mardi 20 janvier 2026
كتاب الرأي

عثمان زويرش: كان المغرب 2025.. حينما يصبح النجاح "فضيحة"

عثمان زويرش: كان المغرب 2025.. حينما يصبح النجاح "فضيحة" عثمان زويرش

في قراءة سيكولوجية وتحليلية لما واكب بطولة كأس الأمم الأفريقية بالمغرب 2025 من زخم إعلامي وتصريحات مثيرة للجدل، يبرز جلياً مفهوم "التدليس الممنهج" كآلية دفاعية جماعية لجأت إليها بعض أطقم المنتخبات ومنصات إعلامية رسمية بعيدة كل البعد عن الروح الرياضية. إن ما شهدناه من ادعاءات حول سوء التنظيم أو الإقامة، وتوصيف النجاح الباهر بـ"الفضيحة" عبر وسائل إعلام رسمية —كما تجسد في منشورات التلفزيون العمومي الجزائري— ليس مجرد سقطات عابرة، بل هو تعبير صارخ عن حالة "التنافر المعرفي" التي تصيب العقل الجمعي عندما يصطدم بواقع تنظيمي متفوق يضاهي المعايير العالمية. هذا الصدام يولد شعوراً حاداً بالدونية، يتم تفريغه قسرياً عبر استراتيجية "تبخيس المنجز" (Devaluation) ومحاولة شيطنة الآخر لتخفيف وطأة المقارنة الجارحة.


هذا الخطاب المشحون الذي اجتاح كبريات صفحات فيسبوك المليونية، لم يكن يهدف لنقد الجوانب الفنية للمنتخبات، بل ركز على صناعة "عدو متخيل" لامتصاص غضب الجماهير وتبرير الإخفاقات التكتيكية والميدانية. لقد لجأت أطقم تقنية، كحال الطاقم المصري بقيادة حسام حسن، إلى لغة "المظلومية" واستحضار الأمجاد التاريخية للرد على نجاحات الحاضر اللوجستية، مما يمثل ارتداداً نرجسياً يحاول حماية "الأنا الرياضية" الجريحة من الاعتراف بالفجوة الحضارية التي أحدثها المغرب في هذه النسخة. إن عجز هذه الأطقم عن تقديم تحليل فني واقعي للهزائم جعلها تهرب نحو "شماعات" خارجية مثل جودة الفنادق أو التحكيم، وهي ادعاءات كذبها الواقع وأبطلتها شهادات الهيئات الدولية مثل "الفيفا" و"الكاف".


إن لجوء مؤسسات إعلامية رسمية إلى تبني لغة "الشارع" الرقمي يمثل "مأسسةً للكذب" وتزييفاً ممنهجاً للوعي الجمعي. فعندما يتم وصم منصة تتويج عالمية وتنظيم محكم بكلمة "فضيحة"، فنحن أمام "إسقاط نفسي" (Projection) يسعى فيه الفاشل إلى عزو اضطراباته الداخلية وقصوره البنيوي إلى الطرف الناجح. هذا السلوك "غير العادي" إعلامياً، الذي حوّل منصات التواصل إلى ساحات للتوتر والفتنة، يعكس انتحاراً مهنياً يهدف إلى تخدير الرأي العام وصرفه عن التساؤل الجوهري حول أسباب الضعف التقني لمنتخباتهم. لقد وضع المغرب معايير "مونديالية" أحرجت كل من تعوّد على تبرير الفشل بالعشوائية الأفريقية، فكان رد الفعل الطبيعي لهؤلاء هو محاولة "كسر المرآة" بدلاً من إصلاح عيوب الوجه التي كشفتها دقة التنظيم وجمالية الملاعب.


إن "التدليس" ليس مجرد خطأ تواصل، بل هو "درع سيكولوجي" يحمي المنظومات المتهالكة من رياح التغيير والاحترافية. والفرق بين "إعلام المنجزات" الذي يتحدث بلغة الملاعب والمنشآت، وبين "إعلام الضجيج" الذي يقتات على المظلومية والكذب، هو الفرق ذاته بين أمة تبني مستقبلها بالعمل، ومنظومات تحاول ترميم حاضرها بفقاعات "فيسبوكية" وتصريحات جوفاء تتبخر بمجرد انطلاق صافرة الحقيقة.


في نهاية المطاف، يكشف هذا السلوك "غير العادي" إعلامياً عن عجز الأطقم الفنية عن مواجهة المرآة التي وضعها المنظم المغربي أمام القارة بأكملها؛ فبدلاً من إصلاح الوجه وتطوير الأداء، اختار البعض كسر المرآة وتشويه الحقيقة. إن الفرق بين "إعلام المنجزات" الذي يتحدث بلغة الملاعب والبنية التحتية، وبين "إعلام المظلومية" الذي يقتات على التدليس والكذب، هو الفرق ذاته بين من يبني الحاضر وبين من يختبئ وراء شعارات زائفة للتغطية على بؤس النتائج وغياب الرؤية.