الأقلية يطمح إلى عالم لا يحكمه التماثل، بل الاختلاف الفعال، عالم تفتح فيه الذوات على الصيرورة بدل الهويات الثابتة. نقرأ في كتاب "ألف بساط": "هناك صيرورة كونية للوعي الأقلي، كصيرورة للجميع، وهذه الصيرورة هي الإبداع. ولا يتم بلوغها بإدراك الأغلبية واللحاق بها. هذه الصورة هي بالضبط التحول المستمر، كسعة لا تنفك تفيض وتتجاوز العتبة التي تمثل النموذج الأغلبي. عندما نقيم صورة وعي كوني أقلي، فإننا نتوجه نحو قوى صيرورة تمت بالصلة لمجال آخر غير مجال السلطة والهيمنة. إنه التحول الدائم هو الذي يشكل صيرورة-الأقلية للجميع، في مقابل الواقع الأغلبي للا أحد. تسمى الصيرورة الأقلية كصورة كونية للوعي استقلالا ذاتيا".

إننا لا نغدو ثوريين إن نحن استعملنا لهجةً بوصفها لغة أقلية، أو إن تقوقعنا داخل نزعة إقليمية أو فضاء منغلق، كما أننا لا نبتدع صيرورة نوعية مستقلة بذاتها بعيدة عن كل التوقعات إلا باستعمالنا لكثير من عناصر الأقلية، عاملين على خلق الترابط فيما بينها وضم بعضها إلى بعض.

عن مجلة" المجلة