يكشف مصطفى عكيدي، عضو مجلس مدينة الدار البيضاء عن حزب الاستقلال، خلفيات الارتباك الذي رافق عملية منح دعم الجمعيات الثقافية والرياضية والاجتماعية بمجلس مدينة الدار البيضاء، مسلطًا الضوء على التحولات التي عرفها تدبير هذا الملف داخل المجلس، خاصة بعد توسيع اختصاصات شركة التنمية المحلية “كازا إيفنت”. كما يناقش واقع دعم جمعيات القرب وإكراهات صرف الدعم، وحدود المسؤولية السياسية لحزب الاستقلال داخل الأغلبية المسيرة، إلى جانب سبل إصلاح منظومة الدعم وتعزيز الشفافية.
ما سبب الارتباك الحاصل على مستوى منح دعم الجمعيات الثقافية والرياضية والاجتماعية في مجلس مدينة الدار البيضاء؟
بالنسبة لي، أود أولًا القيام بتشخيص الوضع ووضعه في سياقه الصحيح حتى نتمكن من فهمه. نحن لدينا قناعة مبدئية مفادها أن تدبير ملف دعم الجمعيات لم يرقَ إلى تطلعاتنا كمنتخبين، ولا إلى تطلعات الجمعيات باعتبارها شريكًا أساسيًا في التنمية، كما نص على ذلك دستور سنة 2011 الذي منحها هذه المكانة والمسؤولية.
فالمجلس الجماعي لمدينة الدار البيضاء، وفي إطار الاختصاصات المخولة له وفق القانون التنظيمي 113.14، من مهامه تقديم خدمات القرب في إطار سياسة القرب، حيث إن المشرع وزع الاختصاصات بين الجماعات الترابية: فمجلس الجهة يتكلف بالتأهيل الاقتصادي، ومجلس العمالة بالتأهيل الاجتماعي، بينما خُصصت للجماعات صلاحيات خدمات القرب، ومن بينها دعم الجمعيات.
لكن المجلس لم يصرف الدعم للعديد من الجمعيات، بماذا تفسر ذلك؟
عند تقييم حصيلة خمس سنوات، يتضح أن الجمعيات لم تستفد إلا بشكل محدود، خاصة من دعم سنتي 2022 و2024، بينما عرفت سنة 2023 توجيه الجهود نحو التضامن مع متضرري زلزال الحوز، وقبلها كانت جائحة كورونا وتداعياتها. لذلك نعتبر أن الحصيلة غير إيجابية، لأن اعتبار الجمعيات شريكا في التنمية يفرض توفير الإمكانيات والوسائل اللازمة لتمكينها من أداء أدوارها.
لماذا وقع هذا الارتباك في صرف منحة الجمعيات خلال هذه الولاية؟
بخصوص الارتباك الحاصل، فهو مرتبط أساسا بتحول في توجه الجماعة فيما يتعلق بالدعم، خصوصا في المجالين الثقافي والرياضي. فقد تم توسيع مهام شركة التنمية المحلية “كازا إيفنت” لتتولى تنظيم التظاهرات الثقافية والرياضية. ففي السابق كانت تشرف على ثلاث تظاهرات رئيسية فقط: مهرجان الدار البيضاء، وماراثون الدار البيضاء، وتدبير المركب الرياضي محمد الخامس، وكانت معاملاتها المالية لا تتجاوز حوالي خمسة ملايين درهم. غير أن المجلس قرر توسيع اختصاصاتها ومنحها اتفاقية إطار بدعم بلغ في مرحلة أولى ثلاثة مليارات سنتيم، مع عمولة تصل إلى 10%، أي ما يعادل 300 مليون سنتيم بمجرد توقيع الاتفاقية، إضافة إلى مصاريف أخرى فيها سخاء كبير. وقد كنا ضد هذا التوجه لأنه جاء على حساب التنشيط المحلي، إذ إن الميزانية التي كان من المفترض توجيهها للمقاطعات ولدعم الجمعيات مُنحت لشركة التنمية المحلية. والغريب أن الميزانية ارتفعت لاحقًا من ثلاثة مليارات إلى أربعة مليارات سنتيم، علما أن مذكرة وزارة الداخلية تحدد العمولة بين 2% و5%، وقد استقرت حاليًا في حدود 6%، وهو ما نعتبره خارج الإطار المحدد. كما أن الشركة تنظم أنشطة كبرى مثل حفلات وسهرات ضخمة وبرامج للتنقيب عن المواهب، وهي اختصاصات تدخل أصلًا ضمن مهام قطاعات حكومية كوزارة الشباب والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
لكن حزب الاستقلال من الأحزاب الثلاثة التي تسير مجلس مدينة الدار البيضاء إلى جانب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، هل تتحملون المسؤولية فيما يقع بخصوص هذه القضية؟
بخصوص مسؤوليتنا السياسية، فنحن مكون أساسي داخل التحالف المسير للمدينة ونتحمل مسؤوليتنا، ولم نتنصل منها، ونعبر داخل اللجان والدورات عن تحفظاتنا وننبه إلى أن هذا التوجه غير سليم. لكن في إطار الانضباط داخل التحالف، يصعب التصويت ضد توجه تدعمه أغلبية مكوناته. وأعتقد أن الجماعة بدأت تبتعد عن دورها الأساسي المتمثل في دعم التنشيط المحلي وخدمات القرب، وهو الهدف الذي من أجله أُحدثت المقاطعات.
