يتطرق الخبير في الموارد المائية محمد بازة الى السياسات العمومية لتدبير الموارد المائية والوقاية من الفيضانات مشيرا بأنها سياسة يطغى عليه رد الفعل وتدبير الأزمة بدل سياسة استباقية ووقائية تقوم على الإنذار المبكر بوقوع فيضانات واتخاذ الإجراءات اللازمة لتفادي وقوع الفيضانات كما يسلط الضوء على إشكالية التوسع العمراني في المناطق المهددة بالفيضانات وما يطرحه من تحديات وإلى تعثر مشروع الطريق السيار المائي والذي كان من الممكن لو تم إخراجه الى حيز التنفيذ أن يلعب دورا كبيرا في الحد من الفيضانات بحوض اللوكوس وحوض سبو.
من المعلوم أن شمال وغرب المغرب يعد من المناطق المهددة بالفيضانات، فما السبب الذي يجعل السلطات العمومية لا تستفيد من دروس الأمس القريب ، وهل الإجراءات التي تم اتخاذها في العقود الأخيرة كانت ملائمة لمواجهة خطر الفيضانات ؟
أهم شيء فيما يتعلق بظاهرة الفيضانات هو أن تكون هناك سياسة أو ممارسة نهج وقائي، والمغرب يحاول قدر الإمكان الانتقال من منطق رد الفعل إلى تبني نهج وقائي، لكن المشكل المطروح بالنسبة إليه هو سرعة التكيف مع التغيرات المناخية والذي لازال يشكل تحديا كبيرا. الإشكال هنا هو أن الفيضانات في المغرب لم تعد كما كانت في الماضي، حيث تراجعت وتيرتها بالمقارنة مع سنوات الجفاف، بالمقابل ازدادت حدتها وعلى الخصوص في شمال المغرب، لثلاثة أسباب : أولها تفاقم تغير المناخ، والذي أدى الى ازدياد حدة الفيضانات بسبب التساقطات المطرية القوية والتي تتجاوز البنية التحتية القائمة. ثانيا: التوسع العمراني، حيث يشهد المغرب توسعا عمرانيا كبيرا ولازالت هناك صعوبة في التحكم في هذا التوسع في المناطق المعرضة للفيضانات وخصوصا في مجاري الأنهار. ثالثا : صعوبة التكيف السريع مع وجود بنية تحتية متقادمة، على الرغم من أن هناك تقدم تم احرازه في مشاريع الحماية من الفيضانات، خاصة خلال السنوات الماضية ومحاولة القيام ببعض المبادرات في هذا الاتجاه من خلال الإنذار المبكر، لكن في غالب الأحيان فهذه التدابير تكون غير كافية، وهذا ما يجعل إدارة المخاطر لا تؤدي إلى نتائج مهمة.
ما يستفاد من الماضي أن هناك تدابير، لكنها غير كافية ويجب التسريع في التنفيذ، ففي غالب الأحيان تكون لدينا برمجة للوقاية من الفيضانات لكن التنفيذ يكون أقل بكثير، وينبغي الحد من القيود خاصة فيما يتعلق بالتوسع العمراني في المناطق المهددة بالفيضانات .
