mercredi 28 janvier 2026
كتاب الرأي

سفيان الداودي : التنظيمات التربوية بين أزمة المعنى وقياس الأثر

سفيان الداودي : التنظيمات التربوية بين أزمة المعنى وقياس الأثر سفيان الداودي

عرفت التنظيمات التربوية المغربية منذ نشأتها أدوارا محورية في تأطير الطفولة والشباب، ولم تكن مجرد هياكل تقدم أنشطة ترفيهية أو خدمات موسمية. بل شكلت امتدادا لمشروع مجتمعي واسع ارتبط بالحركة الوطنية، وبالنضال من أجل بناء إنسان مغربي واع، متشبع بقيم المواطنة، التضامن، والعمل الجماعي.

 

كانت المخيمات، ودور الشباب، والفضاءات التربوية الشعبية مدارس لتكوين الشخصية، وصناعة القيادات، وترسيخ ثقافة المشاركة والفعل...

 

في تلك الفترة، للفعل التربوي معنى واضح، وكانت التربية الشعبية خيارا فكريا وتربويا يستهدف تمكين الأفراد من فهم واقعهم والتأثير فيه، لا مجرد التكيف معه.

 وكان النشاط التربوي وسيلة للتحرر وبناء الوعي، وليس برنامجا استهلاكيا أو مناسبة عابرة.

 

غير أن التحولات العميقة التي عرفها المجتمع كان المغربي خلال العقود الأخيرة – من تغير أنماط العيش، وتوسع الإعلام الرقمي، وتبدل منظومة القيم، وتعقد الإشكالات الاجتماعية – فرضت واقعا جديدا لم يعد يشبه السياق الذي وُلدت فيه هذه التنظيمات. وكان يفترض أن يدفعها هذا الواقع إلى مراجعة مشاريعها، وتحديث أدواتها، وإعادة صياغة أدوارها التربوية بما ينسجم مع حاجيات الطفولة والشباب في مغرب اليوم.

 

إلا أن جزءا من هذه التنظيمات ظل يتحرك بمنطق الاستمرارية الشكلية، محافظا على نفس البرامج والصيغ التنظيمية، ومعتمدا أكثر على الرصيد الرمزي لتاريخه، بدل بناء رؤية متجددة تستجيب للتحولات المتسارعة.

 

وهكذا ظهر تدريجيا نوع من التباعد بين الخطاب التربوي المعلن والممارسة اليومية، وبين الطموحات الكبرى والنتائج المحدودة على مستوى الأثر.

 

في هذا السياق، لم تعد الإشكالية مرتبطة فقط بضعف الإمكانيات أو صعوبة الظروف، بل أصبحت تمس جوهر المشروع التربوي ذاته، ومعناه، وغاياته داخل المجتمع.

 

 أزمة لم تعد تُقاس بعدد المخيمات المنظمة أو المستفيدين، بل بمدى قدرة هذه التنظيمات على التأثير الحقيقي في بناء الإنسان والمجتمع.

 

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى التوقف عند الأسئلة الجوهرية التي ظلت مؤجلة أو مُغيبة داخل عدد من التنظيمات التربوية، أسئلة تتعلق بالهوية، والرؤية، والغاية من الفعل التربوي:

 

هل نعرف من نحن؟ وهل نملك رؤية لما نريد؟

 

أولا:  من تراكم التجربة إلى ارتباك الرؤية

 

لا يمكن إنكار التراكم الكمي الكبير الذي حققته التنظيمات التربوية: مخيمات سنوية، آلاف الأطفال المستفيدين، برامج تنشيط متنوعة، حضور داخل دور الشباب والمؤسسات التعليمية.

لكن هذا التراكم، في كثير من الحالات، لم يُواكَب بتراكم نوعي على مستوى:

 

- وضوح المشروع التربوي

- تحديث المرجعيات الفكرية

- ملاءمة البرامج مع تحولات الطفولة والشباب

- الانتقال من منطق “الأنشطة” إلى منطق “الأثر”

 

أغلب التنظيمات أصبحت أسيرة:

 

- إعادة إنتاج نفس الصيغ التنشيطية منذ عقود

 

- الارتكان إلى نوستالجيا الرواد كآلية لإفراغ النقاشات والاسئلة الحقيقية. 

 

- التركيز على التنظيم والعدد والمشاركة على حساب المعنى والجودة

 

- الخضوع لإكراهات التمويل والإدارة على حساب الرؤية التربوية

 

وهكذا تحوّل المخيم في أحيان كثيرة من فضاء تربوي للتحرر والتعلم بالممارسة إلى مجرد فضاء للاستهلاك الترفيهي المنظم.

 

ثانيا: التربية الشعبية كهوية  من مشروع تحرري إلى شعار بلا روح

 

تقوم التربية الشعبية على:

 

- تمكين الطفل والشاب

- بناء الوعي النقدي

- التعلم من الواقع ومن التجربة

- ربط المتعة بالمعنى

- إنتاج مواطن فاعل لا مستهلك سلبي

 

لكن السؤال المؤلم هو: إلى أي حد ما تزال هذه القيم حاضرة فعليا في البرامج الميدانية التربوية؟

 

في كثير من الحالات، تحولت التربية الشعبية إلى:

 

- خطاب يُستعمل في التقارير والبيانات

- شعار يُرفع في اللقاءات

- مرجعية تُذكر دون إحداث وخلق  آليات  للتفعيل

 

بينما الممارسة اليومية غالبا ما تعيد إنتاج:

 

- التلقين بدل المشاركة

- الأنشطة الجاهزة بدل الإبداع الجماعي

- السلطة التنظيمية بدل الديمقراطية التربوية

 

وهنا يظهر الانفصام والهوة الخطيرة بين الخطاب والممارسة.

