samedi 31 janvier 2026
كتاب الرأي

سعيد ودغيرى حسنى: عبد الهادي بلخياط.. خلود الصوت في ذاكرة الوطن

سعيد ودغيرى حسنى: عبد الهادي بلخياط.. خلود الصوت في ذاكرة الوطن سعيد ودغيرى حسنى

رغم التعب والمرض
لم أستطع كبح نفسي
فجلست أكتب وأبكي على زمن رحل
على أيام كانت فيها القلوب صافية
والصوت يملأ الدروب
والقمر الأحمر يضيء ليالينا بلا خوف

كتبت فخرجت الكلمات من جوفي
كأنها دموع تنسكب على الورق
تسرد حكايات منسية
عن أصوات لم تعد تعود
أصوات عبد الوهاب الذي زرع الحب في قلب كل عاشق
وأصوات أم كلثوم التي كانت البحر الذي يضم كل الأحزان
وأصوات محمد عبد المطلب الذي غنى للشعب فصار نغمة وطن
أصواتهم ما زالت تهزنا
ما زالت تعيدنا إلى زمن الرحيل والحلم

عبد الهادي بلخياط
اسم إذا ذكر
مال القلب إلى الصمت
وأصغت الذاكرة

لم يكن صوتا عابرا
ولا لحنا للاستهلاك
كان نبرة تعرف وزنها
وتحفظ مقامها

خرج من فاس
مدينة العلم والنغم
حاملا في صوته
وقار الأزمنة
وحكمة البدايات

دخل الغناء
كما يدخل الرجل الحكيم
لا ضجيج
لا ادعاء
بل حضور يفرض نفسه
بصدق المعنى

غنى فصار الغناء كلاما
وصار الكلام أثرا
لم يلهث خلف الشهرة
بل مشت إليه

في صوته
هدوء يشبه اليقين
وعمق يشبه الصلاة
كان إذا غنى
أصغت القلوب قبل الآذان

في أغانيه
الحب عهد
والشوق صبر طويل
والألم معرفة لا شكوى فيها

يا بنت الناس
لم تكن أغنية
بل خطابا للضمير
وسؤالا عن النية
وعن صفاء القلب

والقمر الأحمر
لم يكن مشهدا
ولا استعارة عابرة
كان جرحا مضيئا
وعلامة في الليل
تنبه الروح من غفلتها

وقطار الحياة
لم يكن لحنا
بل زمنا يسير
يحمل الوجوه
ويمضي
ولا يلتفت

عبد الهادي
لم يساوم صوته
ولم يبع معناه
بقي وفيا لما آمن به

وحين نضج الصمت
وصار الكلام عبئا
اختاره
كما يختار العارف نقطة النهاية

مضى
بخطوة ثابتة
وقلب مطمئن
كمن أدى الأمانة
ورحل

اليوم
غاب الجسد
لكن الصوت لم يغب
ما زال يسكن الذاكرة
ويمشي في الأزقة
ويطرق ليالي الحنين

ما زال يوقظ الراديوهات القديمة
ويجلس معنا
في لحظات الصدق

نم هادئا
يا صاحب الصوت الوقور
يا من منحت للأغنية قيمتها

رحمك الله
وجعل صوتك شاهدا
وجعل ذكراك نورا
وجعل فنك باقيا
ما بقي الوفاء