وهناك نقطة أخرى وتتعلق بتفريغ السدود والتي يفترض من خلالها الوقاية من الفيضانات، فينبغي أن لا يسمح ببلوغ نسبة ملئ كبيرة في بداية أو حتى في وسط موسم الأمطار، فالسماح بذلك يعني تعطيل مهمة السد في الوقاية من الفيضانات، حيث بلغ سد واد المخازن مثلا نسبة 70 في المائة في 15 دجنبر 2025 وفي آخر شهر دجنبر فاقت نسبة الملئ 80 في المائة وكان من المفروض عدم المساح بتجاوزه لهذا المستوى عبر تفريغه تدريجيا لكن للأسف تم تركه حتى امتلأ منذ 6 يناير 2026 وبلغ نسبة 100 في المائة ومنذ ذلك اليوم صارت كل المياه التي تلج السد تخرج من جديد، وقد حاول المسؤولون تفريغ السد لمواجهة الفيضانات الأمر الذي نجم عنه ما عايناه في القصر الكبير، والذي كان من الممكن تفاديه لو تم اعتماد عملية التفريغ بالشكل المناسب، ويبدو أننا نسير بنفس الوتيرة فيما يتعلق بسد الوحدة بالرغم أنه في موسم 2009- 2010 وقعت فيضانات مهولة ومن بين أسباب ذلك هو كون السد لم يؤدي المهمة المنوطة به أي الوقاية من الفيضانات، لانه كان ممتلئا، ويبدو أننا لم نستفد بعد درس ذلك الموسم عام بعد مرور حوالي 15 سنة وأتمنى أن لا نشهد هذه السنة فيضانات كبيرة على الرغم من أن التنبؤات تشير الى أن التساقطات المطرية ستستمر لمدة 15 يوما على الأقل، ونتمنى أن لا تكون حدتها على غرار الأيام الخمس الماضية لأنه اذا امتلأ سد الوحدة فمن المؤكد أن تحدث تداعيات لا قدر الله خاصة فيما يخص الممتلكات والمنشئات وما إلى ذلك .
ماهو المطلوب لحماية حوض اللوكوس وحوض سبو من الفيضانات ؟
حماية حوض اللوكوس وحوض سبو من الفيضانات أصبح مطروحا بحدة أكثر من أي وقت مضى بسبب ازدياد حدة الفيضانات علما أن وتيرة الفيضانات تراجعت بشكل كبير بسبب التغيرات المناخية، وفيما يتعلق بالحلول المطلوبة فهي تنقسم إلى حلول إنشائية وأخرى غير إنشائية تهدف أساسا إلى تخزين المياه في السدود لإبطاء تدفقها ، وكذلك الحد من التوسع العمراني في المناطق المعرضة للفيضانات، وكذلك الإجراءات الاستباقية مثل الإنذار المبكر وما إلى ذلك، وتشمل الإجراءات أيضا تطوير البنية التحتية أي السدود والخزانات التي تهدف إلى تخزين المياه وهو الأمر الذي نجح فيه المغرب بصفة جيدة ، ثم هناك تحسين مجاري الوديان عبر التجريف وإعادة المعايير من أجل تصريف المياه بشكل طبيعي وتشكيل مناطق لاحتجاز المياه عند وقوع الفيضانات، وفيما يتعلق بالحلول غير الإنشائية فهي تتعلق أساسا بحظر البناء في مجاري الوديان والمناطق الرطبة والمراعي والغابات والتي قد تستعمل كإسفنج لامتصاص فائق المياه ، وأخيرا إعداد أنظمة الإنذار المبكر وتحديث الخرائط المتعلقة بالمناطق المعرضة للفيضانات وتطبيق أنظمة الرصد لمتابعة الفيضانات والإنذار بها بشكل استباقي ، وهذا ما نحن بحاجة ماسة إليه، خاصة في حوض سبو .
ماهي أسباب تعثر تنفيذ مشروع الطريق السيار المائي الذي سطر منذ عام 1997 ؟
هذا المشروع تم التخطيط له منذ حوالي 30 سنة ، وهذا المشروع لم يتم تنفيذه كاملا بعد الكثير من الإجراءات التي تم اتخاذها. المشروع الذي كان مبرمجا هو نقل المياه من الشمال الغربي إلى وسط البلاد، وهذا المشروع قابلته عدة مشاكل أولها الجفاف الذي لم يعد يأتي بنفس الوتيرة التي كان عليها في الماضي مما جعل التفكير ينصب حول إدارة ندرة المياه ، وإلى جانب ذلك هناك قيود تقنية عرضت هذا المشروع للإبطاء وأولها الكلفة الكبيرة للمشروع، كما أنه كانت هناك أوليات أكبر خلال السنوات الأخيرة، والتي تتعلق بإيجاد الحلول الناجعة للتعاطي مع مشكل ندرة المياه وليس التركيز على الفيضانات، من جهة أخرى لابد من الإشارة الى أن الربط بين الشمال الغربي ووسط البلاد بدأ تدريجيا بين حوض سبو وحوض أبي رقراق، وتلاه ربط ثاني من سد واد المخازن إلى سد دار خروفة الذي كان مبرمجا الانتهاء منه خلال سنة 2025 لكنه مازال متعثرا، وهناك طريق سيار مائي ثالث للربط بين حوضي سبو واللوكوس وحوضي أم الربيع وتانسيفت والذي يجهل مصيره، ولو كانت هذه المشاريع جاهزا حاليا لكان نفعها كبيرا جدا في مواجهة مشكل الفيضانات، علما أن الربط بين حوض سبو وحوض أبي رقراق تم إيقافه خلال شهر دجنبر بالنظر لعدم الحاجة إليه للتزود بمياه الشرب، وللأسف فالإدارة المائية المتكاملة عليها الكلام أكثر من ما عليها التنفيذ.
