تستكشف هذه المقالة مسار الصوت النسائي في الأدب العربي، بدءًا من بلاغة الجاحظ المتمردة، مرورًا باحتجاجات جحا الشعبية، وصولًا إلى "الصمت المطبق" للحداثة. ومن خلال تحليل أعمال شكري و إدريس و زفزاف، نُبين كيف أدى الاغتراب المزدوج لما بعد الاستعمار - فقدان الأرض وفقدان اللغة - إلى تهميش المرأة نحو حالة من التبعية المطلقة تتسم بالفقر الوجودي والعنف البنيوي. وفي مواجهة هذا الصمت، أحدث ظهور أدب نسائي معاصر (جبار، ورفعت، والعثمان) قطيعة جذرية. فمن خلال الاستيلاء على اللغة كـ"غنائم للوجود"، حوّل هؤلاء الكاتبات الصمت إلى مطلب للحقيقة المطلقة. تقترح هذه المقالة منهجيةً لـ"ترجمة الصمت"، بهدف استعادة السيادة السردية للذاكرة الأنثوية التي طال سلبها.
في الذاكرة الأدبية العربية، لطالما ارتبطت الشخصية الأنثوية ارتباطًا وثيقًا بنوع من القوة اللفظية، سواء أكانت أكاديمية أم شعبية. فمن مجالس العصر العباسي، حيث تحدّت الشاعرات الإماء الخلفاء ببلاغتهنّ الثورية، إلى أزقة حكايات جحا، حيث استخدمت زوجة هذا المشاغب اللطيف الصرخة كشكل حيوي من أشكال الاحتجاج الشعبي، كان الصوت الأنثوي قوة دافعة للتغيير والتنظيم الاجتماعي.
ومع ذلك، يبدو أن ظهور الحداثة قد أحدث انقلابًا غريبًا. لماذا؟
بينما تميل البنى الاجتماعية نحو التحرر النظري، حصر الأدب العربي الحديث (وخاصة أدب الرجال) المرأة في "صمت مطبق"، كيف تحوّل هذا الصمت من وقفة تكتيكية في البلاغة الكلاسيكية إلى استراتيجية للبقاء أو اغتراب وجودي في أعمال كتاب مثل شكري و إدريس و زفزاف؟ من هذا المنظور، يبرز سؤال جوهري: كيف انتقل صوت المرأة من لمعان في اللغة الكلاسيكية إلى طمس الصمت الحديث؟
في مرحلة ثانية نتتبع هذا المسار، لا باعتباره مجرد اختفاء، بل كتحول مأساوي. سنحلل كيف أصبح الصمت، بعد أن كان مستودعًا لصدمات واغتراب الحداثة الذكورية، في أدب المرأة المعاصر، مهدًا لشكل جديد من الصراخ. من خلال استكشاف هذا التأريخ للصمت، نسعى إلى فهم كيف تحاول أصوات النساء استعادة عالم جعله هذا الصمت القمعي غير قابل للتعبير.
أضواء اللغة الكلاسيكية والشعبية
لفهم عمق الصمت المعاصر، لا بد أولًا من تقدير تألق الخطاب الكلاسيكي. في أعمال الجاحظ، تجسد شخصية الجارية المتعلمة (القينة) مفارقة آسرة: فمع أنها محرومة من حريتها قانونيًا، إلا أنها تتمتع بسيادة فكرية من خلال استخدامها للغة.
في "رسالة القيان"، يصف الجاحظ نساءً لا تكمن قيمتهن في جمالهن فحسب، بل في سعة علمهن أيضًا. فهنّ بارعات في الشعر والنحو والتاريخ. بالنسبة للجاحظ، يُعدّ كلام هؤلاء النساء أداءً: إذ ينخرطن في مبارزات كلامية مع ألمع رجال عصرهن، محوّلات كل حوار إلى عرض فكري.
تستخدم الجارية المتعلمة معرفتها للتأثير على رغبات ومشاعر جمهورها من الرجال، مُثبتةً أن الذكاء اللفظي (البيان) كافٍ لتحقيق شكل من أشكال الحرية الرمزية. في أعمال الجاحظ، يُعد صمت المرأة استراتيجية بلاغية، مُصممة لإطلاق العنان لردها لاحقًا. فالصمت ليس فراغًا، بل وقفة درامية في خطاب مُنتصر.
