mercredi 28 janvier 2026
كتاب الرأي

خالد أخازي: برادة.. خرافة جديدة "خليو لوليدات داخل المدرسة…"

خالد أخازي: برادة..  خرافة جديدة "خليو لوليدات داخل المدرسة…" خالد أخازي

في عقل برادة، ارتفع صبيب الجدل فجأة، كأن سلك التواصل البيداغوجي المعطّل منذ سنوات استُبدل، على حين غفلة، بالألياف البصرية. خرج علينا بموضة: “خليو لوليدات داخل المدرسة بين 12 و14”. عبارة بسيطة، دافئة، أخلاقية، تصلح عنوانا لحملة تحسيسية… لكنها، للأسف، لا تصلح سياسة عمومية.
وربّ الكعبة، ما إن يتكلم الحلواني حتى أشفق عليه من هذا الهذيان. لا لأن النية سيئة، بل لأن المسافة بين النية والواقع في المدرسة العمومية ليست مسافة بيداغوجية، بل فجوة جيولوجية. أشفق عليه لأنه يبدو واثقا، أكثر من اللازم، في فضاء لا يرحم الثقة غير المؤسسة على معرفة ميدانية.... هو رجل طيب نبيل الغرض، لكنه لا يفهم عما يتحدث...
لأنه يجعل: البنية... وجداول الحصص. والمسؤولية القانونية والإدارية وارتباطها بالحراسة... ويجعل بنية واختصاصات الموارد البشريه وحدود مسؤولياتهم.. 
المدرسة العمومية، سيدي، ليست لوحة PowerPoint.
المدرسة الابتدائية ليست إلا مديرا وأساتذة مرهقين، هب بناية منهكة  بسؤال السلامة والأمن... المدرسة كائن حي، هشّ، معقّد، تتحرك فيه المسؤولية القانونية مثل كرة نار، يكفي أن يسقط طفل واحد في المرحاض لتتحول “النية الحسنة” إلى محضر قضائي...
لنبدأ من البديهي الذي يبدو أن القرار لم يمرّ عليه:
من يحرس التلاميذ خارج زمن التعلم؟
الأساتذة؟
الأساتذة، يا سيدي، لا يملكون “وقت فراغ قانوني”. زمنهم مضبوط بجدول حصص، وأي حراسة خارج هذا الزمن لا تدخل ضمن مهامهم، ولا يغطيها التأمين، ولا تحميهم إن وقعت فاجعة. التطوع؟ كلمة جميلة في الخطب، قاتلة في المحاكم.

المدير؟
مدير المؤسسة ليس حارسا عاما، ولا شرطي مرور، ولا ملاكا حارسا. هو إطار إداري مثقل بالمهام، مسؤول قانونيا عن كل شبر داخل المؤسسة، دون أن يُمنح لا الوسائل ولا الموارد البشرية التي توازي هذا العبء. تحميله مسؤولية فترة تمتد ساعتين كاملتين من الفوضى المحتملة، هو تكريس لفكرة “دبّر راسك”.
جمعيات الآباء؟
هنا ننتقل من سوء التقدير إلى سوء الفهم. جمعيات الآباء ليست شركات حراسة، ولا أطرها مؤهلة قانونيا لتحمّل مسؤولية أطفال داخل مؤسسة عمومية. دورها استشاري، اقتراحي، داعم… لا تعويضي عن الدولة. تحويلها إلى شماعة، هو هروب أنيق من جوهر المشكلة.
الجماعات الترابية؟
آه، الجماعات… لو تعلم المدرسة ما تعلمه عن ممثليها في مجالس التدبير، أغلب المؤسسات يغيب عن مجالس التدبير فيها ممثل عن الجماعة 
لنصل إلى جوهر المفارقة:
الزمن المدرسي.

القرار يتعامل مع الزمن المدرسي كفراغ زمني بين حصتين. بينما هو، في الواقع، زمن شديد الحساسية:
أطفال جائعون، مرهقون، بلا أنشطة، بلا فضاءات مؤهلة، بلا تأطير نفسي أو تربوي. ما الذي سيحدث؟
شجارات.
سقوط.
كسور.
بكاء.
فوضى.
ودعونا نطرح السؤال الذي يتهرب منه الجميع:
حين يخرج تلميذ لقضاء حاجته، من المسؤول عنه؟
إن رافقه الأستاذ، ترك القسم دون أستاذ.
وإن لم يرافقه، ووقع حادث، فالأستاذ مقصّر.
إنها معادلة عبثية، تُنتج شعورا دائما بالذنب لدى رجل وامرأة التعليم، وتُغذّي خطاب “أنتم لا تقومون بواجبكم”.

الحقيقة المؤلمة أن القرار، في جوهره، تخطيط لمدرسة لا يعرفها أصحابه.
مدرسة متخيّلة، نظيفة، مؤطَّرة، فيها موارد بشرية مختصة، فضاءات، أنشطة، مطاعم مدرسية، أطر اجتماعية ونفسية.
أما المدرسة الحقيقية، فهي شيء آخر تماما.

في المدرسة الحقيقية:

لا يوجد أطر حراسة تربوية أصلا بالابتدائي.

لا يوجد ممرّض...

لا يوجد مختص اجتماعي.

لا يوجد فضاء آمن للراحة.

ومع ذلك، يُطلب منها أن تتحول فجأة إلى “مركز حماية اجتماعية” بين 12 و14... هذا الزمن المفترض نمطيا في عقل الوزير برادة...
السخرية هنا ليست في القرار، بل في بساطته القاتلة.
الدولة التي لم تستطع، لعقود، أن تحل إشكالات الاكتظاظ، والهدر، والبنية التحتية، تريد الآن أن تحل مشكلة الشارع بعبارة: “خليو لوليدات داخل المدرسة”.

الشارع، سيدي، ليس عدوا بحد ذاته.
العدو هو غياب السياسة العمومية المتكاملة.
العدو هو منطق الترقيع.
العدو هو نقل الخطر من فضاء عام إلى فضاء غير مؤهّل ثم غسل اليدين.

الحل؟
ليس في البلاغات.
ليس في النوايا الحسنة.
ليس في تحميل المدرسة ما لا تحتمل.

الحل واضح، لكنه مكلف، ولذلك يُؤجَّل:

توظيف أطر مختصة في الحراسة والتأطير.

إدماج الزمن البيني في التخطيط التربوي.

توفير حماية قانونية صريحة للأطر التربوية.

إعادة التفكير في بنية المدرسة نفسها، لا في أبوابها فقط.


أما أن نطالب المدرسة بأن تكون كل شيء، دون أن نعطيها أدوات أي شيء، فذلك ليس إصلاحا… بل مغامرة بيروقراطية بأجساد أطفال.
المدرسة لا تحتاج أوامر إضافية، بل تحتاج فهما.
والأطفال لا يحتاجون أسوارا أعلى، بل دولة تعرف ماذا تفعل حين تقول: “خليو لوليدات داخل المدرسة”.