mercredi 11 février 2026
كتاب الرأي

منير لكماني: ضمير الجوار

منير لكماني: ضمير الجوار منير لكماني

تأتي المحنة بغتة، فتقلب ترتيب الأشياء، وتختبر ما نظنه ثابتا فينا. حين يضيق المكان ويعلو الخطر، لا يبقى للإنسان سوى إنسان آخر، لا يسأله عن إسمه ولا عن طبعه، بل يمد له ما إستطاع: يدا، أو وقتا، أو سقفا، أو كلمة تثبت القلب. تلك اللحظات لا تمنحنا مشهدا مؤثرا فقط، بل تكشف معدن البيوت، وصدق الروابط، وحدود ما بنيناه من إستعداد.

 

شرارة

يبدأ كل شيء بحركة صغيرة: جار يلاحظ، فينادي، ثم يخرج آخر، ثم تتسع الدائرة حتى تصير الشوارع ورشة طوارئ. تتجمع أدوات بسيطة، لكنها تصير وسائل نجاة: حبال، مصابيح، أغطية، ماء ساخن، وشيء من الطعام. ومع تزايد الحاجة يتشكل تقسيم غير مكتوب للمهام: من يفتح الممرات، من يراقب الأطفال، من يرافق كبار السن، من يجمع الدواء، ومن يبحث عن المفقودين.

 

تدبير

المثير أن هذا التحرك لا يبقى فوضى طويلا. تظهر بسرعة قيادة من نوع خاص: قيادة الخبرة لا السلطة. شخص يعرف المسالك يوجه السير، وآخر يفهم المخاطر يمنع التهور، وامرأة خبيرة بتدبير البيت تنظم الأكل والأغطية. هكذا تولد شبكة عمل من داخل الحي نفسه، قائمة على الثقة والسمعة الطيبة، لا على الأوامر العالية.

 

كرامة

كثير من المشاركين يفضلون الصمت على الإستعراض. يساعدون لأن ترك المحتاج وحيدا يجرح الضمير، ولأن الجوار عندهم عهد لا شعار. يتضح هنا معنى الوقار من دون ضجيج: حماية الضعيف، ستر المتضرر، واحترام البيوت. حتى الكلمات تصبح محسوبة: لا فضول جارح، لا أسئلة محرجة، بل طمأنة رقيقة تحفظ الوجه وتخفف الخوف.

 

ضرورة

حين ترتفع حدة الخطر، لا تكفي النية الحسنة وحدها. يحتاج الناس إلى قرارات سريعة: أين نجمع الأسر؟ كيف نؤمن مخرجا أمنيا؟ من يحمل الأدوية؟ من يتصل بالخدمات؟ تظهر مهارة التقدير: لا إقتراب من مجرى خطر، لا إندفاع بلا حبل، لا دخول بيت مهدد بلا رفقة. هذا العقل العملي ينقذ أرواحا مثلما تنقذها الشجاعة.

 

فجوة

غير أن مشهد النجدة يجر معه سؤالا ثقيلا: لماذا وصل الخطر أصلا إلى عتبات البيوت؟ هل البنية قادرة على تصريف الماء؟ هل الصيانة منتظمة؟ هل البناء يحترم طبيعة الأرض؟ حين يتحول سكان الحي إلى خط دفاع أول، فذلك دليل قوة فيهم، لكنه أيضا إشارة إلى ثغرة في الوقاية. الكرم لا ينبغي أن يكون بديلا عن الاستعداد، ولا يجوز أن تتحول النجدة إلى عادة موسمية.

 

ميزان

مع تراكم المساعدات تظهر تحديات دقيقة. قد تصل الأغطية أكثر من مرة إلى بيت معروف، بينما يغيب بيت بعيد عن الأنظار. وقد يختلط الخير بتسرع التوزيع، فتظهر حساسية إجتماعية لا يحبها أهل الوقار. الحل ليس إطفاء المبادرة، بل تهذيبها: سجل واضح للإحتياج، نقطة تجميع معلنة، فريق للتسليم، وتوثيق بسيط للمصروفات. التنظيم هنا يحمي الكرامة، ويمنع الشك، ويضمن أن يصل العون إلى من يستحي أن يطلب.

 

ذاكرة

بعد هدوء الحال يعود الناس إلى يومهم، وتبدأ طبقة النسيان بالتمدد: تنظيف، إصلاح، وترميم. لكن التجربة إذا بقيت مجرد حكاية ستكرر نفسها. المطلوب تحويل الأثر إلى معرفة: تدريب إسعافات أولية، دروس مدرسية عن السلامة، خريطة مخاطر مبسطة للحي، وإتفاق مسبق على أرقام إتصال ومسارات إخلاء. حين تصبح هذه الأمور جزءا من الحياة اليومية، يقل ثمن المفاجأة.

 

عبرة

هل يكفينا الإنبهار بدفء التكافل، ثم نمضي كأن جذور الأذى لا تعنينا؟ كيف نحفظ العطاء من يد تستعمله سلما، ومن عين تفتش عن التصفيق؟ كيف نصون ستر المتضرر حين تتزاحم الصور وتعلو الأصوات؟ وسؤال أخير لا يترك الأبواب تنام: إذا كانت المحنة قد برهنت أن الجوار قادر على صنع معنى يرفع الناس، فهل نحوله إلى وقاية راسخة في العادة، أم نؤجل كل شيء حتى تعود الفوضى من جديد؟