هذا الإتقان المطلق للبيان (البلاغة) يمكّن النساء من التفاعل لفظيًا مع محيطهن، مما يُرسي ديناميكية قوة تتجاوز فيها المعرفة المكانة الاجتماعية. في هذا السياق، يبرز مفهوم "الصمت التكتيكي": فبالنسبة للجاحظ، لا يُمثل صمت المرأة غيابًا للفكر أو خضوعًا، بل هو انسحاب محسوب يُمهد الطريق لإطلاق رد لاذع أو اقتباس شعري مؤثر. هذا الصمت سلاح دقيق، ومساحة للتنفس تسبق انتصار الكلمة. إنه علامة على أن امرأة تملك صوتها تمامًا، وتختار لحظة إطلاقه لتُقوّض سلطة الرجل.
في عالم الجاحظ، تقوم الاستراتيجية اللغوية للقيان على قلب موازين القوى رأسًا على عقب من خلال إتقان اللغة السائدة. فالقينة لا تكتفي بالكلام، بل تتقن اللغة العربية الفصحى - البيان - إتقانا تاما يجعلها حاميةً لها وحكمًا فيها. وتتمثل استراتيجيتها في استخدام المناظرة الخطابية كساحةٍ للتفاوض: فبتمكنها من دقائق الشعر والنحو، تستحوذ على رصيدٍ رمزيٍّ كان حكرًا على النخبة الذكورية الحرة. وتُشكل هذه المعرفة درعًا فكريًا وسلاحًا للإغواء المُخادع. فبإجابتها على الخليفة ببيتٍ شعريٍّ مُعقدٍ، أو بكلمةٍ ذكيةٍ (النادرة)، تُحوّل مكانته من كونه ملكًا إلى مُعجبٍ به، مُجبرةً مُحاوِرها على الاعتراف بها كندٍّ له، أو حتى مُتفوقةٍ عليه، في عالم الفكر. تُنبئ هذه الاستراتيجية بـ"غنائم الحرب" في العصر الحديث: ففي كلتا الحالتين، لا تسعى المرأة إلى خلق لغة هامشية، بل إلى قهر لغة السلطة لترسيخ سيادتها فيها. لم تعد المعرفة مجرد زينة، بل أصبحت القوة الدافعة لمقاومة تستخدم البراعة اللغوية لكسر جدران الهيمنة.
يتجلى مفهوم "الدرع الفكري" بأبهى صوره في وصف الجاحظ لقدرة القيان على استخدام اللغة ضد من يحاولون اختزالهن إلى مجرد أجساد. فبالنسبة لهؤلاء النساء، لا يمثل العلم عبئًا، بل حماية تجعل عقولهن عصية على إذلال العبودية.
المعرفة حصن منيع:
مثال الردّ المُحرض في رسالة القيان، يؤكد الجاحظ أن قوة الأمة المتعلمة تكمن في قدرتها على شغل حيز فكري لا يستطيع السيد السيطرة عليه. يُجسّد مثال تاريخي شهير، كثيرًا ما يُستشهد به في أدب النوادر واللطائف المعاصر للجاحظ، هذا الدرع: عندما تُسأل امرأة مستعبدة متعلمة عن مكانتها أو تُختبر في علمها من قِبل رجل ذي نفوذ، غالبًا ما تُجيب باقتباس شعري يقلب الموازين. الم يذكر الجاحظ أن هؤلاء النساء كنّ يتمتعن ببراعة ثقافية (أدب) تُمكنهن من الرد على الإهانة أو التحرش الفظ بحكمة فلسفية أو بيت شعر بالغ التعقيد، بحيث ينسى المُحاور، وقد لسعته كبرياؤه، موقعه وسلطته، وينخرط في الحوار الفكري.
