dimanche 1 février 2026
كتاب الرأي

أنور الشرقاوي: الروسي يخترق التاكسي في شوارع العاصمة

أنور الشرقاوي: الروسي يخترق التاكسي في شوارع العاصمة أنور الشرقاوي

قال سائق التاكسي بلهجة آمرة وهو يضغط على المقود كأنه يمسك بعنق فكرة هاربة:
«شدّي عندك دائما الروسي ».
التفتت السيدة الجالسة بجانبه، لا لتحتج، بل لتسأل بحذر من اعتاد السؤال في بلدٍ لا يجيب: «وأيُّ روسي تقصد، الكرا، الضو او الما ؟»

لم أكن طرفًا في الحوار. كنت في المقعد الخلفي، أراقب الكلمات وهي تتساقط بينهما مثل فكةٍ معدنية بلا قيمة ثابتة.

الروسي، حسب السائق، هو البرهان. حسب السيدة، هو ورقة صغيرة قد تنقذها يومًا من شكوى لا تُسمع. وحسب صاحب البيت، هو آخر ما يربطك بالشرعية.

منذ الصباح، كان الروسي يطاردني.
فتحت التلفاز، فخرج الروسي من الشاشة بزيّ عسكري. الروسي قصف، الروسي هاجم، الروسي هدّد. 
ثم ظهر روسي آخر، أكثر أناقة، يهاجم رئيسًا أمريكيًا عبر تصريح غامض.
أغلقت التلفاز، لكن الروسي لم يغلق معي.

في التاكسي، ارتفعت الأصوات.
السيدة تقول إن الروسي لا يساوي شيئًا إن لم يُختَم.
السائق يصرّ أن الروسي لا يُناقَش، يجب أخده والاحتفاظ به.

وأنا، بينهما، بدأت أشك أن الروسي ليس ورقة، بل كائنًا خفيًا، يتنقّل بين الجيوب والبيوت والفواتير، ويتغذّى على الخوف من النسيان.

تذكّرت أبي  وهو يقول لي: «احتفظ بالروسي، قد تحتاجه».
لم يقل متى، ولا لماذا.
تمامًا كما لم يقل أحد متى نحتاج العدالة، أو لماذا لا تأتي إلا مرفقة بإلروسي.

توقّف التاكسي فجأة.
مدّت السيدة يدها بالمال.
أخذ السائق المبلغ، ثم سألها ببرود : « اتريدنا الروسي؟»
يظهر على ملامحها انها لم تفهم السؤال. بالنسبة لها لقد اوصلها التاكسي وادت له واجبه. وانتهى الأمر.  نظر إليها السائق شزرًا، كأنها أنكرت وجوده الشخصي.

نزلتُ من التاكسي وأنا أردد كالاحمق: من يكون هذا الروسي؟ هل هو ورقة؟ أم ذريعة؟
أم وطنٌ صغير نعلّقه على الجدار لنقنع أنفسنا أن الأمور ما تزال تحت السيطرة؟

مشيتُ في الشارع، وكل من مرّ بي كان يحمل روسيًا ما. في الجيوب، في الملفات، في نشرات الأخبار.

أما أنا، فكنت أحمل السؤال فقط.
والسؤال، كما اكتشفت متأخرًا، لا يمنحك أي روسي. ستظل حياتك كلها تطرح الأسئلة ولا مجيب.