 

 

ثالثا: هل التنظيمات قادرة على الإجابة عن سؤال “من نحن؟”

 

حين نطرح هذا السؤال على عدد من الفاعلين الميدانيين، غالبا ما تكون الإجابات عامة وفضفاضة:

 

“نحن جمعية تربوية تاريخية ” – “نحن نخدم ونعنى  بالطفولة” – “نحن نؤطر الشباب وحاملون لرسالة تربوية ما يحملها من ولى”

 

لكن نادرا ما نجد إجابة استراتيجية  من قبيل:

 

ما هو تصورنا للطفل؟

أي مواطن نريد تكوينه؟

ما القيم المركزية التي نشتغل عليها؟

ما موقعنا داخل التحولات المجتمعية؟

 

إن غياب هذا الوضوح الفكري  يجعل التنظيمات التربوية:

 

- تشتغل بردود الفعل لا بالفعل الاستراتيجي

 

- تتبنى برامج ظرفية بدل مشاريع متوسطة و بعيدة المدى

 

- تنجرف وراء الموضات التربوية دون تمحيص.

 

رابعا: وماذا نريد فعلا؟

 

هل نريد:

 

مجرد ملء الزمن الحر؟

 

توفير فضاءات للترفيه؟

 

تنظيم أنشطة موسمية؟

 

أم نريد:

 

بناء شخصية الطفل المتوازنة؟

 

تنمية التفكير النقدي؟

 

تعزيز قيم التضامن والمواطنة؟

 

تمكين الشباب من مهارات الحياة؟

 

إن عدم الحسم في هذا السؤال يجعل كل الأنشطة متساوية في القيمة، ويُفرغ العمل التربوي من معناه العميق.

 

خامسا: نحو قياس الأثر والمعنى للفعل التربوي

 

 

إذا كانت التنظيمات جادة في إعادة الاعتبار لمشروع التربية الشعبية، فإنها مطالبة بالانتقال من منطق المنجزات العددية إلى منطق الأثر التربوي والاجتماعي. وفي هذا الإطار يمكن اقتراح مجموعة من المؤشرات العملية:

 

أ) مؤشرات على مستوى الطفل والشاب

 

- تطور مهارات التواصل والعمل الجماعي

 

- القدرة على التعبير عن الرأي

 

- تحسن الثقة بالنفس

 

- اكتساب قيم التعاون والمسؤولية

 

- المبادرة والمشاركة في اتخاذ القرار

 

ب) مؤشرات على مستوى التعلم والمعرفة

 

- اكتساب مهارات حياتية

(حل المشكلات، التفكير النقدي، التنظيم…)

 

- الربط بين الأنشطة والواقع اليومي

 

- القدرة على تحليل المواقف بدل استهلاكها

 

ج) مؤشرات على مستوى القيم والسلوك

 

- احترام الآخر والاختلاف

 

- الالتزام الجماعي

 

- الانخراط في أنشطة تطوعية لاحقة

 

- تراجع السلوكيات السلبية

 

د) مؤشرات على مستوى الأثر المجتمعي

 

- مساهمة المستفيدين في مبادرات محلية

 

- تعزيز الروابط داخل الأحياء والمؤسسات

 

- إنتاج قيادات شبابية فاعلة

 

ه) مؤشرات على مستوى التنظيم ذاته

 

- وضوح المشروع التربوي المكتوب

 

- تكوين مستمر للمؤطرين

 

- تقييم دوري للبرامج

 

- إشراك الأطفال والشباب في التخطيط

 

سادسا: سيناريوهات المستقبل

 

إذا استمرت التنظيمات في الهروب من سؤال الهوية والرؤية، فسنكون أمام:

 

- مزيد من التآكل الرمزي

- فقدان ثقة المجتمع

- تحوّل العمل التربوي إلى مجرد خدمات موسمية

 

أما إذا تجرأت على النقد الذاتي والعلني وإعادة البناء، فقد تستعيد:

 

- دورها التاريخي كقوة تربوية تغييرية

- مشروعيتها الاجتماعية

- قدرتها على التأثير العميق في الأجيال

 

 

 

في الاخير نؤكد أن أخطر ما يمكن أن تواجهه التنظيمات التربوية المغربية اليوم ليس ضعف الإمكانيات ولا صعوبة السياق، بل ضياع البوصلة التربوية.

فبدون جواب واضح عن:

 

من نحن؟

وماذا نريد؟

 

سنبقى ندور في حلقة الأنشطة المتكررة، ونقيس النجاح بعدد المستفيدين لا بعمق التغيير.

 

أما التربية الشعبية، فهي ليست مخيما ناجحا فقط، ولا برنامجا متنوعا، بل هي مشروع تحرري متكامل، يُقاس بقدرته على صناعة إنسان واع، ناقد، ومتضامن.

 

والسؤال المفتوح الذي يجب أن يُطرح اليوم بجرأة داخل كل تنظيم تربوي يحترم تاريخه هو:

 

هل نشتغل لنُدبّر الطفولة أم لنُغيّر بها المجتمع للاسهام في رفعته ؟

وهل ما نقوم به اليوم يصنع مواطن الغد، أم يملأ فراغ اليوم فقط؟