ذكاء المغنية هو حجابها الحقيقي؛ فهي تختبئ وراء رقة كلماتها فلا يظهر منها إلا بريق عقلها، مما يجعل خضوعها خفيًا عن المستمع. يعمل هذا الدرع الفكري كمنطقة آمنة تلجأ إليها المرأة لتحافظ على كرامتها. فمن خلال إتقانها لأسمى قواعد الثقافة العربية، تخلق القينة مسافة شاسعة بين جسدها الخاضع وعقلها الحر. عندها يصبح العلم درعًا: يُجبر المستمع على احترام قواعد اللعبة الفكرية، وبالتالي يُعلق ديناميكية القوة الوحشية طوال مدة الصراع. يُنذر هذا الدرع بمقاومة المرأة العصرية التي، في مواجهة العنف البنيوي، ستستخدم الكتابة واللغة (غنائم الحرب) لحماية هويتها العميقة. عند الجاحظ، كما عند آسية جبار، الثقافة هي الحصن الوحيد.
زوجة جحا: صوت الواقعية في وجه العبث
في التراث الشعبي، تُمثل شخصية زوجة جحا شكلًا من أشكال الاحتجاج الشعبي الرافض للصمت. وعلى عكس البطلات التراجيديات، فهي قوة مواجهة مباشرة. تُجسد الضمير الاجتماعي والواقعية العملية في مواجهة عبثية زوجها. ويتجلى احتجاجها من خلال رفض السلطة المنزلية واستخدام الحيلة (الكيد) كأداة للقوة. هنا، لا يُعد الكلام مجرد وسيلة للتواصل، بل سلاح للتفاوض. لا تعاني زوجة جحا من صمتها لأنها لا تصمت أبدًا؛ فوجودها بحد ذاته دليل على وعيها الجسدي والمعنوي بـ "ديمقراطية الفقراء" حيث تُنظّم النزاعات المنزلية الحياة الاجتماعية.
المرأة حامية الكلمة: التناقل الشفهي والذاكرة
إذا كانت زوجة جحا تُجسّد الكلمة المنطوقة كفعل، فهي أيضًا، في المخيلة التقليدية، الشخصية المحورية في التناقل. قبل أن تُفتّت الحداثة النسيج الاجتماعي، كانت المرأة "الكتاب الحي" للمجتمع. فهي تحتل مكانة أساسية في الخطاب، ناسجةً الصلة بين الأجيال من خلال الحكايات والأمثال والأغاني. هذا التناقل الشفهي هو فعل مقاومة للنسيان. زوجة جحا هي وريثة تقليدٍ تُعتبر فيه المرأة حامية الذاكرة. لذا، فإنّ الانقطاع الذي سنلاحظه لاحقًا ذو شقين: ليس فقط إسكات صوت الاحتجاج، بل أيضًا قطع سلسلة التناقل.
القطيعة الحديثة: الصمت المطبق
محمد شكري واستراتيجية البقاء
تقديم ثلاثة أمثلة محددة على "الصمت الواقي" أو "الخطاب التكتيكي" في أعماله، يُتيح لنا توضيح الجانب الأكثر قتامةً وعمقًا لهذا الصمت. ففي حالته، لم نعد بصدد الحديث عن الاغتراب الحضري في أعمال زفزاف، بل عن البقاء البيولوجي والنفسي ضمن بنية أسرية مُنهكة بفعل الفقر والعنف.
__الصمت كدرع في عالم شكري، ولا سيما في تحفته الأدبية السيرية "الخبز الحافيّ"، يُعدّ صمت النساء (وخاصةً الأم) رد فعلٍ مباشر على العنف البنيوي المتفشي. هذا الصمت ليس دليلاً على ضعف الشخصية، بل هو مناورة تكتيكية للحفاظ على ما يمكن إنقاذه.
ففي رواية "الخبز الحافي"، يُمثل صمت الأم في مواجهة غضب الأب صمتًا وقائيا. بالنسبة لها، الصمت مناورة تكتيكية لتجنب الفناء. إنها ذكرى عجزت الكلمات عن التعبير عنها: فقد جفّت مصادر الحكايات بفعل الجوع والرعب. القطيعة مع التقاليد الشفوية تامة؛ لم تعد الأم تروي القصص لأن الكلام أصبح ترفًا مستحيلاً في ظل معدة خاوية. هذا الصمت الذي يرمز للبقاء يُنبئ بنهاية دور المرأة كـ"مكتبة حية".
