lundi 16 février 2026
كتاب الرأي

أحمد الحطاب: الأغلبية السلطوية

أحمد الحطاب: الأغلبية السلطوية أحمد الحطاب

عنوان هذه المقالة، المقصود منه هو أن الأغلبيةَ البرلمانيةَ المُشكَّلةَ من ثلاثة أحزابٍ سياسية هي التَّجمُّع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمُعاصرة وحزب الاستقلال وبزعامة الأحرار. علما أن الأحرار حصلوا على 102 مقعد في مجلس النواب، الأصالة والمعاصرة على 87 مقعداً والاستقلال على 81 مقعدا، أي ما مجموعُه 270 من أصل  مقعدا395، أي أغلبية مريحة. فلماذا قلتُ، في عنوان هذه المقالة، إن هذه الأغلبية "سلطوِية"؟

 

أغلبية سُلطوية، لأنها، بكل بساطة، تريد أن تفرِضَ على الشعب المغربي إرادتَها السلطوية، من خلال التَّشريع وتدبير القضايا الاجتماعية. وهذا، في نظري، ناتجٌ عن خلطٍ أو عن سوء فهم مُتعمَّدٍ لما جاء به الدستور. الدستور يقول إن صاحب الجلالة، ملِك البلاد، يُعيِّن رئيس الحكومة من الحزب الذي حصل على أكبر عددٍ من المقاعد في مجلس النواب. غير أن الأحزاب الثلاثة المُشكِّلة للأغلبية البرلمانية تعمَّدوا الخلطَ بين الأغلبية، من مُنطلقٍ سياسي، والأغلبية، من مُنطلِقٍ عددِي (رقمي). فظنت الأحزاب الثلاثة أنها فرصة لبسط نفوذها ليس، فقط، على الأحزاب السياسية المُمثَّلة في مجلس النواب، بل، كذلك، على الأحزاب السياسية الأخرى غير الممثلة في مجلس النواب، وعلى الشعب المغربي. فراحت تستغِل أغلبيتَها المريحة لمحاولة تمرير القوانين التي تُسيء للبلاد والعباد وتضرب عرضَ الحائط كلِّ المبادئ والقيم الديمقراطية.

 

والأمثلة الصَّارخة، في هذا الصدد، كثيرة، أكتفي بذكرِ البعض منها : سحب القانون الذي الذي يُدين الاغتناء غير المشروع، إضراب طلبة كليات الطب، محاولة إعطاء صيغة قمعية واستبدادية لقانون الصحافة وإضراب المُحامين.

 

فيما يخصُّ سحبَ القانون المُدين للاغتناء غير المشروع من قبَّة البرلمان، هل يُعقَل أن أحزاباً سياسيةً تدَّعي أنها ديمقراطية وتسعى إلى إرساءِ قواعدِها ومبادئها وقِيمِها، في تدبير الشأن العام، أن تسحبَ من المناقشة البرلمانية قانوناً يسير ضدَّ ما تدَّعيه وما تسعى إليه. أقل ما يُقال عن هذا النوع من الأحزاب السياسية أن أفكارَها تتناقض مع أفعالِِها. وبالضبط إنها أحزاب سياسية مُنافقة.

 

فيما يخصُّ قانون الصحافة، واضحٌ أن الاغلبية الحالية لا تريد الحِوارَ مع الأطراف المعنية.  ما يهُّمها، هو وصول هذا القانون إلى مرحلة التَّصويت، فتتبنَّاه الأغلبيةُ وينتهي الأمر. غير أنه سرعان ما فُضِحَ نفاق الأغلبية وسرعانَ ما فُضِحَ سوءُ نيَّتها. إذ تمكَّن أحد الصحفيين من الحصول على فيديو بيَّن سوء النِّية هذا فاضِحا ما كان يُدبَّر في الكواليس من تطاولٍ على حرية الصحافة والتَّعبير. وأكثر من هذا وذاك، المحكمة الدستورية  رفضت مشروعَ القانون وأقرَّت عدمَ تلائمِه مع مقتنيات الدستور. إن دل هذا الرفضُ على شيءٍ، إنما يدل على على سوء نية الأغلبية الحالية التي أساسُه الاستبداد والطُّغياب.

