في هذا الحوار الحاد مع السعيد الطاهري، نقيب هيئة المحامين بخريبكة، ينتقد مشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66.23 الذي يثير جدلاً واسعاً في المغرب، معتبرا إياه تراجعا يمس باستقلال المهنة وحقوق المتقاضين.
من بين مؤاخذاتكم على مشروع قانون مهنة المحاماة: توسيع المساطر الشفوية أو السماح للمواطن بتمثيل نفسه في المحاكم، لماذا ترفضون ذلك، وهل الرفض مرتبط بتقليص مداخيل المحامي في قضايا قد يدافع فيها المتقاضي عن نفسه؟
مؤاخذتنا في هذه المسألة لا تتعلق بتوسيع المساطر الشفوية، لأن ذلك تم في قانون المسطرة المدنية وليس في مشروع قانون المهنة، ولكن الأمر أعمق من ذلك ويتعلق بالدفاع عن حق المواطن في اللجوء المستنير والمتبصر للعدالة، لأن القول بكون الشخص المثقف أو الذي له معلومات بإمكانه الدفاع عن نفسه ليس قولا دائما صحيحا، بحيث أن التقاضي يتم بسلوك مساطر وفق شروط وأجال محددة يترتب عن عدم احترامها ضياع الحق، وهذا هو ما يقع فعلا في واقع الحال، بحيث أن غير المحامي ليس بإمكانه إثارة الدفوع أيًا كان نوعها في الوقت المحدد، ولا سلوك الطعون المناسبة، ولا الدفاع عن الحق وفق المساطر المتاحة. وخير مثال على ذلك مسطرة التعرضات ضد مطالب التحفيظ، حيث اعتبرها المستعمر شفوية لا تستلزم تنصيب محامٍ للوصول إلى سلب المغاربة ممتلكاتهم آنذاك، واستمر اعتبار تلك المساطر شفوية إلى يومه رغم خطورتها، حيث يمكن أن يترتب عنها فقدان حق الملكية دون إمكانية تدارك ذلك باعتبار المساطر المذكورة مساطر خاصة، والقضاء متشدد في تطبيقها من حيث أجل التعرض والإثبات وطرق الطعن؛ وهناك أشخاص كثيرون فقدوا ممتلكاتهم لمجرد الخطأ عند التعرض أو مناقشة الحجج.
السؤال المطروح: إذا كان المعيار هو كون الشخص قادر على الدفاع عن نفسه، فلماذا لا يُفتح المجال لهذا الشخص أن يحرر عقد البيع بنفسه بدل أن يُلزم بتحريره لدى جهات محددة قانونا، أو أن يضع بنفسه تصميما لبنائه بدل أن تتكلف به جهات أخرى، رغم أن التطور التكنولوجي يسهل ذلك على المواطن؟ فالمبرر أو المعيار ليس صحيحا، ونحن طرحنا بديلا هو تقديم المساعدة القضائية لضمان الولوج المستنير، وبالتالي فمبرر المشرع في المشروع غير صحيح ولا يهدف إلى الدفاع عن المواطن.
رغم التشديد في صندوق حساب الودائع، لوحظ أن المشروع يشدد الرقابة على أموال الموكلين عبر حسابات المحامين وصندوق الودائع، ألا يعتبر ذلك خطوة للشفافية، وقطعا للطريق أمام بعض الاختلالات في تدبير الحسابات المالية؟
قبل أن أجيب على هذا السؤال، يحق لنا أن نتساءل عن مبرر تعديل المادة 57 من القانون الحالي، لأن الهدف من التشريع، إذا لم يكن لمعالجة معطى مختل، فيجب أن يكون لتطوير النص وليس الارتداد عليه. منذ سنة 2008، لا يطرح أي إشكال بالنسبة للودائع، فهي تحت إشراف هيئات المحامين وليست تحت إشراف المحامين، وهي مودعة بمؤسسات بنكية خاضعة للرقابة، والمواطن يتسلم ما ينوبه بكل مرونة ويسر، والمحامي لا يتسلم إلا أتعابه التي وافق له عليها الموكل أو حددها له النقيب تحت رقابة الرئيس الأول لدى محكمة الاستئناف في حال منازعة الموكل. إذن، أين هو المشكل أو المعطى المختل الذي يهدف المشروع إلى معالجته؟ ثم إن النقاش المثار بخصوص هذه المسألة مخالف لما جاء في المشروع نفسه في المادة 75، التي لم تأتِ بأي جديد بخصوص الرقابة أو تشديدها، بل الجديد كان على مستوى الإيداع التلقائي للمبالغ العائدة للموكلين بهذا الصندوق من طرف الإدارات العمومية وشبه العمومية والمؤسسات والشركات، وهو اتجاه يطرح أكثر من علامة استفهام وغايته غير واضحة.