يُمثّل الأب رمزاً للرعب المطلق، طاغية منزلي لا يُمكن التنبؤ بعنفه. تستخدم الأم الصمت لتجنّب إعطاء غضب الأب أيّ فرصة للتأثير. فكل كلمة تنطق بها قد تُفسّر على أنها استفزاز أو عصيان، مما يُشعل وابلاً من الضربات. هذا الصمت درع. فبصمتها، تُحاول الأم أن تختفي، وأن تُقلّل من حضورها حتى لا يُدمّرها غضب الأب. هذا هو الحد الأدنى المطلق من التواصل، مفروضٌ بدافع الخوف من الموت.
__ الصمت كحمايةً للأطفال: غالبًا ما تُخفي والدة شكري الحقيقة أو معاناتها لحماية أطفالها من قسوة الواقع أو غضب الأب. تلتزم الصمت حيال جوعها وإصاباتها الجسدية، وأحيانًا حيال سرقات ابنها محمد البسيطة أو هروبه. تخلق بذلك حاجزًا من الصمت بين الأب وابنه. إنه صمتٌ تضحية. هنا، لا تُكتم الكلمات خضوعًا للنظام الأبوي، بل بدافع الحب الأمومي. هذا الصمت هو "خطاب تكتيكي" معكوس: فهي لا تنطق بكلمة حتى تستمر الحياة (حياة أطفالها). هي وحدها تتحمل عبء السر لتجنب انهيار الأسرة.
__ صمت النساء المهمشات (البغايا والمتسولات): يصف شكري أيضًا النساء اللواتي يقابلهن في أحياء طنجة الفقيرة، واللواتي غالبًا ما يلجأن إلى الصمت بسبب وضعهن الاجتماعي. عند مواجهة الشرطة أو العملاء العنيفين، تلتزم هؤلاء النساء صمتًا عنيدًا أو يتحدثن بأقل قدر ممكن، بأسلوب عملي بحت. هذا الصمت مقاومة سلبية. برفضهن البوح بقصصهن أو مشاعرهن، يحافظن على قدر من الخصوصية لا يستطيع المجتمع انتزاعه منهن. إنه صمت من لم يبقَ لهن سوى أجسادهن للعيش بها، ومن يرفضن التخلي عن أرواحهن بالكلام.
بينما استخدمت امرأة جحا الصراخ لتنظيم الصراع وتأكيد وجودها، تستخدم امرأة شكري الصمت لتجنب الإبادة. يمثل التحول من "الاحتجاج الشعبي" إلى "استراتيجية البقاء" بدايةً لعصر حداثي أصبح فيه العنف طاغيًا لدرجة يصعب معها مواجهته بالكلمات. صمت والدة شكري شاهد صامت على إنسانيةٍ محاصرة، بينما كان كلام جحا دليلاً على إنسانيةٍ لا تزال قادرةً على التحرر من قيودها. يُعزز هذا التطور فرضية القطيعة: فالصمت الحديث مرضٌ ناتجٌ عن العنف، بينما كان الكلام الكلاسيكي سنداً للمقاومة.
يوسف إدريس والعنف البنيوي
من خلال تقديم ثلاثة أمثلة على عدم القدرة على التواصل والعنف اللذين يؤديان إلى صمت المرأة في أعماله نستكشف شكلاً أكثر تعقيداً من الصمت: صمت المحظورات الاجتماعية والتواطؤ القسري. في أعمال إدريس، لا يُحتمل الصمت فحسب (كما في أعمال شكري) أو يكون فارغاً (كما في أعمال زفزاف)، بل هو مُنظّم. إنه عنف بنيوي يُمارس من خلال ثقل الأعراف الدينية والاجتماعية على جسد المرأة.
الصمت كعهدٍ خفي: غالبًا ما يكون صمت المرأة نتاجًا لتوترٍ لا يُطاق بين الدوافع الطبيعية والمحظورات الاجتماعية. في قصصه القصيرة، يصبح الانقطاع عن التواصل الأداة الرئيسية للعنف البنيوي الذي يُجبر النساء على إخفاء أنفسهن للحفاظ على النظام الظاهري.