 

فيما يخصُّ إضراب طلبة كليات الطب والمُحامين، واضِحٌ، كذلك، سوءُ نية الأغلبية الحالِية وعدم رغبتِها في الحوار  مع الأطراف المعنية. وطول مدة الإضراب هو الذي كاد أن يؤدي إلى سنةٍ بيضاء بالنسبة لطلبَة كليات الطب، وتعطيل المحاكم بالنسبة للمُحامين. لو أعطت الأغلبية الحالية الأسبقية للحوار المنصوص عليه في الدستور لتفادينا تعطيلَ الدراسة وركود المحاكم. لكن الأغلبية البرلمانية والحكومية كانت ولا تزال مُصمِّمةً على فرض إرادتِها على الجميع، أبى مَن أبى وكرِه مَن كره.

 

إن هذه التَّصرُّفات، من مُنطلقٍ دستوري، أي اعتماداً على ما ينصُّ عليه هذا الدستور من مبادئ تخصُّ التَّدبيرَ الشَّفافَ للشأن اعام، الحكومة الحالِية التي يترأسها حزب الأحرارُ، حكونةٌ فاشلةٌ. وفشلُها هذا راجع، كما سبق الذكر، إلى اعتبار الانتخابات التَّشريعية مطيةً عددية un tremplin numérique وليس كخُطوة أولى نحو إرساءِ قواعدِ تدبيرٍ ديمقراطي للشأن العام. وهذا يعني أن الأغلبيةَ، هي،فقط، وسيلة عددية لفرض الإرادة والظلم والطُّغيان.

 

واعتبار الحكومة الحالية وأغلبيتُها البرلمانية.، فاشِلتين، فهذا الفشل ليس، فقط، في القضايا السالِفة الذكر أعلاه. بل إن الفشل صار مألوفاً، تقريباً، في القضايا الأخري التي تتعلَّق بالحياة اليومية للمواطنين. فشلت أمامَ غلاء المعيشة، وفشلت أمام ارتفاع أسعار المحروقات التي لم تعرف انخِفاضاً ملحوظاً، رغم انخفاض سعرِ برميل النفط في السوق الدولية. بل وفشلت في محاربة الفساد الذي ازداد حدَّةً وانتشاراً في عهدِها. بل إن الأغلبية العددِية تآمرت على الرئيس السابق للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته، السيد الراشدي الذي أعرفه شخصيا، وهو رجلٌ نزيهٌ وذو أخلاق عالية. وفشلت في الحوار مع الأساتذة ولم تدلِ بأي تعليق أمام غرق الغرب من جراء الفيضانات. التزمت صمتاً رهيبا، هي ورئيسها. ولولا المبادرة الملكية لتعويض ضحايا الفيضانات، لاستمرار الوضع على ما هو عليه…

 

ناهيك عن محاربة البطالة وإنعاش التشغيل وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتدهور جودة المنظومتين الصِّحية والتَّعليمية… كل هذه القضايا لها كلفة مالية تضيع على خزينة الدولة، وبالتالي، تنعكس، سلباً، على الثروة التي تُنتِجها البلاد وعلى نسبة النمو الاقتصادي. إن شئنا إنها حكومة بعيدة كل البعد عن طموحات الشعب المغربي وعن تطلُّعاته. وهذا البُعد هو الذي سيٌجبِر، مرَّةً أخرى، هذا الشعب على البقاء في قاعة انتظارٍ كبيرة جدا إلى أن تُمطرَ عليه السماء الرحمةَ والفرجَ. فهل سيخرج الشعبُ المغربي، ولو جزئياً، من قاعة الانتظار التي طال انتظارُه فيها منذ بداية الستينيات؟ وبعبارةٍ أخرى، هل سيخرج الشعبُ المغربي  من قاعة الانتظار هذه، ولو جزئياً، ابتداءً من الانتخابات التَّشرعية المُقبِلة؟