samedi 7 février 2026
كتاب الرأي

زهير حميدوش: حين يتحول مشروع القانون إلى " قرار دولة".. في دلالات خطاب التحصين السياسي

زهير حميدوش: حين يتحول مشروع القانون إلى " قرار دولة".. في دلالات خطاب التحصين السياسي زهير حميدوش

يثير الخلاف القائم بين هيئات المحامين ووزير العدل، بشأن مشروع قانون ذي طابع سجالي، أسئلة تتجاوز مضمون النص القانوني في حد ذاته، لتطال طبيعة الخطاب المصاحب له، وحدود ما يمكن اعتباره نقاشا تشريعيا مشروعا داخل النسق الدستوري. ويبرز في هذا السياق إصرار الوزير، في أكثر من مناسبة، على توصيف المشروع بكونه " قرار دولة"، بل والقول إنه "يجسّد الدولة"، بما يجعل، في نظره، المطالبة بسحبه أمرا غير ذي محل.

هذا الاستدعاء المكثف لمفهوم الدولة لا يبدو بريئا أو توصيفيا صرفا، بقدر ما يعكس اختيارا خطابيا واعيا يرمي إلى إعادة تأطير الخلاف خارج منطقه الطبيعي. فمشروع القانون، متى عُرض على النقاش العمومي، يظل – بحكم طبيعته – خيارا سياسيا وتشريعيا قابلا للتعديل أو حتى للسحب، ما دام لم يستكمل مساره التشريعي. والقول بخلاف ذلك لا يؤسس لقاعدة قانونية، بل يُعبر عن موقف سياسي يُقدم في صورة مسلمة مؤسساتية.

غير أن الأخطر في هذا الخطاب لا يقتصر على نفي إمكانية السحب، بل يتجلى في الانتقال من توصيف المشروع بكونه "قرار دولة" إلى الادّعاء بأنه "يجسّد إرادة الدولة". فهذا التحوّل الدلالي ينطوي على خلط مفاهيمي واضح بين الدولة باعتبارها إطارا دستوريا جامعا ومستمرا، وبين اختيارات الحكومة، بوصفها تمارس السلطة التنفيذية بشكل ظرفي لارتباطها بمدة الولاية التشريعية، وخضوع قراراتها، من حيث المبدأ، للنقاش والمساءلة.

كما أن توصيف المشروع بأنه "قرار دولة" يُستخدم، في هذا السياق، كآلية لتحصينه من النقد، لا عبر تفنيد حجج المعترضين، بل عبر نقل النقاش من مستوى السياسة إلى مستوى الرمزية. إذ يصبح الاعتراض، ولو كان مهنيا أو مؤسساتيا، مؤوَّلا ضمنيا كتشكيك في الدولة ذاتها، لا كاختلاف مشروع حول سياسة عمومية. وهو ما يضع الفاعلين المهنيين، وفي مقدمتهم المحامون، في موقع دفاعي غير متكافئ، رغم كونهم مكونا أساسيا في منظومة العدالة.

والمفارقة أن هذا الخطاب يغفل أن التجربة التشريعية المغربية شهدت مرات عديدة سحبا أو تجميدا لمشاريع قوانين تحت تأثير النقاش العمومي أو المهني، أو وفق تقدير سياسي شخصي للوزير، من دون أن يُنظر إلى ذلك كمساس بهيبة الدولة أو إرادتها. بل إن المراجعة والتعديل جزء طبيعي من دينامية التشريع.

من زاوية أخرى، يكشف هذا الإصرار على لغة التحصين عن قلق في الشرعية التداولية للمشروع أكثر مما يعكس قوته. فالمشاريع الواثقة من وجاهتها تُدافع عنها بالحجج، وبالانسجام الدستوري، وبالقدرة على الإقناع، لا بالاحتماء بمفهوم الدولة وتحويله إلى درع رمزي.

إن تحويل مشروع قانون قابل للنقاش إلى "قرار دولة" غير قابل للمساءلة لا يُحصن الدولة، بل يختزلها في خيار سياسي واحد، ويُربك الحدود الفاصلة بين ما هو دائم وما هو ظرفي، وبين ما هو سيادي وما هو تدبيري. وفي ذلك، خطر مزدوج: إضعاف منطق الحوار المؤسساتي، وإفراغ التشريع من بعده التداولي.

 

وخلاصة القول، لسنا أمام نقاش حول نص قانوني فحسب، بل أمام سؤال أعمق يتعلق بكيفية استدعاء الدولة في الخطاب السياسي: هل باعتبارها إطارا ضامنا للاختلاف المنظم، أم باعتبارها سلطة رمزية تُستخدم لإغلاق النقاش؟

والفرق بين الخيارين هو، في النهاية، الفرق بين دولة تُؤطر السياسة، ودولة تُستعمل لتحييدها.