dimanche 25 janvier 2026
كتاب الرأي

المصطفى المريزق: عندما تتحول التقنية إلى سلطة رمزية في المشهد العمومي المغربي.. فوزي لقجع نموذجا

المصطفى المريزق: عندما تتحول التقنية إلى سلطة رمزية في المشهد العمومي المغربي.. فوزي لقجع نموذجا المصطفى المريزق

(من وحي الطريق الرابع)

في المشهد العمومي المغربي المعاصر، برزت شخصية فوزي لقجع كأحد أبرز الفاعلين غير الحزبيين، الذين تمكنوا من تحقيق موقع مركزي في دوائر القرار الوطني والدولي، دون أن يستندوا إلى قاعدة سياسية أو نفوذ اقتصادي تقليدي. فمنذ توليه رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم سنة 2014، مرورًا بعضويته في الهياكل التنفيذية للاتحاد الإفريقي والدولي والعربي، وصولًا إلى موقعه كوزير منتدب مكلف بالميزانية في حكومة عزيز أخنوش، استطاع لقجع أن يبني نموذجًا مختلفًا لرجل الدولة المغربي، القائم على الكفاءة والفعالية أكثر من الولاء أو الانتماء الحزبي.

أولًا: الكاريزما التقنية – منطق الوجاهة الجديدة

إذا كانت الكاريزما في المفهوم الفيبيري تقوم على "النعمة الشخصية المميزة" التي تجعل الأتباع يطيعون القائد طوعًا، فإن كاريزما لقجع تستمد قوتها لا من الحضور الخطابي أو الهالة الرمزية، بل من الكفاءة العقلانية التقنية. في زمن صار فيه الفشل البيروقراطي سمة غالبة في القطاعات العمومية، يمثل لقجع نوعًا جديدًا من "الفاعل الكاريزمي" الذي يفرض هيبته من خلال الانضباط، النتائج الملموسة، والقدرة على إدارة الملفات المعقدة ضمن منطق استراتيجي وواقعي في آن واحد.
هذا النمط من الكاريزما – الذي يمكن وصفه بـ"الكاريزما التقنية" – يعيد الاعتبار إلى قيم التنظيم، الفعالية، والاحترافية كأدوات مشروعة للسلطة الرمزية في المجال العمومي. فلقجع ليس سياسياً بالمعنى التقليدي، ولكنه نجح في أن يكون فاعلًا سياسياً بمخرجات إدارية وتقنية بحتة.

ثانيًا: بين السلطة الرمزية ورأس المال البيروقراطي

من منظور سوسيولوجي مستوحى من تحليلات بيير بورديو، يمكن القول إن لقجع راكم ما يسمى بـ"رأس المال البيروقراطي"؛ أي المعرفة الدقيقة بتعقيدات الدولة ومؤسساتها، وقدرته على التنقل داخل شبكات القرار دون أن يثير حروب ولاءات أو صراعات مصالح. هذا الرصيد مكّنه من تحويل موقعه الإداري إلى فضاء تأثير سياسي غير معلن، حيث تقدم صورته في الإعلام كمثال "للرجل العملي، النزيه، الدؤوب".
ما يميز لقجع أيضًا أنه استطاع تفادي تصنيفه ضمن شبكات المال أو لوبيات النفوذ، بل حافظ على مسافة احترافية جعلته يُنظر إليه كـ"خادم للدولة"، وليس كمنتفع منها. وهي صفة نادرة في السياق المغربي، حيث يختلط – في الغالب – المال بالسلطة، والمصلحة بالموقع.

ثالثًا: إشكالية المثال والاستنساخ

السؤال الجوهري الذي يطرحه الحضور اللافت للقجع هو: لماذا لم ينجح فاعلون آخرون بنفس الشكل؟
الجواب يكمن في البنية السوسيولوجية للمجال العمومي المغربي، الذي ما يزال محكومًا بثنائية الولاء والواسطة أكثر من منطق الكفاءة. فنجاح لقجع لا يرتبط بمنظومة عامة تسمح بإنتاجه، بل هو استثناء داخل منظومة تفتقر إلى ديناميات الاستحقاق. لذلك، يصعب "استنساخ" تجربته، لأنها ليست ثمرة بيئة مؤسساتية، بل نتاج مسار فردي يزاوج بين الذكاء التقني والالتزام الأخلاقي والقدرة التواصلية العالية.

رابعًا: السحر الرمزي وغياب القابلية للانتشار

يتساءل الكثيرون: لماذا لا ينقل لقجع "منهجيته" إلى باقي القطاعات؟
الحقيقة أن الكاريزما – كما يقول ماكس فيبر – لا تُورث ولا تُنقل، بل تُعاش وتتجسد في التجربة الفردية. فالسحر الرمزي الذي يخلقه لقجع حول ذاته يستمد معناه من نُدرة النموذج، ومن تموقعه في مفترق حساس بين الإدارة والسياسة والرياضة. وحتى لو أراد، فإن تعميم منهجه يتصادم مع مقاومات بيروقراطية وثقافية متجذرة في المشهد العمومي المغربي، حيث استمرار منطق التدبير بالولاءات يعيق أي إصلاح ممنهج.

خامسًا: الرمزية الأخلاقية والفاعلية الواقعية

ما يعزز كاريزما لقجع هو الجمع بين الفعالية والاتزان الأخلاقي. فهو ليس نجمًا سياسياً يسعى إلى الأضواء، بل تقنيّ يشتغل في صمت، يمتلك معارف دقيقة بالأرقام، بالاستراتيجيات، وبالعلاقات المؤسساتية. كما يتميز بخطاب براغماتي بعيد عن الإيديولوجيا، يجعل من الواقعية أداة للإقناع، ومن التنظيم وسيلة للهيمنة الرمزية الهادئة.

خاتمة

فوزي لقجع، في نهاية التحليل، ليس مجرد مسؤول عمومي ناجح، بل يمثل تحوّلًا في طبيعة السلطة في المغرب الحديث: من سلطة الولاء إلى سلطة الكفاءة، ومن كاريزما الشعارات إلى كاريزما الإنجاز. لكن نجاحه، بقدر ما يثير الإعجاب، يكشف عن معضلة أعمق: أن تحقق الاستثناء لا يعني بالضرورة أن المنظومة قابلة لإعادة إنتاجه.
فالسؤال ليس فقط لماذا نجح لقجع؟ بل لماذا لا يفتح المجال لغيره بأن ينجح مثله؟
كما أن هناك أسئلة أخرى لا تقل أهمية -ربما- مثل:
لماذا يتحول النجاح عندنا إلى احتكار رمزي بدل أن يصبح مدرسة تُنتج نجاحات أخرى؟
هل المشكلة في غياب الكفاءات، أم في انسداد قنوات الصعود أمامها؟
ما الذي يمنع تحويل تجربة ناجحة إلى سياسة عمومية لا إلى حالة خاصة؟
هل نحتاج إلى أشخاص أقوياء، أم إلى مؤسسات أقوى من الأشخاص؟
متى يصبح النجاح حقًا من حقوق الإنسان/ جماعيًا، لا امتيازًا فرديًا؟

 

 

المصطفى المريزق
مؤسس الطريق الرابع، ورئيس الجامعة الشعبية المغربية