الصمت تفاوض صامت مع الممنوع. في رواية "بيت من لحم"، يُمثل صمت النساء استراتيجية جماعية للتواطؤ في إدارة رغبة محرمة. لم يعد صمتًا جدالًا (جحا) ولا مجرد هروب (شكري)، بل عهد ظل. الانعزال هنا ضرورة اجتماعية، وسيلة للحفاظ على نظام المظاهر. الصمت هو ثمن بقاء الجماعة، محولًا المرأة إلى حارسة صامتة لأسرار الجسد والقانون.
__المثال 1: صمت الرغبة المحرمة في رواية "بيت من لحم"، يُعد هذا المثال بلا شك الأبرز في الأدب العربي الحديث. تعيش أرملة مع بناتها الثلاث في غرفة ضيقة مع شاب كفيف أحضرنه لتلاوة القرآن، تتزوجه الأم في النهاية. يُعقد عهدٌ بالصمت بين الأم وبناتها. يتناوبن على مشاركة فراش الرجل الكفيف، مستخدمين الصمت والظلام لطمس الهويات. لا أحد يتكلم، لأن تسمية الفعل ستكون بمثابة اعتراف بزنا المحارم.
يُعدّ الصمت هنا شكلاً من أشكال العنف الذي تُمارسه النساء على أنفسهن. فهنّ يُضحّين بصوتهنّ وهويتهنّ لإشباع حاجة جسدية يمنع المجتمع (الفقر، الترمل) من التعبير عنها علنًا. الصمت هو "الكفن" الذي يُخفي ذنبهنّ.
__مثال 2: صمت العار والتضحية في قصيدة النداء وفي العديد من رواياته عن الفلاحين، يُصوّر إدريس النساء وهنّ يواجهن عنف أعراف الشرف. عندما تقع المرأة ضحية اعتداء أو تجاوز، يكون رد فعل المجتمع (والمرأة نفسها) الأول هو الصمت. فالكلام يُعدّ إدانة للعائلة بالعار. يُعدّ الصمت شكلاً بنيويًا من أشكال العنف لأنه يحرم المرأة من مكانتها كضحية. عليها أن تتحمّل ألمها في سرية تامة. يُبيّن إدريس أن هذا الصمت يخنق الحياة نفسها في نهاية المطاف: تُصبح المرأة ظلاً متحركًا، وجودها الوحيد هو الصمت.
__مثال 3: الصمت المنزلي كـ"جدار زجاجي": في كتاب "نقطة البداية" يستكشف إدريس أيضًا انعدام التواصل داخل العلاقات الزوجية، سواءً أكانت حديثة أو تقليدية، حيث تُختزل المرأة إلى مجرد أداة. غالبًا ما تكون الحوارات بين الزوجين سطحية. تحتفظ المرأة بأحلامها وإحباطاتها وتمرداتها لنفسها. تتحدث "حول" المواضيع، لكنها لا تتحدث عنها "مباشرة". يتمثل هذا العنف في المحو اليومي. فعندما لا تجد المرأة من تشاركه أفكارها العميقة، ينتهي بها الأمر إلى عزل نفسها في صمت يُعدّ نوعًا من الانتحار النفسي. يصبح الصمت المساحة الوحيدة التي تبقى فيها حرة، لكنه سيادة العزلة. ...
إذا كانت زوجة جحا قد صرخت لتصفية حساباتها مع العالم، فإن نساء إدريس يلتزمن الصمت كي لا يُهلكهن العالم. الصمت هو ثمن بقاء الجماعة. إنه عنف بنيوي، حيث لا يُعدّ عدم القدرة على التواصل قصورًا لغويًا، بل ضرورة اجتماعية.
يُشير التحوّل من خطاب جحا المفعم بالحيوية إلى عهد الصمت لدى إدريس إلى نهاية البراءة: ففي الحداثة، أصبحت الحقيقة خطيرة للغاية بحيث لا يمكن البوح بها، مما حكم على النساء بأن يكنّ حارسات صامتات لأسرار الجسد والقانون. يُظهر هذا التطور أن الصمت في عالم إدريس هو بناء اجتماعي مأساوي، يُعزز فكرة أن الحداثة قد حوّلت أصوات النساء إلى خطر يجب إسكاته بأي ثمن.