هناك من يعتبر أن هذا التوجه يهدف إلى احترافية أكبر وتنظيم أفضل، خاصة بعد تجارب سابقة استغل فيها دعم الجمعيات لأغراض سياسية، ما هو رأيك؟
نؤكد أن الهدف في جميع الحالات يجب أن يظل هو دعم وتعزيز النشاط الثقافي والرياضي المحلي. فيما يخص موضوع الجمعيات، فإن هذه الأخيرة تخضع لمجموعة من المعايير للاستفادة من الدعم. ومع مريم ولهان، النائبة المكلفة بالقطاع الاجتماعي، تم فتح نقاش وتشاور واسع من أجل تقنين هذا المجال بشكل أفضل. وقد تم اعتماد مبدأ الاشتغال عبر منصة رقمية مفتوحة أمام الجمعيات، تمنح طابعًا من الشفافية في تدبير ملف الدعم. كما تم العمل على إلغاء حالات التنافي بالنسبة للمنتخبين والموظفين، ومحاربة ما يُعرف بالجمعيات العائلية، وهو ما ساهم في تحسين الوضع، إذ إن عدداً من الجمعيات، منذ إطلاق المنصة سنة 2022، قامت بتغيير قوانينها الأساسية، وأزالت الطابع العائلي وتضارب المصالح. غير أن الإشكال المطروح يتمثل في غياب الانسجام بين القطاع الاجتماعي من جهة، والقطاعين الثقافي والرياضي من جهة أخرى. فقد كان الهدف هو التوجه نحو التخصص، بحيث تتخصص كل جمعية في مجال معين: اجتماعي أو ثقافي أو رياضي. لكن الواقع يظهر أن بعض الجمعيات توسّع اختصاصاتها لتشمل مجالات متعددة كالصحة والتعليم والتضامن وغيرها، وهو ما يتجاوز دورها الحقيقي. ولهذا تم اعتماد بلاغ واحد لطلب الدعم، بحيث تختار الجمعية مجالًا واحدا فقط، لأن الاستفادة من أكثر من قطاع لم تعد ممكنة. وقد ساهم هذا الإجراء في تنظيم العملية. وخلال التقييم، تبيّن أن بعض الجمعيات كانت تهدر المال العام أو توظف الدعم لأغراض غير تلك المسطرة..وفي القطاع الاجتماعي، تم الانتقال من منطق المنح الجزافية إلى منطق اتفاقيات الشراكة، عبر تحديد محاور الدعم، وتشجيع الجمعيات على تنفيذ برامج ميدانية تستجيب للحاجيات الفعلية، خاصة بالنسبة للجمعيات المناخية والتمكين الاقتصادي للنساء والشباب في وضعية هشاشة، وهي محاور اعتُبرت ناجحة إلى حد كبير وقابلة للتطوير.
ما هي نسبة الدعم المالي المخصص حاليا لجمعيات الثقافية والرياضية والاجتماعية؟
بخصوص حجم الدعم، فالجمعيات الثقافية المحلية التي تنشط في ثقافة القرب تستفيد من مليوني درهم سنويًا (200 مليون سنتيم)، وكذلك الجمعيات الرياضية الخاصة برياضة القرب. غير أن المفارقة تظهر عند مقارنة هذه المبالغ بالدعم المخصص لشركة “كازا إيفنت”، الذي يصل إلى أربعة مليارات سنتيم، وهو مبلغ كبير جدًا مقارنة بما تحصل عليه الجمعيات من دعم والذي يبقى ضعيفا، إذ لا يتجاوز أحيانًا 5000 أو 7000 درهم.
هل هذا هو الذي يدفع بعض الجمعيات إلى الترفع عن تقديم ملف الدعم؟
نعم، مبدئيا لابد من تقديم دعم كافي للجمعيات لمساعدتها على القيام بأنشطتها.
كما يبرز مشكل آخر يتعلق بتأخر صرف الدعم، حيث تستفيد شركة “كازا إيفنت“ من ميزانيتها مبكرًا، بينما تضطر الجمعيات للانتظار طويلا. وهو ما يحدث حاليا. وكمنتخبين حاليا قمنا باتخاذ مقرر، ولكن من أجل تصريف هذا المقرر لكي تستفيد الجمعيات من الدعم المالي هناك “بلوكاج“، لأنه على مستوى الخازن الاقليمي يؤكد غياب السيولة، لأن “هداكشي جا مزاحم“ وقدمنا ملتمسا ونتمنى الاستجابة له. ومن المفروض أن يكون دعم الجمعيات في دورة ماي حتى تستفيد الجمعيات من دعمها بشكل منظم، كما أن قيمة الدعم لابد أن ترتفع باحترام المعايير.
.