كيف يمكن تحديد الأتعاب دون أن تكون مزاجية أو مرتبطة بالنقيب؟
أعتقد بأن مثل هكذا نقاش بخصوص قرارات تحديد الأتعاب الصادرة عن النقباء، الغاية منه هو تشويه صورة المحاماة والمؤسسات، أو على الأقل وسمها بعدم الثقة. لأن قرارات تحديد الأتعاب تتم تحت رقابة الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف، والنقباء غالبًا ما يكون تحديدهم مراعيًا مع قرارات القضاء، وبالتالي فالقول بأن التحديد يتم وفق مزاجية النقيب يغفل هذا المعطى، وقد يصل إلى أنه يصف قرارات القضاء بشأن قرارات تحديد الأتعاب بنفس الوصف، وهو ما لا يستقيم.
هل الدفاع عن انتزاع صياغة العقود من الكتاب العموميين والعدول والموثقين، يعكس رغبة في تجويد العقود أم في فرض واجبات مالية إضافية على كل معاملة؟
الأمر يتعلق بحق مكتسب، والمحامي في جميع القوانين المقارنة يحرر تلك العقود لأنه مؤهل لذلك، ولا يمكن نزع هذا الاختصاص لمجرد بعض التجاوزات من قلة من المحامين مدى، والا فإنه يجب سلوك نفس الأمر مع باقي محرري العقود، لأن التجاوزات في كل المجالات وهي مجرد استثناءات يجب معالجتها بالجزاء الذي ليس حتما هو الحرمان من التحرير؛ وبالتالي فالتقليص من مجال العمل غير مقبول، سيما مع ارتفاع عدد الوافدين، إذ لا يمكن رفع عدد المحامين والتقليص في نفس الوقت من مجال عملهم.
اعتبرتم محاولة المشروع حماية هيبة القضاء مساسًا باستقلاليتكم وحصانتكم، كيف ذلك؟
الأمر لا يتعلق بمحاولة حماية هيبة القضاء، لأن هيبة القضاء تتحقق باحترام أحكامه وتنفيذها، ونحن نعلم من يتلكأ في تنفيذها. المحامون يحترمون القضاء، والمادة 58 من القانون الحالي كفيلة بحماية ذلك، ولكن المادة 77 من المشروع فعلا تمس باستقلالية وحصانة المحامي الذي يُراد له أن يكون محاميًا ضعيفًا وخانعًا، بخلاف ما هو عليه في جميع الدول الديمقراطية حيث ينبغي أن يكون المحامي قويا و مستقلا ومحصنًا؛ وأن جعل هيبة القضاء مرتبطة بعدم ارتكاب الإخلال دون تحديد ماهية هذا الإخلال وتركها للسلطة التقديرية هو أكبر مساس بحق الدفاع وإضعاف صريح له ومحاولة لكبحه عن الدفاع عن موكله وفق ما يجب؛ وأجزم أنه لا مبرر لتعديل المادة 58 من القانون الحالي، لأنها تفي بالغرض وأكثر.
كيف تنظرون إلى إلزام المحامي بتحرير عقد اتفاق رسمي على الأتعاب والإجراءات مع الموكل، وهل يُعتبر هذا إجراء يحمي المحامي أم يحد من امتيازاته المادية؟
إذا كان المقصود من هذا الإجراء هو الأتعاب، فإنه إجراء لا يحمي لا المحامي ولا الموكل، طالما أن المادة 58 من المشروع تتيح المنازعة في المتفق عليه أمام النقيب، وبالتالي فهو غير ذي حجية ويمس بأهم مرتكزات المحاماة، ولا يراعي خصوصية المجتمع المغربي حيث يلجأ للمحامي قبل الجلسة مباشرة أو من طرف الأب أو الأم أو القريب نيابة عن الابن أو الصهر الذي يتوصلون عنه باستدعاء لدعوى وهو مسافر أو خارج أرض الوطن، ولم يسبق أن حرر لهم وكالة للنيابة عنه، وأن القضاء لا يقبل حضورهم عنه إلا بوكالة، مما يجعل توكيل المحامي الذي يمكن أن يكتفي بأي تكليف بمكتوب من المعني بالأمر بالوسائل الحديثة كافيًا لتمثيله أمام القضاء والدفاع عن مصالحه. وأن اشتراط تكليف مكتوب بالشروط الواردة في المادة 54 مبالغ فيه، ولا يهدف إلى معالجة اختلال في علاقة المحامي بالموكل، لأن القضاء أصلا يتكفل بذلك ويصون حق الطرفين معا.