محمد زفزاف والبؤس الوجودي
من المفيد أن نتعمق هنا قليلا، إذ يُعدّ محمد زفزاف بلا شكّ الكاتب الذي يجسد "ذبذبة الفراغ" هذه في الحداثة المغربية والعربية خير تجسيد. فبالنسبة له، صمت المرأة ليس خضوعًا، بل غياب عن العالم. نوضح بثلاثة أمثلة محددة هذا الاغتراب الوجودي:
محمد زفزاف والبؤس الوجودي: الصمت كمرآة للفراغ البائس، لم يعد صمت المرأة خيارًا تكتيكيًا، بل نتيجة لتفكك المعنى. فالحداثة الحضرية التي يصفها هي فضاء لم تعد فيه الكائنات متصلة بقيم مشتركة، بل باحتياجات ميكانيكية. تُصبح المرأة محور الاغتراب، تلك التي تُعاني من صمت اللامبالاة الاجتماعية".
الصمت مرآة الفراغ في أعمال زفزاف، يعكس الصمت الأنثوي اغترابًا وجوديًا. في المدينة الحديثة المجهولة، تُختزل المرأة إلى مجرد وظيفة جمالية أو بيولوجية (الوردة الصامتة). يصبح الحوار أشبه بـ"مونولوج متقاطع" حيث الكلام عقيم. انهيار التواصل هو تآكل بطيء: تبقى المرأة صامتة لأنها تشعر أن لغتها التقليدية لم تعد ذات قيمة عملية في الحداثة الحضرية. إنها ذاكرة ضائعة عفا عليها الزمن، شاهدة على انهيار التواصل الإنساني.
__مثال 1: المرأة كشيء في رواية "المرأة والوردة": في هذه الرواية الرمزية، غالبًا ما تُرى المرأة من خلال عيون راوٍ ذكر يبحث عن المنفى وعن ذاته. تُختزل المرأة (سواء أكانت إسبانية أو مغربية في الرواية) إلى مجرد عنصر جمالي أو جنسي. إنها "الوردة" - جميلة، لكنها صامتة وزائلة لا تُشارك في نقاشات الرجل الوجودية. يُؤكد صمتها أنه في هذه الحداثة الاستهلاكية، فقدت المرأة صوتها كـ"ذات" لتُصبح "موضوعًا" للزينة. إنه اغترابٌ من خلال الصورة: وجودها مُخصص للنظر، لا للسماع.
__مثال 2: انعدام التواصل في قصص "شجرة البؤس" القصيرة: كثيراً ما يصوّر زفزاف لقاءات عابرة في الحانات أو غرف الفنادق الرخيصة بين رجالٍ مُنهكين ونساءٍ مُهمّشات. يُختزل الحوار إلى أبسط تعبيراته. لا مجال للسرد الذاتي. ليس صمت حياء، بل صمت إرهاق. تبقى المرأة صامتة لأنها تُدرك أن كلماتها لا قيمة لها في بنية اقتصادية حكمت عليها بالتهميش. الكلام هنا "عقيم" لأنه لا يُنتج أي تواصل حقيقي.
__ مثال 3: صورة الأم أو الزوجة في بيئات مُحفوفة بالمخاطر. في رواياته الأكثر وعياً اجتماعياً، يُصوّر زفزاف نساءً يتحركن في الفضاء المنزلي كالأشباح. على عكس زوجة جحا، التي ملأت صرخاتها أرجاء المنزل، تبدو امرأة زفزاف وكأنها قد "استُنزفت" من جوهرها الحيوي بفعل قسوة الحياة المدنية اليومية. هي حاضرة جسديًا (تُعدّ الشاي، تُنظّف)، لكنها غائبة نفسيًا. يعكس صمتها البؤس الوجودي للبشرية: إذا لم تتكلم فذلك..لأن الإنسان نفسه لم يعد يملك مشروعًا أو أملًا يشاركه معها. إنها الشاهدة الصامتة على مجتمع يدور في حلقة مفرغة.