هناك من يقول أن الفيضانات تحدث أيضا في البلدان المتقدمة مثل اسبانيا وفرنسا وألمانيا، فما ردك ؟
صحيح..الفيضانات تقع في مختلف بلدان العالم، لكن الاختلاف يكمن في الإدارة، أي كيف يتم التعامل مع الماء من حيث التدابير الاستباقية أو إدارة الأزمة، وليس من المنتظر أن نمتلك الإمكانيات التي تتمتع بها البلدان التي ذكرت علما أن هناك مجهودات تبذل في المغرب، لكنها لم تصل بعد الى ما حققته هذه البلدان، حيث تعتمد الدول الأوروبية أكثر على البنية التحتية واسعة النطاق وعلى تقنيات رصد متطورة وأنظمة صارمة، بينما يركز المغرب بشكل أكبر على الإدارة التفاعلية أي القيام برد الفعل بعد حدوث الأزمة، ومع ذلك يمكن القول أن هناك تحسن تدريجي في البنية التحتية في المغرب، الى جانب بعض الإجراءات الرامية الى الحد من القيود المتعلقة بالتمدد العمراني. اذا هناك اختلافات بين المغرب والدول الأوروبية فيما يتعلق بالاستباقية والوقاية، الى جانب كون الدول الأوروبية تعطي اهتماما بالغا لإزالة العوائق التي ذكرنا فضلا عن وضعها للخطط وتطبيقها بينما في المغرب هناك خطط لمواجهة الفيضانات لكن في غالب الأحيان يسجل هناك ضعف على مستوى التنفيذ، مع ضرورة الإشارة الى أن هناك إرادة لمواجهة مشكل الفيضانات من خلال وجود استراتيجية وطنية ووجود ممارسات مهمة في بعض المناطق مثل حوض أوريكا حيث هناك انذار استباقي والذي يشتغل بشكل جيد . الفرق الثاني يكمن في الاستجابة للإغاثة في حالة وقوع أزمة، فالدول الأوروبية لها انظمة إنذار مبكر متكاملة كما أشرت، ولها قدرات استجابة سريعة خلافا للمغرب حيث تكون عمليات الاستجابة أيضا سريعة، لكن تواجهها عراقيل إدارية وضعف القدرات اللوجستيكية. المغرب يعاني أيضا من الضغط السكاني الكبير في المناطق المعرضة للفيضانات كما يفتقد إلى جرد سكاني شامل كما أن هناك حاجة ملحة لتعزيز التواصل بين المستويين الوطني والمحلي، بينما في أوروبا هناك تقريبا استقلالية للمناطق في إدارة الأزمات، لكن رغم كل هذه الإكراهات فالمغرب يتجه نحو ثقافة القدرة على الاستجابة والإدارة الاستباقية فيما يخص المخاطر بصفة عامة والفيضانات بصفة خاصة ، لكن لا يزال يحتاج الى التنفيذ بوتيرة أكبر وإعطاء الأولوية الى هذا المشكل بصفة عامة، خاصة فيما يتعلق بتطبيق القوانين والتعاطي بصرامة فيما يخص الحد من الأسباب التي تطرقنا إليها.