mercredi 28 janvier 2026
كتاب الرأي

محمد براو: المجلس الأعلى للحسابات.. من هندسة التقرير إلى هندسة الرسالة قراءة في دلالات التقرير السنوي 2024-2025

محمد براو: المجلس الأعلى للحسابات.. من هندسة التقرير إلى هندسة الرسالة  قراءة في دلالات التقرير السنوي 2024-2025 محمد براو

مقدمة : حين يصبح ترتيب التقرير رسالة في حد ذاته

لا يمكن قراءة التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025، ولا البلاغ الرسمي المرافق لنشره، باعتبارهما مجرد وثيقة تقنية أو عرض محايد للأنشطة. فاختيار المجلس أن يفتتح تقريره وبلاغه بالأنشطة القضائية، وأن يربطها صراحة بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وبالتوجيهات الملكية السامية، يشكل تحولا دلاليا واضحا في الخطاب المؤسساتي للمحاكم المالية، ويعكس وعيا متقدما بمتطلبات المرحلة وبموقع المجلس داخل منظومة الحكامة العمومية.

هذا التحول لا يهم الاختصاصات في حد ذاتها، بقدر ما يهم ترتيب الأولويات وبناء الرسائل، في انسجام تام مع الاستراتيجية الخماسية للمجلس التي جعلت من مكافحة الفساد وتعزيز المساءلة القضائية مدخلا مركزيا لإصلاح التدبير العمومي.

 

أولا: مركزية الأنشطة القضائية… تثبيت لقاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة

جعل المجلس الأعلى للحسابات من الباب الأول في تقريره بابا مخصصا للاختصاصات القضائية المرتبطة بتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو اختيار دالّ من زاويتين:

دستورية:
استحضار الفصل 148 من الدستور، الذي ينيط بالمجلس ممارسة الرقابة العليا على المالية العمومية، في إطار الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة.

سياسية–مؤسساتية:
تفعيل التوجيهات الملكية التي أكدت مرارا أن الإصلاح لا يستقيم دون مساءلة، وأن التنمية لا يمكن أن تقوم على الإفلات من المسؤولية.

أرقام تؤكد التحول النوعي

في مجال التدقيق والبت في حسابات المحاسبين العموميين، أصدرت المحاكم المالية خلال سنتي 2024-2025:

4452 قرارا وحكما نهائيا؛

منها 4235 قرارا بإبراء الذمة (95%)؛

مقابل 217 حالة عجز (5%)، بمبلغ إجمالي بلغ 57.882.097,54 درهما.

هذه الأرقام، خلافا للقراءات التبسيطية، لا تعكس ضعفا في الرقابة، بل:

تطورا في أنظمة التدبير؛

أثرا وقائيا قويا للرقابة القضائية؛

وانتقالا من منطق تصحيح الأخطاء بعد وقوعها إلى منطق الامتثال المسبق

.

ثانيا: من الزجر إلى الوقاية… القضاء المالي بوظيفة بيداغوجية

يكشف التقرير أن  95%  من مبالغ العجز ناتجة عن عدم اتخاذ الإجراءات الواجبة في تحصيل الموارد، مقابل 5%  فقط مرتبطة بصحة النفقة.
ويرجع المجلس ذلك إلى:

اعتماد الأنظمة المعلوماتية، خصوصا نظام التدبير المندمج للنفقات؛

ونشر القواعد المستنبطة من الاجتهاد القضائي للمحاكم المالية.

كما سجل التقرير استرجاع 16.433.633,29 درهما قبل صدور الأحكام النهائية، بمجرد توصل المحاسبين بمذكرات الملاحظات أو القرارات التمهيدية، وهو مؤشر بالغ الدلالة على:

تحوّل الرقابة القضائية إلى آلية تصحيح فوري، لا مجرد أداة عقاب لاحق.

 

ثالثا: التأديب المالي… عقاب مضبوط لا شعبوية زجرية

في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، بتت المحاكم المالية في:

99  متابَعا؛

صدرت في حقهم غرامات بلغ مجموعها 4.139.000  درهم (72 ملفا)؛

مع الحكم بإرجاع الأموال في 9  ملفات فقط بمبلغ 1.151.676,40  درهما؛

مقابل 27  ملفا قضت بعدم ثبوت المؤاخذات.

هنا تظهر فلسفة المجلس بوضوح:

لا تعميم للعقوبة؛

لا خلط بين الاختلال التنظيمي والخسارة المالية؛

ولا محاسبة دون إثبات الضرر.

 

رابعا: الإحالات الجنائية… توسيع دائرة عدم التسامح مع الفساد الجسيم

سجل التقرير إحالة 20  ملفا من طرف الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، تتعلق بأفعال قد تكتسي طابعا جنائيا، همّت:

13  جماعة ترابية؛

6  مؤسسات أو أجهزة عمومية؛

بنسبة لا تتجاوز 0,8%  من مجموع الأجهزة الخاضعة للرقابة.

ورغم محدودية النسبة، فإن دلالتها السياسية والمؤسساتية قوية:

لا حصانة إدارية أمام الأفعال الجنائية المرتبطة بتدبير المال العام.

 

خامسا: الأنشطة غير القضائية… تحسين مشروط بالمساءلة

رغم تقديمها في الباب الثاني، فإن أنشطة التقييم وتتبع الإصلاحات الكبرى تحتل حيزا مهما:

تتبع خمسة أوراش استراتيجية كبرى (الحماية الاجتماعية، الاستثمار، الطاقات المتجددة، المؤسسات والمقاولات العمومية، الجبايات)؛

تقييم برامج ومشاريع عمومية في مجالات تقليص الفوارق، السلامة الطرقية، الموارد المائية، التكوين المهني؛

تسجيل نسبة تنفيذ للتوصيات بلغت 40%، مع 44%  في طور الإنجاز.

لكن تقديم هذه الأنشطة بعد الباب القضائي يعكس قناعة استراتيجية واضحة:

لا معنى للتقييم والتحسين دون قاعدة صلبة للمساءلة.

 

سادسا: مرجعية الاستراتيجية الخماسية… نحو قضاء مالي في قلب مكافحة الفساد

يترجم هذا التقرير بوضوح توجهات الاستراتيجية الخماسية للمجلس، والتي تقوم على:

ترسيخ ربط المسؤولية بالمحاسبة كمرتكز أول؛

تعزيز الأثر الوقائي للرقابة القضائية؛

رفع جودة التتبع والتقييم؛

الانفتاح والتواصل مع الفاعلين العموميين والرأي العام؛

الالتقائية مع السياسات الوطنية لمكافحة الفساد.

وفي هذا الإطار، لم يعد المجلس يشتغل كـ"جهاز افتحاص" تقني فقط، بل كفاعل دستوري مركزي في هندسة الثقة بين الدولة والمواطن.

 

ختاما: رسالة التقرير أبعد من أرقامه

إن تقديم الأنشطة القضائية في صدارة التقرير السنوي 2024-2025 ليس مجرد اختيار شكلي، بل إعلان واضح عن:

أولوية المساءلة في زمن تعاظم البرامج العمومية؛

نضج نموذج مغربي للرقابة المالية، يجمع بين القضاء والتقييم؛

وإرادة مؤسساتية في جعل المحاسبة رافعة للإصلاح لا أداة للتشهير.

وبذلك، يرسّخ المجلس الأعلى للحسابات موقعه كحارس دستوري للمال العام، وفاعل محوري في معركة ترسيخ دولة الحكامة وسيادة القانون.