يمكننا اختتام هذا القسم بتوضيح أن صمت المرأة في أعمال زفزاف هو الكشف الأعلى عن إفلاس الحداثة. فإذا التزمت المرأة الصمت، فذلك لأن اللغة نفسها فقدت قدرتها على التعبير عن كرامة الإنسان. هذا الصمت ليس شكلًا من أشكال الحماية (كما في أعمال شكري)، بل هو محوٌ للكرامة. يُظهر هذا التحليل أن القطيعة تامة: فقد انتقلنا من امرأة "تسكن" اللغة (جحا) إلى امرأة "يسكنها" الفراغ (زفزاف).
من الصمت المطبق إلى ولادة الصرخة:
بينما نتتبع هذا المسار الذي يقودنا من بلاغة الجاحظ الثورية إلى البؤس الوجودي لزفزاف، مرورًا بالاحتجاج الشعبي لزوجة جحا، يتبادر إلى أذهاننا استنتاج ضروري: إن صمت المرأة في الأدب العربي الحديث ليس عودة إلى تقاليد الحشمة، بل هو وصمة عار حداثة فشلت في حماية حرية التعبير. هذا "الصمت المطبق"، سواء أكان نابعًا من الرعب عند شكري، أم من ميثاق السرية عند إدريس، بدا وكأنه قد دفن صوت المرأة نهائيًا تحت وطأة العنف البنيوي. ومع ذلك، ربما لم يكن هذا الصمت نهاية المطاف، بل كان بمثابة مخاض.
في حين شخّص الكتّاب الذكور حالات الانقطاع عن التواصل والتهميش، ينتهز جيل جديد من الكاتبات العربيات المعاصرات هذا الصمت ليحطمنه من الداخل. ما نشهده هو تحوّل الصمت إلى شكل جديد من أشكال الصراخ. لم يعد هذا الصراخ يبحث عن دهاء جحا، أو ذكاء الجاحظ؛ بل هو صوت جذري يُسمّي أخيرًا الجسد والصدمة والرغبة. من خلال تحويل الصمت الثقيل إلى كتابة تحررية، لا تكتفي هذه الأصوات النسائية بكسر الصمت فحسب، بل تُعيد ابتكار حداثة لا تكون فيها المرأة وعاءً للفراغ، بل صاحبة السيادة في سرد قصتها. الصمت، الذي كان يومًا ما كفنًا، يصبح مهدًا لصوت لن يُسكت.
التبعية والخطاب المضاد
لا يقتصر هذا الثلاثي من الذاكرة - الذي ينتقل من صوت جحا النابض بالحياة إلى صمت شكري المؤلم، ثم إلى طمس زفزاف الحنيني - على وصف خسارة ثقافية فحسب، بل يرسم خريطةً لتجريد سياسي. لفهم كيف أمكن تحويل " الأم -الذاكرة" إلى "ظل صامت"، من الضروري تجاوز الملاحظة الأدبية البسيطة ودراسة بنى السلطة التي جعلت هذا الصمت حتميًا. لا يمكن تفسير ظهور أصوات النساء المعاصرات على أنه مجرد كسر للصمت، بل يجب تحليله على أنه توظيف لخطاب مضاد حقيقي يحوّل لغة القمع إلى أداة تحرير. من خلال الاستيلاء على اللغة كـ"غنائم حرب"، لا تكتفي هؤلاء الكاتبات بسكن لغة الآخر، بل يُحدثن تقويضًا دلاليًا جذريًا يسمح لهن بكسر حالة التبعية واستعادة السيادة السردية حيث ساد صمت ثقيل. ... يُجسّد تحوّل الأم-الذاكرة إلى الظل الصامت الاغتراب المزدوج لما بعد الاستعمار: فقدان الأرض (الهجرة، الفقر) وفقدان الكلمة (صمت البقاء). لذا، فإن ترجمة هذا الصمت تعني محاولة منح هذا الظل جسدًا وصوتًا، بحيث تتوقف الذاكرة عن كونها مجرد وهم وتصبح قوة حية من جديد.
يتبع